إبراهيم محمد
شكلت البطالة دائماً -كمشكلة اجتماعية-، مصدر قلق للباحثين والمسؤولين وصناع القرار، لما يلحقها من تبعات تؤثر على المجتمع والأسر والأفراد، لذا سعت الحكومات دوماً لإيجاد حلول مستدامة لهذه المشكلة عبر خلق فرص عمل جديدة، وتنمية مهارات الموارد الجديدة وتشجيع الاستثمار.
وفي مجتمع يعاني أصلاً من الفقر المدقع كمجتمع المخيمات الفلسطينية، تصبح المأساة مضاعفة وطلب المعالجة يغدو أكثر إلحاحاً.
نسبة بطالة مرتفعة
قدرت نسبة العاطلين عن العمل في صفوف الفئة المنتجة الذين تتراوح أعمارهم بين 18-50 سنة، والقادرين على العمل والراغبين به، والذين لا يحصلون على فرصة مناسبة، بحوالي 65% ويرجح ناشطون مدنيون من المجتمعات المحلية بأن النسبة تفوق ذلك لتصل إلى 75%، علماً بأن قسماً من غير العاطلين هم من الطلبة الجامعيين، يعني بأنهم غير منتجون، وتبقى هذه الأرقام تقديرية يتم الحصول عليها من خلال العمل الميداني أو شهادات عاملين في حقل خدمة المجتمع، وذلك لعدم توفر الاحصائيات الرسمية الدقيقة.
الأسباب المؤدية لارتفاع نسبة العاطلين عن العمل
ساعدت عدة ظروف على انتشار البطالة بشكل واسع في المخيمات الفلسطينية، منها ما هو متعلق بالوضع الاقتصادي والسياسي ومنها على المستوى الشخصي، وسنحاول ذكر أبرز الأسباب:
معظم العاملين كانوا من موظفي القطاع الخاص، وأدى توقف عدد كبير من المنشآت الاقتصادية في سورية (الكبيرة والمتوسطة والصغيرة) عن العمل، بسبب الظروف التي عاشتها البلاد خلال الفترة الماضية، إلى تعطل المئات منهم.
حل جيش التحرير الفلسطيني، حيث أصبح معظم عناصره من متطوعين ومجندين وعاملين مدنيين عاطلين عن العمل.
الظروف الاقتصادية الصعبة وحالة الكساد في السوق، اضطرت العديد من أصحاب المحال إلى إغلاق أشغالهم، كما أن أصحاب المهن يعانون من توقف مصالحهم لذات السبب.
عدم قدرة بعض الشباب على مواكبة متطلبات سوق العمل والتمتع بالمهارات المهنية أو الخبرة الوظيفية ومتطلبات الوظائف.
يلعب التقدم في العمر دوراً في قبول بعض الوظائف التي تتطلب شباناً في مقتبل العمر.
تأثير الظاهرة
ساهم انتشار ظاهرة البطالة في انتشار ظواهر أخرى سلبية بشكل أكبر في مجتمع المخيم منها، ظاهرة البطالة المقنعة، إذ يلجأ الكثيرون إلى فتح بسطات بسكويت أو دخان أو منظفات أو غيرها، في محاولة لتأمين مصاريف أسرهم، لكن هذه المحاولات غالباً ما تبوء بالفشل ولا يكتب لها الاستمرار، ليعود صاحبها إلى رحلة البحث عن عمل بعد خسائر مادية، كما أدت البطالة إلى تفاقم حالة اليأس والكآبة لدى الشباب مما دفع الكثيرين منهم إلى اللجوء للمخدرات لنسيان آلامه، حتى أن بعضهم دفعه الإدمان إلى بيع أغراض منزله، فيما وجد أغلب الشباب الشارع متنفساً لهم من ضغوط الحياة، وحاولت أسر كثير إرسال أطفالها للعمل براتب زهيد بسبب توقف المعيل عن العمل، ولوحظ بشكل جلي ازدياد أعداد النسوة العاملات لإعانة أسرهن، ومن ناحية أخرى تهدد البطالة التماسك الأسري إذا عجز رب الأسرة عن تأمين مصاريفها، واستمرار البطالة يجعل من الشباب لقمة سائغة لعصابات ترويج المخدرات والعصابات التي تهدد السلم الأهلي والجهات المشبوهة.
الإجراءات المحلية للحد من البطالة
تعمل بعض المنظمات على موضوع التأهيل المهني للشباب لكن أغلب تلك المساهمات تكون موجهة نحو الشباب الجامعي، والمجتمع اليوم بحاجة للتأهيل المهني على كافة الصعد، ولا يظهر في المخيمات دعم للمشاريع الصغيرة ومحاولة تنميتها، على نطاق واسع، بسبب نقص الدعم.
حلول ممكنة
في ظروف كالتي تعيشها سورية تبدو الحلول صعبة للغاية مع غياب تأثير الدولة في التنمية المجتمعية، ولكن هناك حلول أولية للشباب قد تساهم في الحد من البطالة مثل، توسيع التدريب المهني للشباب ليشمل مهن جديدة، ومحاولة الجهات المعنية التواصل مع الدولة السورية لدمج عناصر جيش التحرير غير المتورطين بجرائم في المؤسسة العسكرية الوليدة، ومحاولة توجيه المنظمات والهيئات التنموية للعمل على إنشاء مشاريع لتأمين فرص عمل في المخيم.
في الختام، عندما تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب 50%، لا يعود الأمر مجرد أزمة دخل، بل يتحول إلى أزمة معنى وهوية. كيف يعيد الشباب الفلسطيني السوري العاطل عن العمل تعريف ذاته، وسيلجأ إلى الاستراتيجيات الاجتماعية (السلبية والإيجابية) لمواجهة حالة “اللا-جدوى”؟ وتؤدي هذه الحالة إلى تفكيك منظومة القيم التقليدية (مثل قيمة التعليم، وتأخير سن الزواج، واحترام القانون)