بين الغياب والحياة فلسفة البقاء الفلسطيني السوري

نضال الخليل

الفلسطيني السوري اليوم يعيش حالة من التعليق بين الغياب والحياة، بين الماضي الذي لم يُستكمل والمستقبل الذي لم يُكتب بعد لم يعد مجرد لاجئ يعيش مأساة مؤقتة لكنه أصبح مجتمعًا كاملًا يختبر أزمة وجودية مستمرة حيث تتشابك الحياة اليومية مع الاقتصاد والهشاشة الاجتماعية في شبكة معقدة من العلاقات والذكريات والخيبات
الأزمة هنا ليست اقتصادية فحسب إنما وجودية:
– سؤال مستمر عن الذات، عن الجماعة وعن معنى أن تكون فلسطينيًا داخل واقع لم يعد كما كان
قبل عام 2011 شكلت المخيمات والمدن الفلسطينية في سوريا – من اليرموك إلى الحسينية ومن درعا إلى دمشق القديمة – فضاءات لإعادة إنتاج الهوية والذاكرة الجماعية
الأسواق الصغيرة، المدارس ودور الثقافة لم تكن مجرد مرافق لكنها كانت فضاءات للوجود المشترك وللتعلم الاجتماعي والفني والسياسي حيث تتشكل علاقات الناس اليومية وتُبنى الشبكات الأسرية والاجتماعية
مع التغيرات الكبيرة في سوريا تعرضت هذه الحياة لتحولات عميقة فانهارت البنى المادية وتبددت بعض المساحات الرمزية تاركة الفلسطيني السوري أمام تجربة وجودية جديدة البحث عن ذاته في عالم متغير ومحاولة إعادة بناء هويته وسط الفراغ والهشاشة
الهوية الفلسطينية لم تعد شعورًا رمزيًا بالانتماء فحسب بل بنية يُعاد إنتاجها يوميًا من خلال العلاقات في البيت، المخيم والمدرسة ومن خلال كل فعل يومي صغير حتى المخيمات التي تعرضت للدمار ظلت تمثل ذاكرة مجتمعية حية ومساحة لإعادة إنتاج الذات والجماعة رغم فقدان الكثير من مظاهر الحياة السابقة
وفق تقديرات الأونروا لعام 2025 يعيش نحو 438,000 فلسطيني في سوريا معظمهم في حالة فقر شبه دائم مع اعتماد كبير على المساعدات الإنسانية
تشير البيانات إلى أن أكثر من 60% منهم يواجهون انعدام الأمن الغذائي بينما يعتمد حوالي 96% على دعم أونروا لتلبية احتياجاتهم الأساسية
هذه الأرقام لا تعكس فقط حالة مادية صعبة لكن تجربة وجودية يومية حيث يصبح كل فعل – من تأمين الغذاء إلى التعليم – مشروعًا لإعادة إنتاج الذات والجماعة في عالم هش ومعقد
الحياة الاقتصادية للفلسطيني السوري لم تعد مجرد تأمين موارد إنما هي فعل فلسفي يومي:
– العمل الجزئي، الاقتصاد غير الرسمي والتنسيق الأسري كلها أدوات للحفاظ على الحياة ولكنها أيضًا أدوات لإعادة إنتاج الهوية الجماعية
العلاقات الاجتماعية تُعاد كتابتها مع كل تحد جديد فالتضامن، الدعم المتبادل ومتابعة الأطفال في التعليم كلها ممارسات تحافظ على نسيج المجتمع وتمنحه معنى رغم شح الموارد
المخيم الفلسطيني في سوريا لم يعد مجرد مساحة جغرافية لكنه فضاء للذاكرة وللتجربة الإنسانية الجماعية كل شارع، سوق أو زاوية تحمل ذكرى وعلاقة اجتماعية وهي تمثل استمرارًا للهوية حتى في ظل التغيرات الكبيرة
المدارس حتى إذا كانت محدودة الموارد ليست فقط فضاءً للتعليم لكنها فضاءً لإعادة إنتاج الوعي والذات الجماعية
الأسواق ليست فقط أماكن شراء وبيع إنما مساحات لتبادل الخبرات الاجتماعية والثقافية
البقاء اليومي للفلسطيني السوري هو ممارسة فلسفية قائمة على إعادة ترتيب الذات والعلاقات باستمرار كل يوم، كل قرار، كل لقاء، كل فعل عملي – سواء كان طهي وجبة، متابعة الدروس أو تنظيم شؤون البيت – هو إعادة إنتاج للوجود وللهوية
الهوية الفلسطينية هنا ليست ذكرى فقط لكنها عملية مستمرة لإعادة تعريف الذات والجماعة في مواجهة الواقع المتغير
المجتمع الفلسطيني السوري مرن في قدرته على التكيف لكنه هش في بنيته كل لحظة، كل فعل صغير يعكس فلسفة البقاء اليومية وهي قدرة على الصمود وإعادة إنتاج معنى الحياة إعادة بناء الشبكات الاجتماعية الحفاظ على المدارس والمساحات الثقافية وتأمين الموارد الأساسية كلها عناصر تحافظ على استمرارية الحياة وتجعل البقاء اليومي مشروعًا فلسفيًا عمليًا
في هذا السياق يصبح الفلسطيني السوري مثالًا حيًا على قدرة الإنسان على إعادة إنتاج ذاته وجماعته في أصعب الظروف
الحياة اليومية من أفعال بسيطة إلى قرارات مصيرية هي فعل نقدي مستمر للوجود يتيح للفلسطيني أن يعيد تعريف هويته ويستمر في البحث عن ذاته حتى في بيئة هشة ومعقدة
الفلسطيني السوري اليوم يعيش تجربة وجودية عميقة حيث تتشابك الهوية، العلاقات اليومية والواقع الاقتصادي في نسيج معقد من التحديات
الحفاظ على الهوية، على الذاكرة وعلى المعنى اليومي للحياة هو مشروع مستمر لإعادة إنتاج المجتمع نفسه هذه تجربة فلسفية واجتماعية تحول البقاء اليومي إلى فعل نقدي مستمر يعيد تعريف الذات والجماعة ويبرز قدرة المجتمع على البحث عن ذاته وإعادة إنتاج وجوده حتى في أصعب الظروف

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share