map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "شهادةٌ مرت في أقبية فرع فلسطين" الجزء الأول (1)

تاريخ النشر : 08-07-2021
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "شهادةٌ مرت في أقبية فرع فلسطين" الجزء الأول (1)

مجموعة العمل – لندن

لم يكن "ثائر" يعلم ولو للحظة، أنّ اسمه العلم سيكون في يوم من الأيام سبباً في دخوله إلى سجون النظام السوري، ولم يكن يدري أنّ تهمةً بحجم (حشد الدعم لحركة حماس في مخيم اليرموك)، ستكون هي الأخرى سبباً في تذوقه مرارات العذاب خلف قضبان سجّانيه..

ثائر ابن مخيم اليرموك، الذي بحثنا عنه طويلاً، البالغ من العمر 32 عاماً، والذي خرج من السجن قبل حوالي 4 سنوات، بعد مكوثه ما يقارب أحد عشر شهراً ما بين فرع فلسطين وسجن عذرا، في العاصمة السورية دمشق، يروي لمجموعة العمل جُملة الأشياء التي عاينها في ظلمة السجن، مع إبدائه حُزمة من المخاوف بسبب هذه الشهادة، بحكم أنه ما يزال يعيش في دمشق حتى هذه اللحظة، لذلك طلب منا عدم الإفصاح عن طريقة التواصل معه، وعن بعض المعلومات التي لا يرغب في إظهارها حفاظاً على حياته..

يقول ثائر في حديث خاص لمجموعة العمل: "بعد أنْ تمّ تهجيرنا من مخيم اليرموك بشكل مُمنهج، ذهبت أنا ووالدتي وإخوتي الصغار إلى بيت خالي الذي يسكن قريباً من حي جرمانا، حيث كنا نعتقد أنّ عودتنا ستكون قريبة، وعندما طالت المعاناة، لم نكن نستطيع البقاء عند بيت خالي بحكم زيادة عدد الأفراد داخل الشقة الصغيرة، لذلك خرجت أبحث عن شقة صغيرة للإيجار في ظل الخطر المحدق، لاسيما أن هويتي تهمة، لأنني من مخيم اليرموك، وفي ذلك الوقت كان مخيم اليرموك هو الشغل الشاغل للنظام السوري على كافة الصعد، عسكرياً وسياسياً..

الوضع المادي كان مزرياً للغاية، ولا يؤهّلني للإيجار، لاسيما أنني لم أكن قادراً على التحرك والعمل في دمشق، وكنت أعمل في أحد المحال التجارية في مخيم اليرموك قبل التهجير، أما الآن فلا تتوفر فرص العمل، لكنني مضطر لاستئجار ولو غرفة واحدة نلوذ بها أنا وبقية أفراد الأسرة، أما عن والدي فأرجو أن تعفيني من الإجابة عن مصيره، لأكتفي بالقول إنه طلّق أمي منذ سنوات ويعيش خارج البلد الآن..

كان يوماً ماطراً عندما خرجت مع خالي للبحث والتحري عن شقة وعن عمل، وكنت أظن نفسي محظوظاً في نهاية ذلك النهار، إذ أنني عثرت على الاثنين معاً، عملٍ وشقة صغيرة بالقرب من حي كشكول القريب من جرمانا، لكن الفرحة لم تكتمل لأنني لم أستطع العودة إلى أمي في ذلك النهار..

كانت أمي ترقص فرحاً عندما أخبرتها من خلال الهاتف، أننا سوف نستقر في منزلنا الجديد، وبأنني سأعمل في إحدى شركات النقل العام، في مستودع الشحن، تحميل وتنزيل البضائع الصادرة والواردة، لدرجة انّ أمي أصبحت تزغرد من شدة فرحها، ما دفعني إلى شراء طبق من الكاتو (حلوان الفرج)، لكنه النظام السوري الذي يأبى إلا أن يخطف فرحتنا في كل مرة، ويصر على أن تبقى الدموع صديقة أمّهاتنا، يقتلهنّ بفلذات أكبادهنّ بدلاً من الرصاص، وينزع بمخالب ظلمهِ أيَّ نوعٍ من أنواع السعادة عن وجوههنّ التي ملأتها التجاعيد..

سلكنا الطريق الأقل في تعداد الحواجز أثناء العودة، لكننا تفاجأنا بوجود حاجز تابع للّجان الشعبية وهوما كان يسمّى (حاجز طيار)، ولا أعلم كيف انتابني شعور الخوف الشديد لأنني سأتعرض للاعتقال دون أدنى شك، رغم أنها ليست المرة الأولى التي أمرّ فيها على حواجز طيارة، لكنّ وسواساً ما، أشار عليّ أنني سوف أُعتقَل الآن وهذا ما حدث..

جمعنا الهويات وأعطيناها لأحد العناصر الذي رفض هذه الخطوة، وطلب منا أن تبقى كل هوية في يد صاحبها وأن ينزل جميع الركاب، وجوههم كانت تشي بأشياء كثيرة، وكأنهم ليسوا أبناء هذا الوطن، لؤمٌ وحقدٌ دفين.. عشقٌ للإذلال وتفاخرٌ بذلك، وعندما وصل الدور عندي وأخذ هويتي بدت على علامات الخوف التي لم أستطع كبتها والسيطرة عليها، رجفة واصفرار في الوجه وتلعثم في الكلام وهذا ما جعلهم يدقّقون عليّ.. وفيما يلي نص الحوار:

- شُبَاك عم ترجف يا خُستة؟ وكلمة خستة تعني المخنث على ما أعتقد..

- ما في شي سيدي.

- اسمك ثائر كمان، وفلسطيني كمان، ومن اليرموك؟؟ يا حبيبي عليك، ناقصنا ثوار لأنْ، وزعران وإخوات.. 

انت من جماعة خالد مشعل ولاك، ما هيك؟!

- لا لا سيدي، فشر خالد مشعل وغيره، هدول عم يتاجروا بالقضية ع حسابنا يا سيدي..

- بقص إيدي ازا منتا حمساوي، واضح من وشك اللي بشبه...، يا ابن ال...، كلكن...، تضرب منك للمسجد الأقصى للقدس لفلسطين ابتاعك..

- حاضر يا سيدي

- لا وشو جايب كاتو معو، تعالوا يا شباب تعالوا اتحلوا، الحمساوي جايبلنا حلوان النصر تاعهم بمخيم اليرموك، تعالوا استقبلوه منيح..

وهنا بدأ ينهال على بالضرب والشتائم والألفاظ السوقية، وانا أصرخ من شدة الألم وأشتم حماس لعلني أنفذ من شر الاعتقال، وأحاول دفع هذه التهمة عني، لكن الأمر خرج عن السيطرة عندما توسعت عملية الضرب والدعوسة، بعدما اجتمع على أكثر من خمس شبيحة وراحوا يضربونني بأخمص البندقية على كافة أنحاء جسدي، وسط خوفِ بقية الركاب ومن بينهم خالي الذي لم ينبس بكلمة واحدة خشيةً منه أن يعرفوه بأنه خالي ويتعرض لذات المصير..

كنت أسمع بشيء اسمه "نجوم الظهر" لكنني انتقلت وقتها من مرحلة السمع إلى مرحلة الرؤية، عندما كان الأخمص يُطرق في مؤخرة رأسي بقوة، وبساطيرهم تدوس على وجهي بلؤمٍ شديد، ثم شحطوني على الأرض إلى شاحنة كانت على مقربة منهم وهناك زاد عدد المشاركين في الضرب والإهانة ولم أكن أسمع سوى الشتائم على فلسطين ومخيم اليرموك وخالد مشعل، وحماس والقدس والأقصى، لا يوجد من وسيلة لدي سوى الاستغاثة، وكلما أقول لهم " مشان الله " يزدادون كفراً وضرباً لدرجة أنني أصبحت مسربلاً بالدماء وفاقداً للتركيز، حتى أتى أحدهم وربطني في سارية طويلة وأصبحت فُرجة للناس، وصدقني يا أخي لم يخطر في بالي شيئاً في تلك اللحظات سوى أمي وإخوتي الصغار، كيف قُضِي على فرحتهم، وكيف سيكون شعورهم بعد تلقيهم نبأ الاعتقال، ومن سيكون معيناً لهم، ومن سيدير لهم أمورهم؟!! وكان عندي يقين تام أن من يدخل إلى السجن في تلك الفترة لا يخرج حياً.. يا لهول المصيبة!!

ذهبت الحافلة بدوني وبقيت مصلوباً على السارية تحت المطر مدة طويلة لا أعلم عدد ساعاتها، لأنني كنت أراقب خط الدماء التي تنزل مني وتمتزج مع سيول المطر، وتزحف باتجاه الأحياء، وكل دقيقتين أو أكثر، يتقدم أحدهم نحوي، ليضربني أو يبصق في وجهي أوي شتمني أو يتوعدني، إلى أن تقدم رأسهم الكبير وسألني: عندك ميمة؟ أي هل أمك ما تزال على قيد الحياة؟ أجبته على الفور: اي اي نعم، لأنني ظننت أنه سيطلق سراحي رأفةً بأمي، لكنه على الفور قال لي: دقلها مشان تفتح بيت عزى إلك، ثم أخذ جوالي وبدأ بتفتيشه وقرأ معظم المحادثات، ولم يصل إلى نتيجة لأنني كنت حريصاً على أن يكون جوالي نظيفاً خالياً من أي تهمة، لكنه بدأ يقرأ محادثة من تأليفه وهو يمسك جوالي، وقال لي: اسماع ولاك شو كاتب أنت لواحد من الحجر الأسود أسمو أبو صهيب الدرعاوي..

قلتلو ما عندي هل الاسم يا سيدي بالجوال، قلي امبلا ولاك احنا بنقرأ أفكارك، اسماع يا حمار: كيفك سيادة الأمير أبوصهيب، احنا أمّنالكم الطريق وفيكم تيجوا مشان تهاجموا حاجز البطيخة وتقتلوا كل اللي فيه..

وتابع: بما أنك فلسطيني يا... لا تقبل غير فرع فلسطين ييجي يستلمك شخصي..

وفي المساء جاءت سيارة مُفيّمة عليها صورة الأسد الأب والابن، وأخذتني إلى مكان لا أعرفه وطلبوا مني عدم التفوه بكلمة واحدة طول الليل وإلا سوف ألاقي حتفي على الفور..

قضيت تلك الليلة واقفاً، يُمنَع على الجلوس أو التحرك، حتى تخدرت قدماي، وبدأت أنهار، والحارس لا يشفق علينا، ويقول لنا: موكنتو تنشدوا: أومتّ فمت كالأشجار وقوفاً؟ يلا موتوا وقوفاً كالأشجار.. وللحقيقة لم يضربنا أحد في هذا المكان الذي لا أعرف اسمه حتى اليوم، لكنها حرب نفسية، ووقوف طويل، وإلى الآن ما زلت أعاني من يَبَسٍ في أعصاب قدمي بسبب تلك الوقفة..

وفي صباح اليوم الثاني تم ترحيل ثائر إلى فرع فلسطين، ليحدثنا في الحلقة الثانية عن أصناف العذاب هناك، وكيف عرف انه في فرع فلسطين وكيف تم إطلاق سراحه بعد 11 شهراً..

تابعونا

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/15669

مجموعة العمل – لندن

لم يكن "ثائر" يعلم ولو للحظة، أنّ اسمه العلم سيكون في يوم من الأيام سبباً في دخوله إلى سجون النظام السوري، ولم يكن يدري أنّ تهمةً بحجم (حشد الدعم لحركة حماس في مخيم اليرموك)، ستكون هي الأخرى سبباً في تذوقه مرارات العذاب خلف قضبان سجّانيه..

ثائر ابن مخيم اليرموك، الذي بحثنا عنه طويلاً، البالغ من العمر 32 عاماً، والذي خرج من السجن قبل حوالي 4 سنوات، بعد مكوثه ما يقارب أحد عشر شهراً ما بين فرع فلسطين وسجن عذرا، في العاصمة السورية دمشق، يروي لمجموعة العمل جُملة الأشياء التي عاينها في ظلمة السجن، مع إبدائه حُزمة من المخاوف بسبب هذه الشهادة، بحكم أنه ما يزال يعيش في دمشق حتى هذه اللحظة، لذلك طلب منا عدم الإفصاح عن طريقة التواصل معه، وعن بعض المعلومات التي لا يرغب في إظهارها حفاظاً على حياته..

يقول ثائر في حديث خاص لمجموعة العمل: "بعد أنْ تمّ تهجيرنا من مخيم اليرموك بشكل مُمنهج، ذهبت أنا ووالدتي وإخوتي الصغار إلى بيت خالي الذي يسكن قريباً من حي جرمانا، حيث كنا نعتقد أنّ عودتنا ستكون قريبة، وعندما طالت المعاناة، لم نكن نستطيع البقاء عند بيت خالي بحكم زيادة عدد الأفراد داخل الشقة الصغيرة، لذلك خرجت أبحث عن شقة صغيرة للإيجار في ظل الخطر المحدق، لاسيما أن هويتي تهمة، لأنني من مخيم اليرموك، وفي ذلك الوقت كان مخيم اليرموك هو الشغل الشاغل للنظام السوري على كافة الصعد، عسكرياً وسياسياً..

الوضع المادي كان مزرياً للغاية، ولا يؤهّلني للإيجار، لاسيما أنني لم أكن قادراً على التحرك والعمل في دمشق، وكنت أعمل في أحد المحال التجارية في مخيم اليرموك قبل التهجير، أما الآن فلا تتوفر فرص العمل، لكنني مضطر لاستئجار ولو غرفة واحدة نلوذ بها أنا وبقية أفراد الأسرة، أما عن والدي فأرجو أن تعفيني من الإجابة عن مصيره، لأكتفي بالقول إنه طلّق أمي منذ سنوات ويعيش خارج البلد الآن..

كان يوماً ماطراً عندما خرجت مع خالي للبحث والتحري عن شقة وعن عمل، وكنت أظن نفسي محظوظاً في نهاية ذلك النهار، إذ أنني عثرت على الاثنين معاً، عملٍ وشقة صغيرة بالقرب من حي كشكول القريب من جرمانا، لكن الفرحة لم تكتمل لأنني لم أستطع العودة إلى أمي في ذلك النهار..

كانت أمي ترقص فرحاً عندما أخبرتها من خلال الهاتف، أننا سوف نستقر في منزلنا الجديد، وبأنني سأعمل في إحدى شركات النقل العام، في مستودع الشحن، تحميل وتنزيل البضائع الصادرة والواردة، لدرجة انّ أمي أصبحت تزغرد من شدة فرحها، ما دفعني إلى شراء طبق من الكاتو (حلوان الفرج)، لكنه النظام السوري الذي يأبى إلا أن يخطف فرحتنا في كل مرة، ويصر على أن تبقى الدموع صديقة أمّهاتنا، يقتلهنّ بفلذات أكبادهنّ بدلاً من الرصاص، وينزع بمخالب ظلمهِ أيَّ نوعٍ من أنواع السعادة عن وجوههنّ التي ملأتها التجاعيد..

سلكنا الطريق الأقل في تعداد الحواجز أثناء العودة، لكننا تفاجأنا بوجود حاجز تابع للّجان الشعبية وهوما كان يسمّى (حاجز طيار)، ولا أعلم كيف انتابني شعور الخوف الشديد لأنني سأتعرض للاعتقال دون أدنى شك، رغم أنها ليست المرة الأولى التي أمرّ فيها على حواجز طيارة، لكنّ وسواساً ما، أشار عليّ أنني سوف أُعتقَل الآن وهذا ما حدث..

جمعنا الهويات وأعطيناها لأحد العناصر الذي رفض هذه الخطوة، وطلب منا أن تبقى كل هوية في يد صاحبها وأن ينزل جميع الركاب، وجوههم كانت تشي بأشياء كثيرة، وكأنهم ليسوا أبناء هذا الوطن، لؤمٌ وحقدٌ دفين.. عشقٌ للإذلال وتفاخرٌ بذلك، وعندما وصل الدور عندي وأخذ هويتي بدت على علامات الخوف التي لم أستطع كبتها والسيطرة عليها، رجفة واصفرار في الوجه وتلعثم في الكلام وهذا ما جعلهم يدقّقون عليّ.. وفيما يلي نص الحوار:

- شُبَاك عم ترجف يا خُستة؟ وكلمة خستة تعني المخنث على ما أعتقد..

- ما في شي سيدي.

- اسمك ثائر كمان، وفلسطيني كمان، ومن اليرموك؟؟ يا حبيبي عليك، ناقصنا ثوار لأنْ، وزعران وإخوات.. 

انت من جماعة خالد مشعل ولاك، ما هيك؟!

- لا لا سيدي، فشر خالد مشعل وغيره، هدول عم يتاجروا بالقضية ع حسابنا يا سيدي..

- بقص إيدي ازا منتا حمساوي، واضح من وشك اللي بشبه...، يا ابن ال...، كلكن...، تضرب منك للمسجد الأقصى للقدس لفلسطين ابتاعك..

- حاضر يا سيدي

- لا وشو جايب كاتو معو، تعالوا يا شباب تعالوا اتحلوا، الحمساوي جايبلنا حلوان النصر تاعهم بمخيم اليرموك، تعالوا استقبلوه منيح..

وهنا بدأ ينهال على بالضرب والشتائم والألفاظ السوقية، وانا أصرخ من شدة الألم وأشتم حماس لعلني أنفذ من شر الاعتقال، وأحاول دفع هذه التهمة عني، لكن الأمر خرج عن السيطرة عندما توسعت عملية الضرب والدعوسة، بعدما اجتمع على أكثر من خمس شبيحة وراحوا يضربونني بأخمص البندقية على كافة أنحاء جسدي، وسط خوفِ بقية الركاب ومن بينهم خالي الذي لم ينبس بكلمة واحدة خشيةً منه أن يعرفوه بأنه خالي ويتعرض لذات المصير..

كنت أسمع بشيء اسمه "نجوم الظهر" لكنني انتقلت وقتها من مرحلة السمع إلى مرحلة الرؤية، عندما كان الأخمص يُطرق في مؤخرة رأسي بقوة، وبساطيرهم تدوس على وجهي بلؤمٍ شديد، ثم شحطوني على الأرض إلى شاحنة كانت على مقربة منهم وهناك زاد عدد المشاركين في الضرب والإهانة ولم أكن أسمع سوى الشتائم على فلسطين ومخيم اليرموك وخالد مشعل، وحماس والقدس والأقصى، لا يوجد من وسيلة لدي سوى الاستغاثة، وكلما أقول لهم " مشان الله " يزدادون كفراً وضرباً لدرجة أنني أصبحت مسربلاً بالدماء وفاقداً للتركيز، حتى أتى أحدهم وربطني في سارية طويلة وأصبحت فُرجة للناس، وصدقني يا أخي لم يخطر في بالي شيئاً في تلك اللحظات سوى أمي وإخوتي الصغار، كيف قُضِي على فرحتهم، وكيف سيكون شعورهم بعد تلقيهم نبأ الاعتقال، ومن سيكون معيناً لهم، ومن سيدير لهم أمورهم؟!! وكان عندي يقين تام أن من يدخل إلى السجن في تلك الفترة لا يخرج حياً.. يا لهول المصيبة!!

ذهبت الحافلة بدوني وبقيت مصلوباً على السارية تحت المطر مدة طويلة لا أعلم عدد ساعاتها، لأنني كنت أراقب خط الدماء التي تنزل مني وتمتزج مع سيول المطر، وتزحف باتجاه الأحياء، وكل دقيقتين أو أكثر، يتقدم أحدهم نحوي، ليضربني أو يبصق في وجهي أوي شتمني أو يتوعدني، إلى أن تقدم رأسهم الكبير وسألني: عندك ميمة؟ أي هل أمك ما تزال على قيد الحياة؟ أجبته على الفور: اي اي نعم، لأنني ظننت أنه سيطلق سراحي رأفةً بأمي، لكنه على الفور قال لي: دقلها مشان تفتح بيت عزى إلك، ثم أخذ جوالي وبدأ بتفتيشه وقرأ معظم المحادثات، ولم يصل إلى نتيجة لأنني كنت حريصاً على أن يكون جوالي نظيفاً خالياً من أي تهمة، لكنه بدأ يقرأ محادثة من تأليفه وهو يمسك جوالي، وقال لي: اسماع ولاك شو كاتب أنت لواحد من الحجر الأسود أسمو أبو صهيب الدرعاوي..

قلتلو ما عندي هل الاسم يا سيدي بالجوال، قلي امبلا ولاك احنا بنقرأ أفكارك، اسماع يا حمار: كيفك سيادة الأمير أبوصهيب، احنا أمّنالكم الطريق وفيكم تيجوا مشان تهاجموا حاجز البطيخة وتقتلوا كل اللي فيه..

وتابع: بما أنك فلسطيني يا... لا تقبل غير فرع فلسطين ييجي يستلمك شخصي..

وفي المساء جاءت سيارة مُفيّمة عليها صورة الأسد الأب والابن، وأخذتني إلى مكان لا أعرفه وطلبوا مني عدم التفوه بكلمة واحدة طول الليل وإلا سوف ألاقي حتفي على الفور..

قضيت تلك الليلة واقفاً، يُمنَع على الجلوس أو التحرك، حتى تخدرت قدماي، وبدأت أنهار، والحارس لا يشفق علينا، ويقول لنا: موكنتو تنشدوا: أومتّ فمت كالأشجار وقوفاً؟ يلا موتوا وقوفاً كالأشجار.. وللحقيقة لم يضربنا أحد في هذا المكان الذي لا أعرف اسمه حتى اليوم، لكنها حرب نفسية، ووقوف طويل، وإلى الآن ما زلت أعاني من يَبَسٍ في أعصاب قدمي بسبب تلك الوقفة..

وفي صباح اليوم الثاني تم ترحيل ثائر إلى فرع فلسطين، ليحدثنا في الحلقة الثانية عن أصناف العذاب هناك، وكيف عرف انه في فرع فلسطين وكيف تم إطلاق سراحه بعد 11 شهراً..

تابعونا

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/15669