78عاماً والعهد أنا راجــع

مجموعة العمل-خليل موسى موسى

“كان عمري أربع سنوات، خرجنا في مشهد اتذكره مثل الحلم، يحملني خالي أبو نوح على أكتافه من وعورة الطريق وازدحام الخارجين الكل كان حزين” هذه القصة القصيرة لطالما ذكرها لنا أبي المتوفى في سن الثانية والسبعين منذ عشر سنوات.

نعم هكذا هي نشأتنا..
فكل طفل فلسطيني فتحَ عينيه متأملاً تفاصيل وجه أبويه، رأى الجد والجدة بملامح مليئة بالانتظار، لفته خريطة فلسطين المكتوب عليها أسماء بخط دقيق كلّ القرى والمدن المحصورة بين النهر والبحر، خريطة معلقة في كل بيت، وكيفما تلفت هذا الطفل رافقت نظراته لزوايا الغرفة صور الأقصى والعلم الفلسطيني مع الكوفية، وغالباً رأى ثوباً مطرزاً بطريقة تراثية مميزة ومحببة، هنا يعرف باكراً أنه من هناك. خاصة ان كل واحد من هؤلاء الأطفال سمع من أبيه او جده او قريب له قصة مشابهة لقصة أبي التي استهلّيت بها حديثي.
ثمّة ما كان مميزا بكل التفاصيل ومفهوم، صور أشخاص بأسماء كثيرة وانتماءات سياسية متنوعة تحمل دلالات النضال الطويل، معلقة داخل كل بيت، هي رموز شخصية من القسًـاام، إلى الياسين، وجورج حبش، و ياسر عرفات بكوفيته المميزة، لاحقا صورة الملثم أبوعبيييدة، كذلك أبو جهاد، أبو إياد وجيفارا، طبعاً الأبرز صورة حنظلة وناجي العلي. الكبير والصغير يعرف كل هذه التفاصيل، يألفها بشكل غير مفهوم لكل الآخرين.
في كل بيت ثمَّة زاوية مخصصة لكتب فيها قصائد درويش وقصص كنفاني، وراشد حسين وسميح القاسم، قصص تحمل سيرة أبو داوود وليلى خالد والرنتيسي والبرغوثي والكثير الكثير من سلسلة تطول قائمة البطولات فيها مع مرور الزمن حتى يومنا هذا. مع تجذر مصطلح هو هدف وقناعة راسخة مبناها ومعناها “حق العودة”.
نشأ الأبناء في بقع جغرافية مؤقتة على اسماء قرى ومدن مختلفة تطلق على شوارع و حارات بأكملها. يميزون بعضهم بلهجة محكية قادمة مع الأجداد الآباء منذ زمن التهجير واللجوء ، لهجة مختلفة في تفاصيل اللفظ عن اللهجة المحلية.
كثيرا أيضاً ما تتردد على لسان السكان المحليين كلمة “خيا” بقصد االممازحة وأحيانا السخرية او تمييز الفلسطيني. نظرة الناس تجاه هذا الفلسطيني تحمل ألف شكل ومعنى ابرزها الاستهجان رغم مرور السنين على وجود هذه الفئة بينهم وهذا ما لا يكترث به أحد بشكل سلبي بل يتعاطى مع هذه النظرات كما لو أنها مادة الكافيين في فنجان قهوة تنبه في ذهنه رغبة العودة أكثر، ويذكر إلى جانب كل شيء في حياة اللاجئ بأن له وطن يسكن داخله ويحمله أينما ولّى وجهه، فيستنهض كل دقيقة فكرة “راجع على بلادي” مهما صعبت وها هي تضيق الاحوال دون يأس.
اعتاد اللاجئ على تسمية “المخيم” للتجمعات الفلسطينية الكبيرة، وهناك ما يسميه السكان المحليون “حارات الفلسطينيين” وهذا يوجد في كل حي تقريباً خاصة في سوريا.
وبين كل هذه التفاصيل وما يزيد فوقها الكثير يأتي الأبرز قصص كبار العائلات من الأجداد إلى الأباء والأعمام، منتقلة كالميراث الموزع للجميع من الأبناء والأحفاد، فهذا تقريبا هو كل ما يرثه اللاجئ، وهو إرث فكري نفسي شخصي روحيٌّ لا مادي. ممزوج بقصص يتصدرها استهلال “إيه على أيام البلاد” وهذه تلفظ بنفَسٍ يملأه الشوق والندم والحسرة والقهر والحب والأمل مع حرقة قلب مملوء بالوطن المسروق، ومغمور بمزيج مخيف من المشاعر المركبة، مزيج حارق يظهر في جملة قصيرة اللفظ طويلة المعنى عميقة جداً في النَفْس. الجميع يتناول أحاديثاً كثيرة ومنوعة كلها اذا جُمِعَت معاً لشكلت بلداً واسعاً من المجتمعات المدنية والقروية والعشائرية تجتمع في جلسة واحدة أشبه بمجتمعات العالم الافتراضي الذي نشهده اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن في جلسات اللاجئ هو واقع حقيقي مركب تشكّل منذ سبع عقود تكاد تكتمل، هذه الأحاديث كثيراً ما تتداخل بين أزقة وبيوت المخيمات، هذا عالمٌ لا يمكن وصفه إلا “مجتمعات مصغرة تشكل وطناً متكاملاً في بقعة جغرافية مؤقتة”، وهذا العالم لم يكن منغلقاً على نفسه بل متداخل مع المحيط، إلا أنّ ثمة خصوصية تحمل صفات حماية فكرية وتميّز انتماء غريب سرعان ما يظهر عند ابسط موقف مهما كان.
مدارس خاصة يرفرف عليها علم أزرق ممهور بما يشبه خارطة العالم وحرفين، لاحقا مع تقدم الأيام نحو سن السابعة تقريباً يفهم التلميذ أنها وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وهي وكالة برأي اللاجئ لا تحمل من اسمها الا تثبيت صفة “اللاجئ” التي تميزه عن باقي شعوب الأرض وتحديدا عن السكان المحليين لكل بلد وجد فيه بحكم تهجير الأجداد والآباء عام ٨ ٤ ٩ ١، كذلك يوجد عيادات طبية خاصة تقدم ما يتيسر من أدوية وعلاجات ومساعدات في الامور العلاجية، تتضاءل مع الزمن، كذلك بطاقة زرقاء او بيضاء لكل اسرة عليها اسماء كل افراد هذه الاسرة مع اسم الاونوروا وترويستها الشهيرة.
حياة اللاجئ لم تكن أمر بسيط. حتى في الأحوال الشخصية كل شيء ممهور بهذه الصفة، وثيقة تشبه جواز السفر لكنها غير صالحة للسفر، بطاقة إقامة مؤقتة للاجئين الفلسطينيين تعادل الهوية الشخصية للمواطنين المحليين.
الكثير الكثير مما يُكوِّن تاريخاً صار عمره اليوم ٧٨ سنة من الأحمال الثقيلة التي لا يمكن تركها ولا رميها ولا التخلص منها او حتى ركنها جانباً ولو مؤقتاً. “هذا ما نشأنا عليه” _يقول اللاجئ الفلسطيني_
كذلك مصطلحات كثيرة، تحمل أسماءً لمناسبات كثيرة، مثل يوم الارض، ذكرى الشهيد، مـجـزرـة كفر قاسم ودير ياسين وعين الزيتون، يوم الأسير، يوم التضامن، ثورة البراق وثورة الحجارة، ذكرى حرق الأقصى والأثقل كان ذكرى الــنّـكــبة، وبعدها النكسة، وأيلول الأسود، قائمة تطول مُتَوَّجَةً بذكرى الطوفان او يوم العبور العظيم موشحة بسواد مُحْمَر من قهر المجازر وتكرار مصطلح “الإ با د ة الجَــ.ـمـ.ًاعيـ.ة” والتـ.طهـ.ير العـ.ر.قي.
ذاكرة مثقلة هي التي يحملها أبناء هذه الفئة من الناس _أي نحن اللاجئون_ في كل بلد او مدينة، مثقلون بكل شي، شخصيات تكونت بفعل عوامل كثيرة منها المحلي ومنها الموروث فصارت شخصياتنا مركبة، ولكن فيها صفات القوة الغريبة، تبرز محاولات التأقلم اليائسة مع المجتمعات المحلية التي لجأ إليها الأجداد، محاولات كلما تقدم الوقت في الأجيال اللاحقة سهل الأمر نسبياً، لكن مثقلين بالتمسك بالأصل وهذا ليس معيب بل مدعات للتفاخر رغم غصة ترافق كل لاجئ.
★مونولوج..
كل شيء كتبته الآن وعلى كثرته، ليس هو جميع ما نحن عليه في تركيبتنا، فكل جملة هي في الحقيقة عنوان لجانب من جوانب حياتنا المؤقتة بهذا الشكل.
وهنا من الطبيعي ان نحيي يوم الخامس عشر من ايار لتبقى ذاكرة أجيالنا حية ولكي لا ننسى أننا في نهاية المطاف لسنا أكثر من لاجئين، مصيرنا مهما طال الزمان هو العودة والعودة الى البلاد اي فلسسسطيييينننن الوطن الأصلي. نعود يوماً شاكرين مضيفنا على طول فترة قضيناها في خضم معارك الحياة التي تحمل عبء لاجئ فوق أعباء الحياة.
أكبر أعباءنا اللجوء وأثقلها، ففي الشتات نتذكر مأساتنا التي كبرت على مدار ٧٨ سنة.. عبء يزيد في مثل هذا اليوم اي ١٥/ ٥ من كل عام مع كل موقف وكل مشهد… اللاجئ لا تقل قيوده زردا عن قيد الأسير
لذلك “أنا راجع”

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share