فادي سلايمة
منذ عام 1948 وحتى اليوم والعالم يلعب في قضيتنا الفلسطينية وشعبنا الفلسطيني الكنعاني – مثل قطع «ليغو» فكاً بدون تركيب؛ وكأنهم بعد تقسيم أرضنا وتفتيتها على مراحل لا يريدون منا أن نبقى «فلسطينيين» كشعب واحد من أرض فلسطين الواحدة وكفى، بل قسمونا أيضاً وجعلوا لكل واحد منا «موديل» وإضافات حسب دولة اللجوء التي رمتنا الأقدار فيها وحسب سياسات «الفك والتركيب».
فجعلوا منا إصدار (الفلسطيني السوري): الذي لم تكفه نكبة واحدة، فكان لا بد من تحديث النسخة بنكبات إضافية.
وجعلوا منا إصدار (الفلسطيني اللبناني): حيث يُطلب منه أن يكون «فدائياً» في الصباح، وممنوعاً من العمل في المساء، ومطالباً بالاندماج مع الحفاظ على حق العودة في آن واحد!
وخلقوا مصطلح (فلسطينيو مصر وليبيا): الذين ذابوا في المجتمع حتى صار من الصعب تمييزهم إلا بـ «غصة» في الحلق عند الحديث عن غزة، أو بلهجة تجمع بين «يا زلمة» و«يا باشا» !
أما مصطلح (الفلسطيني العراقي)، فهو «المنسي» في زحام المآسي؛ الذي عاش عقوداً وهو يظن أن دجلة هو امتدادٌ لنهر الأردن، وأن بغداد هي الحصن الذي لن يُضام فيه «لاجئ». هو الذي بنى بيوتاً من حبّ في منطقة «البلديات»، وعلّم أجياله أن الوفاء للعراق لا ينقص من الولاء لفلسطين شيئاً. لكنه وجد نفسه فجأة في مهبّ ريح التجاذبات السياسية، ليتحول «ضيف الكرامة» إلى هدفٍ للمطاردة، ويُجبر على العودة إلى الخيام في صحراء «الرويشد» و«الوليد»، باحثاً عن لجوءٍ جديد في أقاصي الأرض، ويحمل في حقيبته «تغريبة» مزدوجة، تُثبت أن الجغرافيا مهما قست، تظل بوصلته تشير دائماً إلى القدس، ولو كان يتحدث بلهجة أهل الرافدين.
ولا ننسى فلسطينيي «الخارج» – ويالها من تسمية خرقاء – تجعل البعض يظن أن المسافة جعلتهم «أقل فلسطينية»، وكأن الانتماء يُقاس بالكيلومترات أو بقوة شبكة الـ Wi-Fi.
وإذا عرجنا على الفلسطينيين في أميركا اللاتينية (في البرلزيل وتشيلي والسلفادور وهندوراس .. ) سنرى الجالية الأكبر خارج الوطن العربي. الذين يتحدثون الإسبانية بطلاقة، لكنهم أسسوا أندية رياضية باسم «باليستينو» (Palestino) ليركض اسم فلسطين في ملاعب كرة القدم هناك، بينما لا يزالون يحتفظون بصور أجدادهم الذين غادروا بيت جالا وبيت لحم قبل مائة عام.
المضحك المبكي في هذه التسميات أنها محاولة بائسة لإقناعنا بأن الجغرافيا أقوى من التاريخ. وكأن الفلسطيني في شيكاغو يختلف عن الفلسطيني في مخيم اليرموك، وأن الذي في غزة ليس هو نفسه الذي في حيفا. وكأننا إذا سكنّا في مخيم في درعا، أو شقة في بيروت، أو ضاحية في السويد، سننسى أن رائحة الطين في صفد أو يافا أو المشهد هي نفسها.
الحقيقة هي أن هذه التسميات ليست إلا حواجز نفسية اخترعها الواقع السياسي لنتوه عن السؤال الأهم. فـ «اللاجئ» ليس لقباً جغرافياً، و«الشتات» ليس صفة للمواطنة. والواقع يقول إن عددنا وصل في عام 2026 إلى حوالي 15.5 مليون نسمة. نصفنا في الشتات ونصفنا في الوطن التاريخي. والشيء الوحيد الذي يجمع كل هؤلاء الـ 15 مليوناً، رغم اختلاف جوازات السفر واللهجات والظروف، هو أننا إذا سمعنا كلمة «فلسطين»، يتوقف الزمن لدينا للحظة، وتختفي كل تلك التسميات السخيفة.
لذلك يا عزيزي «المُقسِّم» وفر تسمياتك.. فنحن لسنا «فلسطينيو كذا» أو «فلسطينيو كذاك». نحن فقط فلسطينيون.. والمسافات بيننا ليست حدوداً دولية، بل هي مجرد «طريق طويل» سيوصلنا جميعاً لنفس النقطة في النهاية.. وهي أننا «فلسطينيون» ننتمي إلى «فلسطين» لا إلى «أماكن اللجوء».. وأرجو من الأجيال الفلسطينية الصغيرة أن تدرك ذلك !