الفلسطيني السوري بين العدالة كتمثيل والوطن كخبر

نضال خليل

ثمة لحظات في التاريخ لا تقاس بثقل الحدث لكن بقدرتها على كشف البنية التي أنتجته وما أعقب سقوط النظام في سوريا وما رافقه من اعتقال بعض رموز العنف لا يبدو—في هذا المعنى—مجرد انتقال سياسي إنما لحظة انكشاف مضاعف:

  • انكشاف للعنف وانكشاف للطريقة التي يُعاد بها تمثيله

وهنا تحديدًا يتبدى الفلسطيني السوري كحالة كاشفة لا لأنه ضحية فحسب لكن لأنه يقف عند تقاطع سرديات متعددة كل منها يدعي امتلاك الحقيقة وكل منها يعيد صياغة معناه وفق منطقه الخاص

ليس السؤال:

  • هل تحققت العدالة؟
  • بل: كيف تُعرف العدالة في هذا السياق؟ ومن يملك حق تعريفها؟

فحين يُقدم اعتقال الجناة بوصفه ذروة الفعل الأخلاقي نكون قد اختزلنا مسارًا معقدًا في لحظة رمزية
هذه اللحظة مهما كانت ضرورية تظل—إن لم تُدرج في سياق تفكيك أوسع—قابلة للتحول إلى عرض سياسي إلى تمثيل يُستهلك بقدر ما يُحتفى به

إن ما نشهده اليوم هو نوع من تضخم التمثيل مقابل انكماش المعنى

تُعرض مشاهد الاعتقال، تُتداول أسماء الجناة، تُستعاد صور الضحايا لكن هذه الكثافة البصرية لا تقابلها كثافة في المساءلة فالبنية التي سمحت بارتكاب الجرائم—سياسيًا، أمنيًا وثقافيًا—لا تزال في كثير من الأحيان خارج إطار النقد الجذري

وهنا يتحول التركيز على الأفراد إلى ما يشبه الإزاحة الأخلاقية: إزاحة السؤال من النظام إلى الشخص ومن البنية إلى الحدث

بالنسبة للفلسطيني السوري لا يمكن قراءة هذه اللحظة خارج تاريخ أطول من التمثيل الناقص فمنذ النكبة وهو يعيش في فضاء تتنازعه السرديات: يُستدعى حين تقتضي الحاجة الرمزية حضوره ويُهمش حين يصبح عبئًا على الخطاب السائد وفي سوريا تضاعفت هذه الإشكالية إذ لم يكن الفلسطيني مجرد لاجئ إنما جزءًا من نسيج اجتماعي وسياسي شارك في تحولاته وتحمل تبعاتها دون أن يُمنح دائمًا موقعًا متكافئًا في تمثيلها

من هنا فإن الحديث عن العدالة الانتقالية إذا لم يُدرج الفلسطيني السوري في مركزه لا على هامشه يظل حديثًا ناقصًا لأن العدالة في معناها العميق ليست فقط محاسبة على ما جرى لكن إعادة كتابة للعلاقة بين الذات وتاريخها وهذه الكتابة لا يمكن أن تتم عبر إقصاء بعض الأصوات أو تأجيلها أو اختزالها في دور الضحية الصامتة.

إن ما يواجهه الفلسطيني السوري اليوم هو شكل مركب من الاغتراب:

  • اغتراب عن وطن لم يعد موجودًا كما كان واغتراب عن سردية لا تعترف به كامل الاعتراف فهو في آنٍ واحد داخل الحدث وخارجه؛ حاضر في الألم غائب في التمثيل وهذا التناقض يولد شعورًا حادًا بالتعري—تعري لا يقتصر على فقدان الأمان بل يمتد إلى فقدان المعنى ذاته

في هذا السياق تبرز خطورة ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الألم” حيث تُعاد صياغة المعاناة لتتناسب مع منطق السوق الإعلامي: ما يُرى أكثر يُعتبر أهم وما يُتداول أكثر يُفترض أنه أكثر صدقًا لكن هذا المنطق في جوهره يُقصي ما لا يمكن تمثيله بسهولة: التفاصيل الصغيرة، القصص الفردية، الذاكرة التي لا تُختزل في صورة وهكذا يُعاد إنتاج الألم كسلعة لا كتجربة

إن العدالة حين تدخل هذا الاقتصاد تفقد جوهرها تتحول من مشروع أخلاقي إلى منتج رمزي يُستهلك ضمن دورة الأخبار تُقاس بمدى حضورها لا بمدى فاعليتها وهذا ما يجعل الفلسطيني السوري—مرة أخرى—موضوعًا للعرض لا شريكًا في الفعل يُستدعى دمه ليمنح المشهد صدقيته لكن صوته يظل غائبًا عن صياغة معناه

غير أن هذا الغياب ليس قدريًا لكن هو نتيجة لبنية تمثيلية يمكن مساءلتها وتفكيكها وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم العدالة ذاته ليس بوصفه إجراءً قانونيًا فحسب لكن كعملية معرفية تعيد توزيع السلطة على المعنى أي أن يُمنح كل من عاش التجربة حق روايتها لا أن تُروى عنه

في هذا الإطار يصبح السؤال المركزي:

  • كيف يمكن للفلسطيني السوري أن يستعيد موقعه كفاعل في هذه اللحظة؟

الإجابة لا تكمن في الاندماج الكامل في سردية واحدة إنما في الحفاظ على تعددية التجربة وعلى حقها في الاختلاف أي في رفض الاختزال سواء أتى من الخارج أو من الداخل.

إن استعادة المعنى في هذا السياق تمر عبر استعادة اللغة. لا اللغة بوصفها أداة وصف بل كحقل صراع فالكلمات التي نستخدمها—الوطن، العدالة، الشهادة—ليست محايدة إنها محملة بتاريخ من الاستخدامات ومن الإقصاءات وإعادة شحنها بالمعنى تتطلب جهدًا نقديًا لا يقل أهمية عن أي مسار سياسي أو قانوني

ما يتكشف إذن بعد سقوط النظام ليس فقط حجم العنف الذي مورس إنما هشاشة الإطار الذي نحاول من خلاله فهمه وهذه الهشاشة رغم قسوتها تفتح إمكانًا: إمكان إعادة التفكير لا فقط في ما حدث لكن في كيفية تمثيله … في من يتكلم ومن يُتكلم عنه… في من يُرى ومن يُترك في الظل

الفلسطيني السوري في هذه اللحظة ليس مجرد شاهد على التحول لكنه اختبار له اختبار لقدرة العدالة على أن تكون شاملة لا انتقائية لقدرة السردية على أن تكون متعددة لا أحادية لقدرة اللغة على أن تحمل التجربة لا أن تختزلها

في النهاية لا يكفي أن نرى الجلاد في القفص إذا لم نرَ البنية التي سمحت له أن يكون ولا يكفي أن نُحيي ذكرى الضحايا إذا لم نمنحهم موقعًا في كتابة التاريخ لأن العدالة في معناها الأعمق ليست ما يُقال عنها بل ما تفعله في إعادة توزيع المعنى

وما لم يتحقق ذلك سيبقى الفلسطيني السوري عالقًا بين تمثيلين:

  • تمثيل يُنصفه بالكلام وآخر يُقصيه بالفعل

وفي هذه المسافة بين القول والفعل يتحدد—ربما—مصير المعنى نفسه.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share