مجموعة العمل – فايز أبو عيد
بين الجامعات والملعب الكبير، تقع “منطقة البانوراما” في درعا، قلب نابض بالحياة لأهالي البلدة بأكملها حيث يلتقي الطالب بالعامل والعائلة بالعازب والسوري بالفلسطيني.
خلال سنوات الحرب، تحولت هذه البقعة إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية فريدة، تعج بالباعة وعربات الذرة والفول والفواكه، وكانت قبلة لآلاف الزبائن يومياً، لكن منذ فترة غير بعيدة، تغير المشهد، اختفت العربات تدريجياً، وصارت البانوراما أكثر نظافة وتنظيماً، لكنها أيضاً أصبحت شبه خاوية.
البانوراما منطقة جذب استثنائية
تتميز البانوراما بموقع فريد، فهي محاطة بالجامعات من جهة وإلى جوارها الملعب الكبير من جهة أخرى، مما يجعلها نقطة جذب طبيعية للطلاب والمشجعين والعائلات على مدار الأسبوع، هذه الميزة جعلتها على مدى سنوات طويلة مركزاً حيوياً للبيع المتجول، حيث وجد فيها سوريون وفلسطينيون ملاذاً لهم، التقينا بـ”أبو حسين”، وهو فلسطيني في الخامسة والأربعين من عمره، كان يقف خلف عربته الخشبية يبيع الذرة كما يفعل منذ سنوات طويلة، قال لنا بصوت تخنقه مرارة الذكريات: “هنا كانت حياتي، من هذا المكان أطعمت أطفالي، واليوم لا أعرف أين أذهب”، كما التقينا بـ”يزن المطلق”، فلسطيني في العشرين من عمره، كان يبيع الفواكه الموسمية بابتسامة لا تفارق وجهه، قال لنا وهو يرتب آخر كميات المانغو قبل أن يغادر المكان إلى غير رجعة: “العربة هذه كانت حلمي الصغير، كنت أحلم أن أكبرها وأطورها، لكن الحلم انتهى”.
دوافع مشروعة
من الإنصاف القول إن تدخل البلدية لم يكن عبثياً، فهناك أسباب وجيهة خلف قرار تنظيم البانوراما، الفوضى المرورية الناتجة عن انتشار العربات كانت تعيق الحركة بشكل كبير، خصوصاً في أوقات الذروة وأيام المباريات، تراكم النفايات وبقايا الأطعمة شكّل مشكلة بيئية وصحية في منطقة يرتادها الآلاف يومياً، كما أن درعا، بعد سنوات الحرب، تحتاج إلى إظهار وجه حضاري قادر على جذب السياح والمستثمرين، كل هذه الأهداف مشروعة، والمشكلة ليست في ماذا تريد الدولة، بل في كيف طبقت ذلك.
نموذج نيويورك
قبل أن نعتقد أن الباعة المتجولين هم مشكلة خاصة بنا، لننظر إلى خارج سوريا. نيويورك، قلب أميركا وعاصمة العالم، تعج بالباعة المتجولين في مانهاتن وتايمز سكوير وسنترال بارك، حيث تنتشر عربات الهوت دوج والنقانق والقهوة، وهذه العربات جزء من هوية المدينة وليست تشويهاً لها، الفرق أن نيويورك تنظّم ولا تمنع، فالبائع هناك يحتاج إلى ترخيص بتكلفة رمزية، ويُحدد له مكان، وتُشترط عليه شروط النظافة والسلامة، النتيجة باعة متجولون حضاريون، ومدينة نظيفة، وحقوق الجميع محفوظة، السؤال إذن: لماذا لا نفعل الشيء نفسه في درعا؟
إشكالية التطبيق
حين جاء قرار المنع، عُرض على الباعة حل وحيد: بناء ما يسمى بـ” الكشك” أو”الكولبا” أو الكرفان المزركش المزين الملون، بمواصفات بلدية صارمة، بكلفة خيالية لا يملكها معظمهم. قال لنا يزن المطلق: “قلت لهم خذوا مني إيجاراً شهرياً أو رسماً يومياً، لكن لا تطردوني، وكان الرد لا بديل”.
هذه الأكشاك ذات الشروط المعينة كلفتها عالية جداً، ولا يستطيع أصحاب العربات البسطاء تحملها، بل إن المشكلة أعمق من ذلك، فكثير من الباعة الذين حجزوا الأرصفة منذ سنوات طويلة، واستطاعوا تحويل بسطاتهم إلى أكشاك ثابتة، هم الآن يمنعون غيرهم من التواجد، فلا يبقى مكان لأصحاب العربات المتنقلة الذين لا يملكون إلا عرباتهم التي تجرها أيديهم، الدولة ترفض وجودهم في الشارع بدعوى إحداث الأزمة وتضييق الشوارع وإفساد المشهد العام، لكنها في الوقت نفسه لم توفر لهم بديلاً.
وإذا حاولوا الانتقال إلى أماكن أخرى، ففي كل مكان سوف يواجهون نفس الحجة: أنتم تعكرون وتضيقون الشوارع.
وهنا يأتي التناقض الأكبر في التطبيق بين المدن، فالباعة يُطاردون في درعا بحجة المشهد الحضاري بينما يُتركون في مخيمات حلب دون أي تنظيم، وهو ما يخلق شعوراً بالظلم. وقصتنا الأكثر إيلاماً هي لرجل فلسطيني من مدينة طبرية، رفض ذكر اسمه، قضى سنوات طويلة في البانوراما يبيع الفواكه، ويعيل عائلته من عربته المتواضعة، فقد وجد نفسه فجأة بعد المنع عاجزاً عن دفع الإيجارات التي ارتفعت بشكل كبير، فلم تعد عربته قادرة على تغطية ثمن إطعام أولاده أو مدارسهم أو إجارة البيت، فقرر بعد تفكير مرير أن يغادر درعا إلى حلب، حيث بيت أهله من جهة زوجته الذين قدموا له بيتاً مجاناً. هناك في مخيم النيرب، يقف اليوم خلف عربته الجديدة، يبيع الفواكه، ولا أحد يضايقه.
هناك أيضاً أشخاص كثيرون يعملون ببيع القهوة، وبعضهم يبيع الفطائر، وآخرون يبيعون أنواعاً مختلفة من البضائع، كلهم يبحثون عن إجابة للسؤال المحير: أين نذهب إذا لم يسمح لنا أحد بالبقاء هنا ولا هناك؟
صانع الفرص
في الجهة المقابلة تماماً من هذه المعادلة الصعبة، التقينا بمحمد عبد الله شاب فلسطيني عاد إلى سوريا قادماً من فنلندا، تلك الدولة التي تعتبر الأغنى في العالم من حيث الرفاهية وجودة الحياة.
رغم كل الإيجابيات التي كانت تنتظره هناك، قرر محمد وعائلته العودة إلى وطنه، ليعيش بين أهله وناسه، ليكون مثالاً حياً على أن سوريا لا تزال قادرة على أن تكون مركز جذب لأبنائها وليس طاردة لهم. محمد لم يكتفِ بالعودة فقط، بل استلهم من خبرات والده الذي عمل في مجال الصناعة، فافتتح مصنعاً صغيراً للمثلجات في المنطقة الصناعية بدرعا، ثم قام بفكرة ذكية وبسيطة: وضع برادات متنقلة لبيع البوظة والمثلجات، ووزعها في عدة دوارات ومناطق حيوية، ومن بينها دوار البانوراما. واليوم، عندما تتجول في دوارات درعا وتقصد أي دوّار، سوف تجد بائعاً يبيع المثلجات، وهو واحد من عمال محمد عبد الله الذين وفّر لهم فرصة عمل كريمة.
البانوراما تعتبر المركز الأساسي لعمل هذا الرجل، فهي القلب الذي ينبض منه توزيع البرادات والعمال على مختلف المناطق، هذه الفكرة الصغيرة تحولت إلى مشروع حقيقي، إذ استطاع محمد من خلال هذه البرادات أن يوفر فرص عمل لكثير من الشباب، سوريين وفلسطينيين، كانوا قد فقدوا الأمل في إيجاد لقمة عيش كريمة.
قصة محمد عبد الله تثبت أن البائع المتجول، إذا ما أتيحت له الفرصة والدعم والتنظيم المناسب، يمكن أن يتحول إلى رجل أعمال صغير يصنع فرص عمل للآخرين، وأن الأكشاك والبرادات المتنقلة ليست تشويهاً للمشهد الحضاري، بل يمكن أن تكون جزءاً منه إذا ما صممت بشكل لائق ونظمت بطريقة ذكية.
محمد اختار أن يضع براداته في دوارات مثل البانوراما تحديداً، ليس عبثاً، بل لأنه يعلم أن هذه المناطق تشكل مركز جذب طبيعياً للناس، وهي ذات المقومات التي جعلت الباعة المتجولين يتوافدون إليها طوعاً، فبدلاً من طرد هؤلاء، لماذا لا يتم احتضانهم وتنظيمهم وتشجيعهم، كما تفعل نيويورك وكبريات المدن العالمية، وكما فعل محمد عبد الله الذي آثر العودة إلى بلده ليكون جزءاً من حلها لا جزءاً من مشكلاتها؟
“البانوراما” في درعا.. متنفس يبحث عن تنظيم لا عن إقصاء