map
RSS youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

3997

حسن الباش يعود الى مخيم اليرموك

تاريخ النشر : 01-05-2016
حسن الباش يعود الى مخيم اليرموك

علي بدوان

من دفاتر اليرموك (الجزء الثاني) (1)

في لحظاتٍ مُفاجئة، كانت أشبه بالصاعقة التي نَزَلت على رؤوس من تبقى من أبناء مخيم اليرموك وفلسطينيي سوريا، ونشطائهم، ذهب الدكتور حسن مصطفى الباش، الى رحلته الأخيرة، رحلة الخلود الأبدي، مُطمئناً راضياً، مُبتسماً، وواثقاً من إنتصار شعبه رغم الآلام الكبيرة التي مازالت ملتصقة بالجسد الفلسطيني المُثخن بالجراح، منذ النكبة الأولى عام 1948، وشريطها المونولوجي المُمتد عبر سنوات طويلة، وعبر مَمَراتٍ ضيقة من التكويعات والعثرات والأشواك على درب الآلام الفلسطيني، وصولاً الى نكبتهم الثانية في مخيم اليرموك وعموم المخيمات والتجمعات الفلسطينية نهاية العام 2012، وهي النكبة التي مازالت تُجرجر نفسها على فلسطينيي سوريا، وجعاً، وألماً، ومعاناة، وفاقة ...

الدكتور حسن مصطفى الباش، المولود في طيرة حيفا عام 1947، خرج طفلاً من أرض وطنه، محمولاً على يدي والديه، بعد أن تنفس جرعات الهواء الأولى التي تدفقت الى رئتيه من هواء وطنه فلسطين. فقد غادر مع أسرته طيرة حيفا دون أسنانٍ لبنيه، تاركاً وراءه بحر حيفا وجبل الكرمل، في لحظات الوداع المخفية التي ذهبت بذاكرة طفلٍ لم تكن مُهيأة لرسم وحفظ تلك اللحظات، لكن الوعي التالي حفرها وصقلها في وجدانه وعقله وضميره، فكان وطنياً فلسطينياً بامتياز.

شق طريقه في الحياة، كأترابه من فلسطينيي سوريا من أجيال النكبة الأولى وماتلاها، بالكد والتعب والعمل المضني، والتحصيل العلمي، في ظروفٍ كانت صعبة وقاسية. فعلى ضوء الكاز والبريموس، كان يَدرُس ويتعلم، وصولاً لنيله الإجازة باللغة العربية من جامعة دمشق، ومن ثم دبلوم التربية، وصولاً لدرجة الدكتوراه التي نالها عن رسالته المتعلقة بــ (مقارنة الأديان : أصوله ومناهجه).

إمتهن ميدان التربية والتعليم، مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانويات ريف دمشق، ثم ثانويات مدينة دمشق، انتقالاً الى مجمع أبو النور الإسلامي بدمشق، مُدرساً لمادة اللغة العربية، وبعض مواد الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي،  في أقسام المجمع والجامعة التابعة له، وقد أُعتُمِدَ كتابه عن مقارنة الديان كمرجع ومادة للدراسة الجامعية في عددٍ من الكليات الشرعية وأقسام اللغة العربية بعددٍ من الجامعات الإسلامية والعربية. ولاننسى هنا دوره التنويري والتربوي والتعليمي في مخيم اليرموك، ومحاضراته الدائمة في مقر كشافة فلسطين بين أعوام 1972 الى العام 1983 ...

كان الدكتور حسن الباش واحداً من الرواد من أبناء مخيم اليرموك، من الساعين لتجاوز المحنة، بوقفة الكبرياء والتحدي، وبذل كل الجهود لتخفيف المعاناة عن الناس، ومد يد العون الى الجميع ما استطاع اليه سبيلا. وقد انهمك بعمله ليل نهار لتخيف وطأة المعاناة عن الناس، خاصة في الفترات الأولى التي شَهِدَت إغلاقاً وحصاراً لليرموك بشكلٍ كامل نتيجة الأوضاع المعروف التي أحاطت بمسألة وأزمة اليرموك، فكان على رأس اللجنة التي طالبت وحصلت على موافقات توزيع وادخال المواد الغذائية وخاصة مادة الخبز الى اليرموك، ومعه الجميع من الهيئة الوطنية الفلسطينية وهيئات الإغاثة، الذين تحدوا رصاص القنص والهاونات وغير ذلك من المخاطر، وقد انهالت الدموع على خديه بالفرح والحبور بعد ادخال اولى دفعات مادة الخُبزِ والمواد الغذائية لما تبقى من أهلنا وشعبنا في مربعات مخيم اليرموك المختلفة عبر بوابة المخيم، ومن حارة الفدائية على وجه التحديد حين كنت قريباً منه في تلك اللحظات. انهالت على وجنتيه دموع الفرح لإدخال الخبز والمواد الغذائية بالرغم من هول المشاهدات الأولى للدمار الواقع في حارة الفدائية، ومنها دمار بنايتنا التي كانت أول بناية يجري تدميرها على أرض مخيم اليرموك.

تَعَرَّفتُ على الدكتور حسن الباش بشكلٍ جيد ومباشر منذ زمن طويل، حين أصدر مجموعته الشعرية الأولى (من الجرح يبتدأ البرق)، فكان شاعراً إضافة لإسهاماته في الكتابة البحثية المتعلقة بالتاريخ الإسلامي ومقارنة الأديان، والتقريب بين المذاهب.

تعمّقت معرفتي به بعد وصول الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الى سوريا مُبعداً من قبل سلطات الإحتلال من أرض وطنه فلسطين الى وطنه الثاني سوريا. وفي حينها كان الراحل الدكتور حسن الباش من أوائل الملتفين حول الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، والمنضوين في إطار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. فكان خَير من يُمثلها وسط الناس وفي عموم الهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية كالإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين. كما كان اعلامياً مرموقاً في عمله، بدءاً من رئاسة تحرير مجلة المجاهد التي استمر اصدارها لسنوات، وليس انتهاءاً بالكتابة اليومية الى حين لحظاته الأخيرة في دنيا الوجود البشري.

قبل محنة اليرموك، وتحديداً يوم 2/5/2010، حين كُلفت ومعي الدكتور غطاس أبو عيطة والدكتور اسامة الأشقر بالقاء محاضرة في منتدى القدس التابع لحركة الجهاد الإسلامي تحت عنوان "اليسار الفلسطيني وخياراته السياسية/جدل السلطة"، وقف الدكتور حسن الباش موقفاً رجولياً يُسجل له دفاعاً عن حرية الرأي، في مواجهة بعض الرعاع والغوغاء الذين حاولوا استفزازي وتعطيل مسار تلك الندوة، وتحديداً عندما وقف شخصٌ أرعن حاول التخريب في تلك الأمسية بعد أن شَحَنَهُ وحَرَضَهُ رئيسه الأحمق والموتور والمعروف في مخيم اليرموك للقاص والداني من كل القوى والفصائل، وسانده أخر يمتلك الآن صفحة على الفيسبوك يعزف عليها كتابات الشؤوم من بلادٍ بعيدة بعد أن فَرَّ من تنظيمه اليساري العتيد.

الدكتور حسن الباش، نستذكره بالقيم والمُثل الطيبة والأصيلة التي حملها وكرسها في حياته، وآمن بها ايماناً عميقاً، وجسدها بممارساته اليومية، وعلاقته الحميميه مع الجميع حتى في أصعب الظروف التي عشنهاها ومازلنا في سوريا.

الدكتور حسن الباش، نسرٌ فلسطيني أصيل، استنشق وتنفس هواء فلسطين في ارهاصاته لحظات ولادته الأولى، وعاش في المخيم الفلسطيني، وحَلَّقَ في سماء مخيم اليرموك بعد محنته، فعاد اليه لينغرس في ترابه المجبول بدماء شهداء اليرموك من أبناء فلسطين وسوريا، والمجبول بالكد والتعب المضني  الذي بذله أبناء اليرموك طوال سنواتٍ طويلة من نكبة فلسطين، ودراما اللجوء الفلسطيني. له الذكرى العطرة والطيبة، في وجدان وضمير الشعب، والرحمة من رب كريم ورحيم.

رابط مختصر : http://actionpal.org.uk/ar/post/4802

علي بدوان

من دفاتر اليرموك (الجزء الثاني) (1)

في لحظاتٍ مُفاجئة، كانت أشبه بالصاعقة التي نَزَلت على رؤوس من تبقى من أبناء مخيم اليرموك وفلسطينيي سوريا، ونشطائهم، ذهب الدكتور حسن مصطفى الباش، الى رحلته الأخيرة، رحلة الخلود الأبدي، مُطمئناً راضياً، مُبتسماً، وواثقاً من إنتصار شعبه رغم الآلام الكبيرة التي مازالت ملتصقة بالجسد الفلسطيني المُثخن بالجراح، منذ النكبة الأولى عام 1948، وشريطها المونولوجي المُمتد عبر سنوات طويلة، وعبر مَمَراتٍ ضيقة من التكويعات والعثرات والأشواك على درب الآلام الفلسطيني، وصولاً الى نكبتهم الثانية في مخيم اليرموك وعموم المخيمات والتجمعات الفلسطينية نهاية العام 2012، وهي النكبة التي مازالت تُجرجر نفسها على فلسطينيي سوريا، وجعاً، وألماً، ومعاناة، وفاقة ...

الدكتور حسن مصطفى الباش، المولود في طيرة حيفا عام 1947، خرج طفلاً من أرض وطنه، محمولاً على يدي والديه، بعد أن تنفس جرعات الهواء الأولى التي تدفقت الى رئتيه من هواء وطنه فلسطين. فقد غادر مع أسرته طيرة حيفا دون أسنانٍ لبنيه، تاركاً وراءه بحر حيفا وجبل الكرمل، في لحظات الوداع المخفية التي ذهبت بذاكرة طفلٍ لم تكن مُهيأة لرسم وحفظ تلك اللحظات، لكن الوعي التالي حفرها وصقلها في وجدانه وعقله وضميره، فكان وطنياً فلسطينياً بامتياز.

شق طريقه في الحياة، كأترابه من فلسطينيي سوريا من أجيال النكبة الأولى وماتلاها، بالكد والتعب والعمل المضني، والتحصيل العلمي، في ظروفٍ كانت صعبة وقاسية. فعلى ضوء الكاز والبريموس، كان يَدرُس ويتعلم، وصولاً لنيله الإجازة باللغة العربية من جامعة دمشق، ومن ثم دبلوم التربية، وصولاً لدرجة الدكتوراه التي نالها عن رسالته المتعلقة بــ (مقارنة الأديان : أصوله ومناهجه).

إمتهن ميدان التربية والتعليم، مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانويات ريف دمشق، ثم ثانويات مدينة دمشق، انتقالاً الى مجمع أبو النور الإسلامي بدمشق، مُدرساً لمادة اللغة العربية، وبعض مواد الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي،  في أقسام المجمع والجامعة التابعة له، وقد أُعتُمِدَ كتابه عن مقارنة الديان كمرجع ومادة للدراسة الجامعية في عددٍ من الكليات الشرعية وأقسام اللغة العربية بعددٍ من الجامعات الإسلامية والعربية. ولاننسى هنا دوره التنويري والتربوي والتعليمي في مخيم اليرموك، ومحاضراته الدائمة في مقر كشافة فلسطين بين أعوام 1972 الى العام 1983 ...

كان الدكتور حسن الباش واحداً من الرواد من أبناء مخيم اليرموك، من الساعين لتجاوز المحنة، بوقفة الكبرياء والتحدي، وبذل كل الجهود لتخفيف المعاناة عن الناس، ومد يد العون الى الجميع ما استطاع اليه سبيلا. وقد انهمك بعمله ليل نهار لتخيف وطأة المعاناة عن الناس، خاصة في الفترات الأولى التي شَهِدَت إغلاقاً وحصاراً لليرموك بشكلٍ كامل نتيجة الأوضاع المعروف التي أحاطت بمسألة وأزمة اليرموك، فكان على رأس اللجنة التي طالبت وحصلت على موافقات توزيع وادخال المواد الغذائية وخاصة مادة الخبز الى اليرموك، ومعه الجميع من الهيئة الوطنية الفلسطينية وهيئات الإغاثة، الذين تحدوا رصاص القنص والهاونات وغير ذلك من المخاطر، وقد انهالت الدموع على خديه بالفرح والحبور بعد ادخال اولى دفعات مادة الخُبزِ والمواد الغذائية لما تبقى من أهلنا وشعبنا في مربعات مخيم اليرموك المختلفة عبر بوابة المخيم، ومن حارة الفدائية على وجه التحديد حين كنت قريباً منه في تلك اللحظات. انهالت على وجنتيه دموع الفرح لإدخال الخبز والمواد الغذائية بالرغم من هول المشاهدات الأولى للدمار الواقع في حارة الفدائية، ومنها دمار بنايتنا التي كانت أول بناية يجري تدميرها على أرض مخيم اليرموك.

تَعَرَّفتُ على الدكتور حسن الباش بشكلٍ جيد ومباشر منذ زمن طويل، حين أصدر مجموعته الشعرية الأولى (من الجرح يبتدأ البرق)، فكان شاعراً إضافة لإسهاماته في الكتابة البحثية المتعلقة بالتاريخ الإسلامي ومقارنة الأديان، والتقريب بين المذاهب.

تعمّقت معرفتي به بعد وصول الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الى سوريا مُبعداً من قبل سلطات الإحتلال من أرض وطنه فلسطين الى وطنه الثاني سوريا. وفي حينها كان الراحل الدكتور حسن الباش من أوائل الملتفين حول الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، والمنضوين في إطار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. فكان خَير من يُمثلها وسط الناس وفي عموم الهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية كالإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين. كما كان اعلامياً مرموقاً في عمله، بدءاً من رئاسة تحرير مجلة المجاهد التي استمر اصدارها لسنوات، وليس انتهاءاً بالكتابة اليومية الى حين لحظاته الأخيرة في دنيا الوجود البشري.

قبل محنة اليرموك، وتحديداً يوم 2/5/2010، حين كُلفت ومعي الدكتور غطاس أبو عيطة والدكتور اسامة الأشقر بالقاء محاضرة في منتدى القدس التابع لحركة الجهاد الإسلامي تحت عنوان "اليسار الفلسطيني وخياراته السياسية/جدل السلطة"، وقف الدكتور حسن الباش موقفاً رجولياً يُسجل له دفاعاً عن حرية الرأي، في مواجهة بعض الرعاع والغوغاء الذين حاولوا استفزازي وتعطيل مسار تلك الندوة، وتحديداً عندما وقف شخصٌ أرعن حاول التخريب في تلك الأمسية بعد أن شَحَنَهُ وحَرَضَهُ رئيسه الأحمق والموتور والمعروف في مخيم اليرموك للقاص والداني من كل القوى والفصائل، وسانده أخر يمتلك الآن صفحة على الفيسبوك يعزف عليها كتابات الشؤوم من بلادٍ بعيدة بعد أن فَرَّ من تنظيمه اليساري العتيد.

الدكتور حسن الباش، نستذكره بالقيم والمُثل الطيبة والأصيلة التي حملها وكرسها في حياته، وآمن بها ايماناً عميقاً، وجسدها بممارساته اليومية، وعلاقته الحميميه مع الجميع حتى في أصعب الظروف التي عشنهاها ومازلنا في سوريا.

الدكتور حسن الباش، نسرٌ فلسطيني أصيل، استنشق وتنفس هواء فلسطين في ارهاصاته لحظات ولادته الأولى، وعاش في المخيم الفلسطيني، وحَلَّقَ في سماء مخيم اليرموك بعد محنته، فعاد اليه لينغرس في ترابه المجبول بدماء شهداء اليرموك من أبناء فلسطين وسوريا، والمجبول بالكد والتعب المضني  الذي بذله أبناء اليرموك طوال سنواتٍ طويلة من نكبة فلسطين، ودراما اللجوء الفلسطيني. له الذكرى العطرة والطيبة، في وجدان وضمير الشعب، والرحمة من رب كريم ورحيم.

رابط مختصر : http://actionpal.org.uk/ar/post/4802