بسبب التضامن مع غزة.. فلسطينيون في ألمانيا بين سحب الإقامة وشبح الترحيل

مجموعة العمل – فايز أبو عيد
لم يكن محمد – اسم مستعار – يتوقع أن يتحول نشاطه السلمي دعماً لغزة إلى سبب يهدد وجوده القانوني في ألمانيا. فالشاب الفلسطيني المقيم في مدينة أوزنابروك فوجئ بقرار سحب إقامته رغم عدم توجيه أي تهمة جنائية إليه أو تسجيل أي مخالفة بحقه.
يقول محمد إن السلطات لم تكتفِ بالإجراءات الإدارية، بل بات الفلسطينيون يشعرون بأنهم تحت رقابة دائمة، مضيفاً أن وثائق العديد منهم تحمل رمز “XXX” الذي يشير إلى انعدام الجنسية، الأمر الذي يجعل أوضاعهم القانونية أكثر هشاشة ويزيد من مخاوفهم من أي قرار قد يهدد مستقبلهم.
ولا تبدو قصة محمد استثناءً. فمع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واتساع رقعة التضامن الشعبي معها في أوروبا، يتحدث فلسطينيون في ألمانيا عن تصاعد الضغوط الأمنية والإدارية بحقهم، خاصة أولئك الذين يشاركون في المظاهرات والأنشطة المناصرة للفلسطينيين.
“نشعر أننا مراقبون طوال الوقت”، بهذه الكلمات يصف المهندس صلاح واقع حياته اليومية. ويقول إن مجرد المشاركة في فعالية أو إطلاق هتاف خلال مسيرة سلمية أصبح كفيلاً باستدعائه للتحقيق أو مساءلته من قبل الجهات المختصة.
ويضيف أن حالة القلق باتت تلازم كثيراً من الفلسطينيين والعرب في ألمانيا، خشية أن تؤثر مشاركتهم في الأنشطة العامة على إقاماتهم أو أوضاعهم القانونية، حتى وإن كانت تلك الأنشطة تتم في إطار القانون وحرية التعبير التي طالما عُرفت بها البلاد.
أما مجد، وهو فلسطيني يقيم في ألمانيا منذ نحو عشر سنوات، فيروي تجربة أكثر قسوة. فقد تلقى إخطاراً رسمياً يطالبه بمغادرة البلاد، رغم استقراره فيها لسنوات طويلة وتأسيسه حياة عائلية تضم زوجته وطفله الرضيع البالغ من العمر تسعة أشهر.
ويتساءل مجد: “هل يُعاقب الإنسان بالتشرد لمجرد أنه رفض إبادة أهله أو عبّر عن تضامنه معهم؟”، مشيراً إلى أن القرار وضع أسرته أمام مستقبل مجهول وأثار مخاوف حقيقية بشأن مصيرهم.
معاداة السامية
يقول ناشطون ومحامون متابعون لهذه الملفات إن السلطات الألمانية باتت تستخدم تهم “معاداة السامية” بصورة واسعة ضد مشاركين في فعاليات مؤيدة للفلسطينيين، حتى في الحالات التي لا تتضمن أي تحريض أو مخالفة للقانون.
ويرى هؤلاء أن عدداً من الإجراءات المتخذة بحق فلسطينيين ومناصرين للقضية الفلسطينية تتجاوز ملاحقة الأفعال المخالفة للقانون إلى مراقبة المواقف السياسية والتعبير السلمي عن الرأي، الأمر الذي أثار نقاشاً متزايداً داخل الأوساط الحقوقية والأكاديمية الألمانية.
تضييق متصاعد
وتشير منظمات حقوقية وتقارير إعلامية خلال الأشهر الماضية إلى تصاعد الجدل بشأن حدود حرية التعبير المتعلقة بالقضية الفلسطينية في ألمانيا، حيث أُلغيت فعاليات أكاديمية وثقافية، ومُنعت تظاهرات أو فُرضت عليها قيود مشددة، في سياق تقول السلطات إنه يهدف إلى مكافحة خطاب الكراهية ومعاداة السامية.
في المقابل، يعتبر منتقدون لهذه السياسات أن بعض الإجراءات المتخذة خلقت مناخاً من الخوف لدى الفلسطينيين ومناصريهم، وأدت إلى تقييد النقاش العام حول الحرب على غزة والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
فلسطينيو ألمانيا بين اللجوء والملاحقة
يعيش في ألمانيا عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين وصل قسم كبير منهم هرباً من الحروب والنزاعات في فلسطين وسوريا ولبنان. وقد شكلت البلاد خلال العقود الماضية وجهة للباحثين عن الأمان والاستقرار وفرص الحياة الجديدة.
إلا أن شهادات متزايدة لفلسطينيين مقيمين هناك تشير إلى شعور متنامٍ بأن التعبير عن التضامن مع غزة بات يحمل كلفة شخصية وقانونية مرتفعة، تتراوح بين الاستدعاءات الأمنية والرقابة الإدارية وصولاً إلى التهديد بسحب الإقامة أو الترحيل.
وبينما تؤكد السلطات الألمانية التزامها بحماية الأمن ومكافحة الكراهية، يواصل فلسطينيون طرح سؤال بات يتردد كثيراً في أوساطهم: أين تنتهي حماية القانون، وأين تبدأ معاقبة الرأي؟

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share