بين القانون والإدارة.. معاناة اللاجئ الفلسطيني في تملّك العقار بسوريا

مجموعة العمل – أ. باسم يونس السبع

محامٍ وباحث قانوني

في ظل الجدل المتزايد حول تملك اللاجئ الفلسطيني للعقارات في سوريا، وما يرافق ذلك من تضارب في المعلومات بين “المنع المطلق” و” السماح المطلق”، تظهر بين الحين والآخر وثائق وإجراءات إدارية تكشف جانباً مهماً من الواقع العملي المعمول به حالياً.

ومن بين هذه الوثائق، تبرز قائمة المتطلبات الإدارية الخاصة بطلب الحصول على موافقة التملك، والتي تتضمن جملة من الوثائق الواجب تقديمها إلى وزارة الداخلية عبر الجهات المختصة.

وهنا تبرز ملاحظة قانونية مهمة جداً …! إن مجرد وجود متطلبات وإجراءات رسمية لقبول الطلبات يعني من حيث المبدأ أن باب التقدم بطلبات التملك لا يزال قائماً قانوناً، وأن الحديث يدور حول “تنظيم وتقييد” أكثر من كونه “إلغاءً مطلقاً للحق”.

كما أن وضع “اللاجئ الفلسطيني “في سوريا تحكمه مجموعة من القوانين والقرارات المتعاقبة التي نظمت حق الإقامة والعمل والتملك، إلا أن الإشكالية الحقيقية اليوم تبدو مرتبطة بدرجة كبيرة بآليات التطبيق الإداري وتعقيد الإجراءات أكثر من ارتباطها بوجود نص قانوني صريح يمنع “التملك “بشكل مطلق.

أولاً ـ ما الذي تكشفه هذه المتطلبات …؟

تُظهر الوثيقة المتداولة أن الإدارة تطلب مجموعة من المستندات، أبرزها:

– بيان قيد عقاري

– بيان من البلدية

– وثائق مدنية

– عقد البيع

– بيان بعدم وجود عقار آخر

– طلب خطي موجه لوزارة الداخلية

وهذا يدل على أن الملف أصبح يُدرس بشكل فردي، مع تركيز واضح على:

– طبيعة العقار

– موقعه

– عدد العقارات التي يملكها طالب التملك

– الغاية من التملك (السكن لا الاستثمار)

ثانيـاً ـ هل الموافقات متوقفة …؟

من الناحية القانونية، لا يوجد حتى اللحظة نص تشريعي معلن يقضي بوقف تملك للاجئ الفلسطيني بشكل مطلق.

لكن من الناحية العملية، هناك:

– تشدد واضح.

– بطء كبير بالإجراءات.

– تفاوت بين المحافظات والدوائر.

– تعليق لعدد كبير من المعاملات بانتظار الموافقات.

أي أننا أمام “تشدد إداري” أكثر من كونه “منعاً قانونياً صريحاً”.

ثالثـاً ـ هل تختلف المعاملة بين الفلسطيني والسوري …؟

نعم، هناك اختلاف واضح من حيث الإجراءات المطلوبة وآلية التسجيل.

فالمواطن السوري يستطيع، من حيث الأصل، إتمام التسجيل العقاري مباشرة متى اكتملت الشروط القانونية المطلوبة.

بينما يخضع “اللاجئ الفلسطيني” لإجراءات إضافية تتعلق بالحصول على موافقات مسبقة من الجهات المختصة، وهو ما يؤدي عملياً إلى:

– زيادة مدة المعاملة.

– تعقيد الإجراءات.

– تفاوت النتائج بين حالة وأخرى.

حتى في العقارات المتشابهة من حيث الطبيعة والوضع القانوني.

رابعـاً ـ أهمية اكتمال الملف.

التجربة العملية أثبتت أن جزءاً كبيراً من التأخير سببه:

– نقص الوثائق.

– اختلاف تفسير المطلوب بين الجهات.

– أو تقديم ملفات غير مكتملة.

 

لذلك فإن أي نقص بسيط قد يؤدي إلى:

– إعادة المعاملة من البداية.

– أو بقائها معلقة لفترات طويلة دون جواب واضح.

خامسـاً ـ هل حكم المحكمة وحده يكفي …؟

وهنا يقع الخلط الأكبر.

فالحكم القضائي أو صحة التوقيع أو وضع إشارة دعوى:

* يثبت وجود العلاقة القانونية.

  • يحمي الحق مؤقتاً.

لكنه:

* لا ينقل الملكية نهائياً.

  • لا يغني عن موافقة الداخلية والتسجيل العقاري.

لأن نقل الملكية في النظام العقاري السوري يقوم على مبدأ:

“الملكية العقارية لا تنتقل إلا بالتسجيل في السجل العقاري.”

سادسـاً ـ نصائح قانونية مهمة “للاجئ الفلسطيني” قبل شراء أي عقار.

في ظل الواقع الحالي، هناك أخطاء تتكرر كثيراً وتؤدي إلى ضياع الحقوق أو تعليقها لسنوات، لذلك من المهم الانتباه إلى ما يلي:

1 ـ لا تعتمد على الكلام الشفهي

أي معلومة تتعلق بالتملك يجب أن تستند إلى:

– نص قانوني.

– أو تعميم رسمي.

– أو إجراء مطبق فعلياً بشكل واضح.

لأن الاجتهادات الشخصية سببت خلطاً كبيراً بين الناس.

2 ـ لا تدفع كامل الثمن قبل فهم الوضع القانوني.

من الأخطاء الخطيرة دفع كامل قيمة العقار قبل:

– معرفة إمكانية الحصول على الموافقة.

– التأكد من الوضع القانوني للعقار.

والأفضل دائماً ربط جزء من الثمن بإتمام التسجيل أو الموافقة.

3 ـ صحة التوقيع ليست ملكية.

الكثير يعتقد أن صحة التوقيع أو حكم المحكمة يعني أنه أصبح مالكاً نهائياً، وهذا غير دقيق.

فهذه الإجراءات:

– تحمي الحق.

– لكنها لا تعطي “طابو أخضر” دون استكمال الموافقات والتسجيل.

4 ـ انتبه لنوع العقار.

هناك فرق كبير بين:

– العقار السكني

– العقار الزراعي

– السجل المؤقت

– أملاك الجمعيات

– أراضي المؤسسة

وكل نوع له وضع قانوني وإجرائي مختلف.

5 ـ تابع المعاملة بنفسك.

بعض المعاملات تبقى أشهر أو سنوات بسبب نقص بسيط أو ورقة غير واضحة.

لذلك من الضروري:

– المتابعة المستمرة.

– والتأكد من اكتمال الملف.

– ومعرفة الجهة التي وصلت إليها المعاملة.

6 ـ لا تخلط بين “الحق” و”الإجراء”.

في كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في أصل الحق، وإنما في:

– التعقيد الإداري

– بطء الموافقات

– أو غياب الوضوح بين الجهات.

فالعقار بالنسبة لكثير من “اللاجئين الفلسطينيين” ليس مشروع استثمار، بل وسيلة للاستقرار والحماية الأسرية بعد عقود من اللجوء والتنقل.

أخيراً.. إن الإشكالية الحقيقية اليوم لا تكمن دائماً في غياب النص القانوني، بل في تعقيد التطبيق الإداري وتفاوت الإجراءات.

ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى:

– توحيد التعليمات.

– تبسيط الإجراءات.

– تحديد مدد زمنية للرد على الطلبات.

– إصدار توضيحات رسمية واضحة.

بما يحقق استقرار المعاملات ويحفظ الحقوق ضمن إطار القانون.

فالحق الذي يظل معلقاً لسنوات بسبب الإجراء، يفقد جزءاً كبيراً من الحماية التي وُجد القانون أصلاً لضمانها.

فالاستقرار القانوني في مسائل السكن والتملك لا يُعد امتيازاً استثنائياً، بل جزءاً من الحد الأدنى للأمان الاجتماعي الذي

تحتاجه أي عائلة لتعيش بكرامة ضمن إطار القانون.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share