حين يصبح الوجود حكمًا مؤجلًا بالإعدام

حين يصبح الوجود حكمًا مؤجلًا بالإعدام الفلسطيني السوري وقلق المعنى بين ذاكرة تُستعاد وقضية تُعاد كتابتها

مجموعة العمل ـ نضال الخليل

لم يكن اقتراح “إعدام الأسرى” في السياق الإسرائيلي مجرد قانون عابر إنما لحظة كاشفة أشبه بما يسميه النقد الفلسفي “انكشاف البنية العميقة للعنف” فالقانون حين يتجاوز وظيفة التنظيم إلى وظيفة الإبادة يتحول من نص قانوني إلى بيان أنطولوجي عن طبيعة السلطة: سلطة لا تكتفي بالهيمنة وإنما تسعى إلى محو الخصم من الوجود جسدًا وذاكرة

في هذا المعنى لا يمكن قراءة هذا القانون إلا بوصفه انتقالًا من إدارة الصراع إلى تصفيته ومن السيطرة إلى الإلغاء

وهنا تحديدًا يبدأ سؤال الفلسطيني السوري لا بوصفه هامشًا في القضية وإنما بوصفه نقطة توتر داخلها حيث تتقاطع الأزمنة: زمن النكبة وزمن الحرب السورية وزمن الحاضر الذي لا يجد تعريفًا نهائيًا لنفسه

إن تشريع إعدام الأسرى ينسف في جوهره مفهوم “الأسير” ذاته ذلك المفهوم الذي تأسس تاريخيًا على افتراض الحد الأدنى من الاعتراف بإنسانية الخصم فحين يُعدم الأسير لا يُقتل الجسد فقط وإنما يُلغى الاعتراف الذي يجعل من الإنسان إنسانًا أي القدرة على أن يكون موضوعًا للحق

هنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ”نزع الإنسانية المُمنهج” حيث لا يعود الفلسطيني خصمًا سياسيًا وإنما يتحول إلى “خطر وجودي” يجب استئصاله غير أن الأثر الأعمق لهذا التحول لا يتوقف عند حدود السياسة وإنما يتسرب إلى الوعي نفسه فيعيد تشكيل صورة الذات الفلسطينية عن ذاتها لا كما تريد أن تكون وإنما كما يُراد لها أن تُرى

الفلسطيني السوري الذي خرج من جحيم اللجوء إلى جحيم الحرب لا يستقبل هذا القانون بوصفه خبرًا سياسيًا فقط وإنما بوصفه ارتدادًا نفسيًا عميقًا فهو في تجربته الخاصة عاش معنى أن يكون “قابلاً للإلغاء” في المخيم المحاصر، في رحلة النزوح، في الانتظار الطويل على حدود لا تعترف به

ومن هنا فإن موقفه من هذا القانون لا يتشكل فقط عبر الشعارات وإنما عبر طبقات من الذاكرة المجروحة فحين يسمع بفكرة “إعدام الأسير” لا يرى فيها مجرد تهديد للآخرين وإنما احتمالًا شخصيًا يكاد يكون امتدادًا لتجربته الخاصة مع العنف

لقد ولّدت هذه التجربة ما يمكن تسميته بـ”القلق الوجودي المزمن”: شعور بأن الحياة نفسها مؤقتة وأن النجاة ليست حقًا وإنما صدفة وهذا القلق مفارقة لا يؤدي دائمًا إلى الانكفاء وإنما قد يتحول إلى حساسية أخلاقية أعلى تجاه فكرة العدالة وتجاه معنى أن يكون الإنسان إنسانًا حتى في أقسى الظروف

في المخيمات حيث تتكثف هذه التجربة لم يكن الحراك ضد هذا القانون مجرد موقف سياسي مباشر وإنما كان تعبيرًا عن حاجة داخلية لإعادة تثبيت المعنى ففي أماكن مثل اليرموك وخان الشيح وجرمانا لم تخرج الأصوات بصيغة واحدة وإنما تشكلت كفسيفساء من التعبيرات: نقاشات يومية، مبادرات شبابية، وقفات رمزية وكتابات رقمية تحمل في طياتها توترًا بين الغضب والتأمل

ما يلفت في هذا الحراك أنه لا ينفصل عن الحياة اليومية للمخيم وإنما ينبثق منها فالقضية الفلسطينية هنا لا تُستعاد بوصفها خطابًا مجردًا وإنما تُعاد كتابتها عبر تفاصيل العيش: عبر الخسارة، عبر إعادة الإعمار، عبر محاولة استئناف حياة انقطعت أكثر من مرة

ولهذا فإن الفلسطيني السوري لا يقف أمام هذا القانون بوصفه “ممثلًا” فقط وإنما بوصفه ذاتًا تعيش تعدد الانتماءات والاختبارات هو منخرط في القضية إنما بطريقته الخاصة التي تمزج بين الالتزام والشك، بين الإيمان والسؤال

هذا لا يعني غياب الأطر التقليدية وإنما يعني أن العلاقة معها لم تعد علاقة يقين مطلق وإنما علاقة تأويل مستمر

فالفلسطيني السوري بعد كل ما مر به لم يعد يبحث فقط عمن يتكلم باسمه وإنما عمن يستطيع أن يفهم تعقيد تجربته وأن يترك له مساحة لأن يكون شريكًا في تعريف نفسه

وهنا يتبدى تحول دقيق في الوعي من البحث عن إجابات جاهزة إلى القدرة على تحمل الأسئلة فالقضية الفلسطينية في هذا السياق لا تفقد مركزيتها وإنما تتعمق لأنها تُعاد صياغتها من داخل التجربة الحية لا من خارجها

إن قانون إعدام الأسرى في قسوته لم يُنتج فقط ردود فعل غاضبة وإنما كشف عن هذا التحول الهادئ في بنية الوعي فقد بدا في لحظة ما وكأنه يعيد طرح السؤال الأول:

– ماذا يعني أن تكون فلسطينيًا حين يصبح وجودك نفسه موضوعًا للقرار؟

في مواجهة هذا السؤال لا يقدم الفلسطيني السوري إجابة نهائية وإنما يعيش السؤال ذاته وربما في هذا العيش بكل ما فيه من قلق وتردد وأملٍ خافت تكمن إمكانية جديدة للمعنى أن تتحول القضية من يقين مغلق إلى تجربة مفتوحة ومن شعار إلى وعي

وهكذا يصبح الحراك—بكل بساطته وتردده—ليس مجرد رد فعل على قانون وإنما محاولة لإعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وقضيته، بين الذاكرة وحاضرها، بين الخوف وإمكانية تجاوزه

ففي عالم يُشرع الموت لا يكون التمسك بالحياة موقفًا بيولوجيًا فقط وإنما فعلًا فكريًا وأخلاقيًا يعيد للإنسان حقه في أن يكون أكثر من مجرد موضوع للقانون: أن يكون معنى.

نضال الخليل

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share