ساعة الغفلة

فايز أبو عيد ـ مجموعة العمل

في غفلة من العمر تحولت أحلامنا الوردية إلى كوابيس سوداء، واختلطت أصوات اللعب بصرخات القتل، صرنا نبحث بلا وعي عن مخرج من متاهة الحياة التي غدت مليئة بالحقد والفوضى. رغم كل الضياع، ظلنا كنز آبائنا، نتحمل الألم بصبر وإيمان، نزرع في قلوبنا أمل العودة، ونحمل بين أيدينا حجارة الصمود رغم كل الجراح.

يقولون بالعامية: (الله يجيرنا من ساعة الغفل)، وهي ساعة صاحبتها لحظة لم تكن فيها العيون مفتوحة، ولم نكن نخشى مصيرنا حينها. لكن في غفلة من العمر انقلبت الدنيا رأسًا على عقب، تحولت الأحلام الندية إلى كوابيس سوداء، صار الموت متاهة لا مخرج منها، وأصبحت الحياة لغزًا معقدًا للنجاة. كنا نسير بلا وعي، نبحث عن موطئ قدم في طريق قاتم، نلقي نظرات مرتعبة على حقيقة انكشفت، وأصدقاء صاروا أشباحًا بالخسارة أو بالحقيقة التي لا تُحتمل.

أما عمي، فقد غادر عالمنا وتحصّن في عالم الذكريات؛ صورة ملونة تحتل الجدار، تتفحصها جدتي كل صباح ومساء بشوقٍ بلا نهاية، وكأنها تناديه في صمت. كان من المفترض أن نلعب ونلهو مع بنات الحي، لكن بدل ذلك تحولت ساحتنا إلى ملعب للقتال، حيث ضاعت طفولتنا على مذبح كراهية لا ندري من بنى أركانه. لم يكن عقلي الصغير يستوعب ذلك الكم من الحقد والفوضى التي تفشت حولي، لم أتخيل يوماً أننا سنسمع همسات الوالدين ت مملوءة بالوجع والخسارة لا الأمل والحلم.

أتذكر بوضوح أواخر 2012، حين وصلنا إلى ضيعة في لبنان، كان أخي الصغير يسأل ببراءة: “هل زال الخطر هنا؟ هل سنسمع القذائف الآن؟” حينها أدركت معنى كوننا كنزًا في عيون آبائنا، مسؤوليتنا أن نُحفظ بأي ثمن وسط دوامة الوجع والتشتت، رحلة الترحال من بيت جدتي إلى ملجأ مجهول، من شمال سوريا إلى لبنان وهم لا زالوا يحملون في صدورهم خزينة الأمل المهدور.

في دراستي الأولى بلبنان، كانت خطواتي متعثرة، لم أكن أتحدث مثل أقراني، ولهجتي كانت حاجزًا طفوليًا بريئًا يحمل عنصرية لم أفهمها حينها. رغم الصعوبات وغياب التحضير الدراسي، وبفضل دعم أمي ومعلمة خاصة، حققت أول نجاح، لكنه كان ثمنًا متعبًا في رحلة اللجوء التي لا تهدأ، فكررت العام لتقوية أسس حياتي بين بيتٍ ومخيمٍ، حيث الحياة كانت مقيدة بين دوي القذائف ورصاص السلاح.

وفي مخيم عين الحلوة بصيدا، حيث قضينا أربع سنوات، تغيرت الحياة حين اندلعت الاشتباكات، وصرنا نسمع القذائف تتحول إلى نغم حياة يومية، أو ربما نغمة الموت المحتوم. رغم كل هذا الألم، ظل آباؤنا يرعونا، يحاولون حمايتنا من صراعات نحن لسنا جزءًا منها، وأخذونا بعيدًا عن معاركهم المباشرة، ليصبح اللجوء لنا واقعًا جديدًا، يجمع بين دفء الأمان وزيفه المؤلم.

أنا الآن في السادسة عشرة، أفتح أبوابًا جديدة على تجارب لم أعرفها من قبل، رغم أن مستقبل اللجوء يتلثم في صمتٍ قاتل: فرص عمل مشروطة بصفة لا تمنحنا حقوقنا، وأحلام تُدفن تحت ركام الألم. اللجوء هنا ليس مجرد رحلة، بل هو دفن لقدراتنا وقمع لأفكارنا، وهو ثمن يدفعه الأبرياء لأخطاء وأطماع الآخرين. لكنه، رغم كل ذلك، هو لعنتنا التي نحملها، وقلوبنا المضيئة بالإيمان، على قدر آلامنا، ستكبر آمالنا.

 

 

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share