map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "أبو زهير وليلةُ الانشقاقِ عن جيشِ التحرير الفلسطيني (1)

تاريخ النشر : 12-08-2021
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "أبو زهير وليلةُ الانشقاقِ عن جيشِ التحرير الفلسطيني (1)

خاص|| مجموعة العمل – لندن

عبءٌ ثقيلٌ تخلّفُهُ الحروبُ على الأطرافِ المتصارعة، ولهذا قرأنا كثيراً عن حكاياتِ الجنودِ وما آلت إليه أوضاعُهم بعد احتدامِ المعاركِ في بلادِهم، بل إنّ العشقَ يحلو أحياناً مع ارتداءِ البزّةِ العسكريّة وامتشاقِ البندقية، ولكنّ المصيبةَ تكمنُ حينما تجدُ نفسَكَ مضطراً للتحلّلِ من قطعتِكَ العسكريةِ لأسبابٍ متعددة.

أبو زهير شابٌ فلسطينيّ سوريٌّ يقيمُ في أوروبا، يبلغُ من العمرِ ثلاثينَ عاماً، ومن بين الثلاثينَ هذهِ، هناك ليلةٌ واحدة.. ليلةٌ واحدةٌ فقط لا ينساها أبداً، ليست ليلةَ الزفافِ على الإطلاق، ولا ليلةَ التخرّجِ من الجامعة، بل إنها ليلةُ الانشقاقِ عن جيشِ التحريرِ الفلسطيني قبل ثمانِي سنواتٍ، وذلك بعد أنْ وجدَ نفسَهُ خصماً في عيونِ الأشخاصِ الذين تربّى معهم، ونشأَ معهم في أزقّةِ المخيّمات، وأكل معهم الخبزَ والملح، ولكنّ مجموعةَ العملِ من أجلِ فلسطينيّي سورية تتحفّظُ على بعض المسمّيات في هذه الحكاية، بناءً على طلبِ صاحبِها الذي أفادنا أثناءَ هذه الحلقة حينما قال: لم نكن في مخيماتِ سورية من أصحابِ رؤوسِ الأموال، بل إنّ أغلبَنا كان يعتاشُ من وظيفتِهِ حينما يُوَفَّقُ في دراستِهِ الجامعية، أو من خلالِ الأشغالِ الحرّةِ التي تُرهقُ صاحبَها، وكانت خدمةُ العلم إحدى المعضلاتِ التي تواجهُ الشاب الفلسطينيَّ في سورية، فما إنْ يبلغ مرحلةَ الفتوّةَ حتى يجدُ نفسَهُ مُساقاً إلى الخدمةِ الإلزاميةِ التي تعيدُهُ إلى الوراءِ عشرَ سنوات، بالإضافةِ إلى عبئِها الماديِّ الثقيلِ الذي كنا نعاني منه .

التحقتُ في خدمة العلم وأنا في التاسعةِ عشرةَ من عمري، وتمّ فرزي إلى لواء القادسيةِ في محافظةِ السويداء جنوب سورية، ومعروفٌ عن هذا اللواء أنه يعتمدُ على نظامِ المبيت اليومي، حيث يغادرُ العناصرُ الثكنةَ العسكريةَ بعد انتهاءِ الدوامِ الرسمي، ويبقى العناصرُ المناوبونَ فقط، وبهذا يمكنُ القولُ إنّ الخدمةَ هناك كانت مريحةً جداً.. وبعد انقضاءِ السنةِ الأولى من الخدمة، بدأتُ أفكّرُ بمهنتي المستقبليّة، وما الذي سوف أقومُ به في مرحلةِ ما بعد التسريح، وللحقيقةِ أقولُ إنني لم أكن موفّقاً في دراستي، وليس لديّ خبرةٌ في مجالاتِ الأعمالِ الحرة، ما يدفعُني للاعترافِ بالفشلِ الذريعِ في طليعةِ مرحلةِ الشباب، لأنّ العمل هو زادُ الشابِ في المخيمات، وحينما استشرتُ والدي الفقيرُ أشارَ عليّ بفكرةِ التطوعِ بالجيش لعدةِ أسباب، السببُ الأولُ أنّها تعتبر مصدرَ رزقٍ نوعاً ما، وذلك حينما أتقاضى راتباً ولو ضئيلاً، والسبب الثاني أنّ فرصةَ القبول بالتطوعِ سانحةً جداً لأنني ضمن الخدمةِ الإلزامية .. وبالفعل أخذتُ مقترحَ والدي على محمل الجدّ، وكان القرارُ سريعاً جداً حينما عرضتُ الفكرةَ على الضابطِ المسؤولِ عني، والذي رحّب بالفكرة ترحيباً كبيراً ووعدَ بالمساعدةِ المُستطاعةِ وتسريعِ الحصولِ على الموافقة، وبالفعل تقدّمتُ بطلبِ التطوعِ في جيشِ التحريرِ، وماهي إلا أشهرٌ معدوداتٌ حتى جاءت الموافقةُ الأمنيةُ وأصبحتُ برتبةِ عريفٍ يتقاضى تسعةَ آلافِ ليرةٍ سورية تعادِلُ أقلّ من مئةٍ وثمانينَ دولاراً..

كان ذلك في العامِ ألفينِ وعشرة، لتأتي بعده مباشرةً الثورةُ السوريةُ التي انطلقت من درعا في الجنوب عام ألفينِ وأحدَ عشر، الأمرُ الذي أحدثَ إرباكاً واضحاً في حياتِنا نحنُ كعسكريينَ في جيشِ التحرير، وعلى احتكاكٍ مباشرٍ مع سكّانِ المخيمات..

ومع اتساعِ رقعةِ المظاهراتِ وسقوطِ الشهداءِ والجرحى، حاصرَ النظامُ السوريُّ الأحياءَ التي كانت تشهدُ حراكاً ثورياً هو الأولُ من نوعِهِ، خاصةً درعا البلد مهدُ الثورةِ السورية، وحيّ طريقِ السدّ، والمخيم المحاذي لهذه المناطقِ الثائرة، وهنا توقّفَ المبيتُ في لواءِ القادسية، ومُنِعَت عنا المغادرةُ بذريعةِ أنّ المحافظةَ تشهدُ توتراً أمنياً عَرَضيّاً، و إنّ الجيشَ في طريقِهِ إلى بسطِ السيطرةِ على المناطقِ المتوترة، وهذا ما دفعني إلى الاتصالِ بأهلي هناك للاطمئنانِ عليهم، وبدورِهم لم يُفصِحوا عن أيّ شيءٍ خشيةَ الملاحقةِ الأمنيّةِ، واكتفوا بالقولِ ( الأمور بخير ولا داعي للقلق )، كما نصحوني بعدم القدومِ حالياً لأنّ الأحياءَ محاصرةٌ ولن أتمكّنَ من الوصولِ إلى هناك ..

بعدَ أسبوعينِ فُكَّ الحصارُ عن أحياءِ درعا وسُمِحَ لنا بالمغادرةِ، وما إنْ وصلتُ مخيمَ درعا حتى لمحتُ أشياءً غريبةً لم أكن قد شاهدتُها سابقاً.. ثورةٌ عارمة.. هُبّةٌ جماهيريةٌ واسعةُ النطاق.. وجوهٌ مليئةٌ بالسخطِ والغضبِ من تصرفاتِ الجيشِ والأمنِ.. نظراتُ الناسِ إلينا كعسكريينَ كانت مليئةً بالشكِ والريبِ وأشياءٍ كثيرةٍ لم تجرؤ ألسنةُ الناسِ عن الإفصاحِ عنها لأنّ النظامَ آنذاك كان مسيطراً على كاملِ الجغرافية السورية، لكننا وللأمانة، أصبحنا نشعرُ بشيءٍ من الحرجِ حينما نرتدي بدلاتِنا العسكريةَ بين جموعِ الناسِ الغاضبةِ التي تزفّ الشهيدَ بعد الشهيد، وتُسعفُ الجريحَ تلوَ الجريح، لكنّ عزاءنا الوحيدَ هو أنّ جيشَ التحريرِ الفلسطينيَّ كان في ذلك الوقت بعيداً عن مسؤوليّتِهِ في إراقةِ دماءِ المتظاهرين، إلّا أنّ الارتفاعَ المتسارعَ لأعدادِ الشهداءِ والجرحى زادَ من هذا الحرجِ بالنسبةِ لنا، وأصبحنا نهمسُ فيما بيننا بالثورة، إلّا أنّ القبضةَ الأمنيّةَ كانت تخوّفُنا من التصريحِ بموقفِنا الحقيقيِّ الذي يمقتُ القتلَ والتهجيرَ المُمنهَجَ والاعتقالَ العشوائي.

بدأت حركةُ الانشقاقِ عن الجيشِ السوريِّ تظهرُ للعلن، وتمّ تشكيلُ الجيشِ الحرّ، وهذا أحدثَ إرباكاً جديداً لدى شعبةِ الاستطلاع، خوفاً من ازديادِ حالاتِ الانشقاق، و مُنِعَ عنا المبيتُ مرةً أخرى بذريعةِ المخاطرِ الأمنية، و بأنّ الطريقَ بين درعا والسويداء محفوفٌ بالمخاطر، ولهذا يشملُ هذا المنعُ عساكرَ درعا فقط ولا يشملُ الجميع، وبالتالي كانَ ابنُ مخيمِ درعا مرابطاً في الجيشِ، في حين يذهبُ الجنودُ الآخرونَ إلى منازلِهم بعد الظهيرة، وهنا بدأنا نلحظُ سخطاً كبيراً علينا، وتشديداً أمنيّاً واضحَ المعالم، تزامنَ مع حملةٍ عسكريةٍ واسعةِ النطاقِ شنّها النظامُ السوريُّ على أحياءِ درعا البلد و طريقِ السدّ ومخيمِ درعا الذي اتُّهِمَ بمناصرةِ الثورة وإيواءِ المسلّحينَ ومعالجةِ الجرحى في المشافي الميدانية، تلك الحملةُ أدّت إلى تهجيرِ السكان و سقوطِ القتلى والجرحى، الأمر الذي جعلنا نستشيطُ غضباً ونحن نتابعُ الأخبارَ تِباعاً في لواءِ القادسية، ولم نتمكن من الاتصالِ لأنّ الأمنَ السوريَّ قطعَ كاملَ الاتصالاتِ الهاتفيةِ و خدماتِ الانترنت عن المحافظة، ممّا زادَ في قلقِنا وتوتّرِنا، لاسيما أنّ هناك أوامرَ صدرت بزيادة نقاطِ الحراسةِ حول الثكنةِ العسكرية، ومضاعفةِ عددِ الجنودِ الذي يقومون بمهمة الحرس ..

التوترُ كان سيّدَ الموقفِ، إلا أنّه بلغَ ذروتَهُ عند العقيد قحطان طباشة، الذي كانت علاماتُ الغضبِ واضحةً جليّةً عليه، فهو ابنُ طريقِ السد الذي عاثت فيه قواتُ النظامِ فساداً وقتلاً وتهجيراً، لذلك كنا نراهُ في تلك الفترةِ شاردَ الذهنِ، محمرَّ الوجه، سريعَ الغضبِ، لايحتملُ ذبابةً تقفُ على أنفِه، و واللهِ كنتُ أعلمُ تماماً أنه يخطّطُ لشيءٍ ما، وكنتُ أظنّه سيفعلُها، حتى إنّ بقيةَ الضباطِ كانوا على درجةِ الظنِّ نفسِها، لأنه لم يكن راضياً أبداً عمّا يجري في محافظةِ درعا، وهذا الظنّ بالعقيدِ تحوّلَ إلى يقينٍ تام عندما استفاقَ لواءَ القادسيةِ على نبأِ انشقاقِهِ بطريقةٍ مذهلة كادت أنْ تُكشَفَ ملابساتُها في اللحظاتِ الأخيرة، فلو لبثَ قحطانُ في مكتبِهِ ساعةً إضافيةً واحدة لاُعتقِلَ على الفور، ولكنها مشيئةُ الله التي أرادت له النجاة ..

ولك أن تتخيّلَ حالةَ الاستنفارِ والجنونِ التي حصلت في كتيبتِه بعد هذا النبأ حيث ساقونا إلى التحقيقِ جميعاً في حالةٍ من الغضبِ كبيرة، وطرحوا علينا أسئلة: متى اجتمعتَ مع قحطان آخر مرة؟ وماذا قالَ لك؟

من هم الأشخاصُ الذين كانوا يجتمعون معه في الأيام الأخيرةِ؟

إلى أين كان يذهب؟؟ و أسئلةٌ كثيرةٌ تدلُّ على شيءٍ واحدٍ لا غير، هو حجمُ الضربةِ الموجعةِ التي أحدَثها انشقاقُ قحطان طباشة عن جيش التحرير الفلسطيني لاسيما أنه قائدُ أهمِّ كتيبةٍ في لواءِ القادسية، ولهذا صبّوا جامَ غضبهم علينا، و شددوا من الحراسةِ حول الثكنةِ بعد أن تمكّنَ قحطان من الانشقاق، ولم يشفَ غليلُ النظامِ عليه إلا حينما تمكّنَ منه بعد أشهرٍ قليلةٍ فقط من انشقاقه، حيث استشهد قحطان أثناء المواجهاتِ المباشرةِ بين الجيشِ الحرِّ وقواتِ النظامِ السوريِّ عند المخافرِ الحدوديةِ مع الأردن في ريفِ درعا الغربي، مما أحدَثَ ارتياحاً ملحوظاً لدى جيشِ التحريرِ الفلسطيني الذي كان يخشى أن يفتحَ انشقاقُ قحطانَ أبواباً مغلقةً أمام الآخرين ..

هنا بدأت أفكّرُ مليّاً بالانشقاقِ عن الجيش ولكن كيف ذلك؟

والدي يرفض ذلك لأنّ النظام في ذلك الوقتِ كان ينتقمُ من عائلاتِ المنشقّينَ، وفي بعضِ الأحيان يحرقُ منازلَهم، كما أنّ حياتي ستكونُ في خطرٍ كبير، لكنّ والدي خطفه الموتُ على حين غفلةٍ بجلطةٍ قلبيّة مفاجئة، مما شكّل للعائلةِ صدمةً كبيرةً وحزناً بالغاً، وبالكاد استطعتُ الحصولَ على إجازةٍ لمدةِ ثلاثةِ أيام، وخلال هذه الإجازةِ التقيتُ بأهلِ مخيّمي الذين جاؤوا للعزاءِ بوالدي، بعضُهم عاتبني بالنظرات، والآخرون قالوها لي بالخفاء: ألا تخجل على نفسِك وأنت ماتزال عسكرياً في الجيش الذي قتلَ وهجّرَ و استباحَ الحرمات؟؟ نعم كلامُهم هو عينُ الصواب، لذلك لابد من موقفٍ مشرّفٍ ضروريّ جداً رغم حساسيّةِ المرحلة، ورغمَ حالةِ والدتي الصعبةِ بعد وفاةِ والدي.. لابد من الانشقاق.. فدماءُ الناسِ ليست رخيصة.. كما أنّ حياتي أصبحت في خطر، لأنّ الجيشَ الحرّ كان قد بدأ عوده يشتدّ، ورقعتُهُ تتوسّع، ولن يرأفَ بي إذا ما وقعتُ أسيراً لديه..

سأحدّثكم في الحلقةِ المقبلةِ ان شاء الله عن تفاصيلِ ليلةِ الانشقاق وكيف أمّنتُ على نفسي وعائلتي من خطرِ النظامِ السوريّ..

تابعونا

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/15861

خاص|| مجموعة العمل – لندن

عبءٌ ثقيلٌ تخلّفُهُ الحروبُ على الأطرافِ المتصارعة، ولهذا قرأنا كثيراً عن حكاياتِ الجنودِ وما آلت إليه أوضاعُهم بعد احتدامِ المعاركِ في بلادِهم، بل إنّ العشقَ يحلو أحياناً مع ارتداءِ البزّةِ العسكريّة وامتشاقِ البندقية، ولكنّ المصيبةَ تكمنُ حينما تجدُ نفسَكَ مضطراً للتحلّلِ من قطعتِكَ العسكريةِ لأسبابٍ متعددة.

أبو زهير شابٌ فلسطينيّ سوريٌّ يقيمُ في أوروبا، يبلغُ من العمرِ ثلاثينَ عاماً، ومن بين الثلاثينَ هذهِ، هناك ليلةٌ واحدة.. ليلةٌ واحدةٌ فقط لا ينساها أبداً، ليست ليلةَ الزفافِ على الإطلاق، ولا ليلةَ التخرّجِ من الجامعة، بل إنها ليلةُ الانشقاقِ عن جيشِ التحريرِ الفلسطيني قبل ثمانِي سنواتٍ، وذلك بعد أنْ وجدَ نفسَهُ خصماً في عيونِ الأشخاصِ الذين تربّى معهم، ونشأَ معهم في أزقّةِ المخيّمات، وأكل معهم الخبزَ والملح، ولكنّ مجموعةَ العملِ من أجلِ فلسطينيّي سورية تتحفّظُ على بعض المسمّيات في هذه الحكاية، بناءً على طلبِ صاحبِها الذي أفادنا أثناءَ هذه الحلقة حينما قال: لم نكن في مخيماتِ سورية من أصحابِ رؤوسِ الأموال، بل إنّ أغلبَنا كان يعتاشُ من وظيفتِهِ حينما يُوَفَّقُ في دراستِهِ الجامعية، أو من خلالِ الأشغالِ الحرّةِ التي تُرهقُ صاحبَها، وكانت خدمةُ العلم إحدى المعضلاتِ التي تواجهُ الشاب الفلسطينيَّ في سورية، فما إنْ يبلغ مرحلةَ الفتوّةَ حتى يجدُ نفسَهُ مُساقاً إلى الخدمةِ الإلزاميةِ التي تعيدُهُ إلى الوراءِ عشرَ سنوات، بالإضافةِ إلى عبئِها الماديِّ الثقيلِ الذي كنا نعاني منه .

التحقتُ في خدمة العلم وأنا في التاسعةِ عشرةَ من عمري، وتمّ فرزي إلى لواء القادسيةِ في محافظةِ السويداء جنوب سورية، ومعروفٌ عن هذا اللواء أنه يعتمدُ على نظامِ المبيت اليومي، حيث يغادرُ العناصرُ الثكنةَ العسكريةَ بعد انتهاءِ الدوامِ الرسمي، ويبقى العناصرُ المناوبونَ فقط، وبهذا يمكنُ القولُ إنّ الخدمةَ هناك كانت مريحةً جداً.. وبعد انقضاءِ السنةِ الأولى من الخدمة، بدأتُ أفكّرُ بمهنتي المستقبليّة، وما الذي سوف أقومُ به في مرحلةِ ما بعد التسريح، وللحقيقةِ أقولُ إنني لم أكن موفّقاً في دراستي، وليس لديّ خبرةٌ في مجالاتِ الأعمالِ الحرة، ما يدفعُني للاعترافِ بالفشلِ الذريعِ في طليعةِ مرحلةِ الشباب، لأنّ العمل هو زادُ الشابِ في المخيمات، وحينما استشرتُ والدي الفقيرُ أشارَ عليّ بفكرةِ التطوعِ بالجيش لعدةِ أسباب، السببُ الأولُ أنّها تعتبر مصدرَ رزقٍ نوعاً ما، وذلك حينما أتقاضى راتباً ولو ضئيلاً، والسبب الثاني أنّ فرصةَ القبول بالتطوعِ سانحةً جداً لأنني ضمن الخدمةِ الإلزامية .. وبالفعل أخذتُ مقترحَ والدي على محمل الجدّ، وكان القرارُ سريعاً جداً حينما عرضتُ الفكرةَ على الضابطِ المسؤولِ عني، والذي رحّب بالفكرة ترحيباً كبيراً ووعدَ بالمساعدةِ المُستطاعةِ وتسريعِ الحصولِ على الموافقة، وبالفعل تقدّمتُ بطلبِ التطوعِ في جيشِ التحريرِ، وماهي إلا أشهرٌ معدوداتٌ حتى جاءت الموافقةُ الأمنيةُ وأصبحتُ برتبةِ عريفٍ يتقاضى تسعةَ آلافِ ليرةٍ سورية تعادِلُ أقلّ من مئةٍ وثمانينَ دولاراً..

كان ذلك في العامِ ألفينِ وعشرة، لتأتي بعده مباشرةً الثورةُ السوريةُ التي انطلقت من درعا في الجنوب عام ألفينِ وأحدَ عشر، الأمرُ الذي أحدثَ إرباكاً واضحاً في حياتِنا نحنُ كعسكريينَ في جيشِ التحرير، وعلى احتكاكٍ مباشرٍ مع سكّانِ المخيمات..

ومع اتساعِ رقعةِ المظاهراتِ وسقوطِ الشهداءِ والجرحى، حاصرَ النظامُ السوريُّ الأحياءَ التي كانت تشهدُ حراكاً ثورياً هو الأولُ من نوعِهِ، خاصةً درعا البلد مهدُ الثورةِ السورية، وحيّ طريقِ السدّ، والمخيم المحاذي لهذه المناطقِ الثائرة، وهنا توقّفَ المبيتُ في لواءِ القادسية، ومُنِعَت عنا المغادرةُ بذريعةِ أنّ المحافظةَ تشهدُ توتراً أمنياً عَرَضيّاً، و إنّ الجيشَ في طريقِهِ إلى بسطِ السيطرةِ على المناطقِ المتوترة، وهذا ما دفعني إلى الاتصالِ بأهلي هناك للاطمئنانِ عليهم، وبدورِهم لم يُفصِحوا عن أيّ شيءٍ خشيةَ الملاحقةِ الأمنيّةِ، واكتفوا بالقولِ ( الأمور بخير ولا داعي للقلق )، كما نصحوني بعدم القدومِ حالياً لأنّ الأحياءَ محاصرةٌ ولن أتمكّنَ من الوصولِ إلى هناك ..

بعدَ أسبوعينِ فُكَّ الحصارُ عن أحياءِ درعا وسُمِحَ لنا بالمغادرةِ، وما إنْ وصلتُ مخيمَ درعا حتى لمحتُ أشياءً غريبةً لم أكن قد شاهدتُها سابقاً.. ثورةٌ عارمة.. هُبّةٌ جماهيريةٌ واسعةُ النطاق.. وجوهٌ مليئةٌ بالسخطِ والغضبِ من تصرفاتِ الجيشِ والأمنِ.. نظراتُ الناسِ إلينا كعسكريينَ كانت مليئةً بالشكِ والريبِ وأشياءٍ كثيرةٍ لم تجرؤ ألسنةُ الناسِ عن الإفصاحِ عنها لأنّ النظامَ آنذاك كان مسيطراً على كاملِ الجغرافية السورية، لكننا وللأمانة، أصبحنا نشعرُ بشيءٍ من الحرجِ حينما نرتدي بدلاتِنا العسكريةَ بين جموعِ الناسِ الغاضبةِ التي تزفّ الشهيدَ بعد الشهيد، وتُسعفُ الجريحَ تلوَ الجريح، لكنّ عزاءنا الوحيدَ هو أنّ جيشَ التحريرِ الفلسطينيَّ كان في ذلك الوقت بعيداً عن مسؤوليّتِهِ في إراقةِ دماءِ المتظاهرين، إلّا أنّ الارتفاعَ المتسارعَ لأعدادِ الشهداءِ والجرحى زادَ من هذا الحرجِ بالنسبةِ لنا، وأصبحنا نهمسُ فيما بيننا بالثورة، إلّا أنّ القبضةَ الأمنيّةَ كانت تخوّفُنا من التصريحِ بموقفِنا الحقيقيِّ الذي يمقتُ القتلَ والتهجيرَ المُمنهَجَ والاعتقالَ العشوائي.

بدأت حركةُ الانشقاقِ عن الجيشِ السوريِّ تظهرُ للعلن، وتمّ تشكيلُ الجيشِ الحرّ، وهذا أحدثَ إرباكاً جديداً لدى شعبةِ الاستطلاع، خوفاً من ازديادِ حالاتِ الانشقاق، و مُنِعَ عنا المبيتُ مرةً أخرى بذريعةِ المخاطرِ الأمنية، و بأنّ الطريقَ بين درعا والسويداء محفوفٌ بالمخاطر، ولهذا يشملُ هذا المنعُ عساكرَ درعا فقط ولا يشملُ الجميع، وبالتالي كانَ ابنُ مخيمِ درعا مرابطاً في الجيشِ، في حين يذهبُ الجنودُ الآخرونَ إلى منازلِهم بعد الظهيرة، وهنا بدأنا نلحظُ سخطاً كبيراً علينا، وتشديداً أمنيّاً واضحَ المعالم، تزامنَ مع حملةٍ عسكريةٍ واسعةِ النطاقِ شنّها النظامُ السوريُّ على أحياءِ درعا البلد و طريقِ السدّ ومخيمِ درعا الذي اتُّهِمَ بمناصرةِ الثورة وإيواءِ المسلّحينَ ومعالجةِ الجرحى في المشافي الميدانية، تلك الحملةُ أدّت إلى تهجيرِ السكان و سقوطِ القتلى والجرحى، الأمر الذي جعلنا نستشيطُ غضباً ونحن نتابعُ الأخبارَ تِباعاً في لواءِ القادسية، ولم نتمكن من الاتصالِ لأنّ الأمنَ السوريَّ قطعَ كاملَ الاتصالاتِ الهاتفيةِ و خدماتِ الانترنت عن المحافظة، ممّا زادَ في قلقِنا وتوتّرِنا، لاسيما أنّ هناك أوامرَ صدرت بزيادة نقاطِ الحراسةِ حول الثكنةِ العسكرية، ومضاعفةِ عددِ الجنودِ الذي يقومون بمهمة الحرس ..

التوترُ كان سيّدَ الموقفِ، إلا أنّه بلغَ ذروتَهُ عند العقيد قحطان طباشة، الذي كانت علاماتُ الغضبِ واضحةً جليّةً عليه، فهو ابنُ طريقِ السد الذي عاثت فيه قواتُ النظامِ فساداً وقتلاً وتهجيراً، لذلك كنا نراهُ في تلك الفترةِ شاردَ الذهنِ، محمرَّ الوجه، سريعَ الغضبِ، لايحتملُ ذبابةً تقفُ على أنفِه، و واللهِ كنتُ أعلمُ تماماً أنه يخطّطُ لشيءٍ ما، وكنتُ أظنّه سيفعلُها، حتى إنّ بقيةَ الضباطِ كانوا على درجةِ الظنِّ نفسِها، لأنه لم يكن راضياً أبداً عمّا يجري في محافظةِ درعا، وهذا الظنّ بالعقيدِ تحوّلَ إلى يقينٍ تام عندما استفاقَ لواءَ القادسيةِ على نبأِ انشقاقِهِ بطريقةٍ مذهلة كادت أنْ تُكشَفَ ملابساتُها في اللحظاتِ الأخيرة، فلو لبثَ قحطانُ في مكتبِهِ ساعةً إضافيةً واحدة لاُعتقِلَ على الفور، ولكنها مشيئةُ الله التي أرادت له النجاة ..

ولك أن تتخيّلَ حالةَ الاستنفارِ والجنونِ التي حصلت في كتيبتِه بعد هذا النبأ حيث ساقونا إلى التحقيقِ جميعاً في حالةٍ من الغضبِ كبيرة، وطرحوا علينا أسئلة: متى اجتمعتَ مع قحطان آخر مرة؟ وماذا قالَ لك؟

من هم الأشخاصُ الذين كانوا يجتمعون معه في الأيام الأخيرةِ؟

إلى أين كان يذهب؟؟ و أسئلةٌ كثيرةٌ تدلُّ على شيءٍ واحدٍ لا غير، هو حجمُ الضربةِ الموجعةِ التي أحدَثها انشقاقُ قحطان طباشة عن جيش التحرير الفلسطيني لاسيما أنه قائدُ أهمِّ كتيبةٍ في لواءِ القادسية، ولهذا صبّوا جامَ غضبهم علينا، و شددوا من الحراسةِ حول الثكنةِ بعد أن تمكّنَ قحطان من الانشقاق، ولم يشفَ غليلُ النظامِ عليه إلا حينما تمكّنَ منه بعد أشهرٍ قليلةٍ فقط من انشقاقه، حيث استشهد قحطان أثناء المواجهاتِ المباشرةِ بين الجيشِ الحرِّ وقواتِ النظامِ السوريِّ عند المخافرِ الحدوديةِ مع الأردن في ريفِ درعا الغربي، مما أحدَثَ ارتياحاً ملحوظاً لدى جيشِ التحريرِ الفلسطيني الذي كان يخشى أن يفتحَ انشقاقُ قحطانَ أبواباً مغلقةً أمام الآخرين ..

هنا بدأت أفكّرُ مليّاً بالانشقاقِ عن الجيش ولكن كيف ذلك؟

والدي يرفض ذلك لأنّ النظام في ذلك الوقتِ كان ينتقمُ من عائلاتِ المنشقّينَ، وفي بعضِ الأحيان يحرقُ منازلَهم، كما أنّ حياتي ستكونُ في خطرٍ كبير، لكنّ والدي خطفه الموتُ على حين غفلةٍ بجلطةٍ قلبيّة مفاجئة، مما شكّل للعائلةِ صدمةً كبيرةً وحزناً بالغاً، وبالكاد استطعتُ الحصولَ على إجازةٍ لمدةِ ثلاثةِ أيام، وخلال هذه الإجازةِ التقيتُ بأهلِ مخيّمي الذين جاؤوا للعزاءِ بوالدي، بعضُهم عاتبني بالنظرات، والآخرون قالوها لي بالخفاء: ألا تخجل على نفسِك وأنت ماتزال عسكرياً في الجيش الذي قتلَ وهجّرَ و استباحَ الحرمات؟؟ نعم كلامُهم هو عينُ الصواب، لذلك لابد من موقفٍ مشرّفٍ ضروريّ جداً رغم حساسيّةِ المرحلة، ورغمَ حالةِ والدتي الصعبةِ بعد وفاةِ والدي.. لابد من الانشقاق.. فدماءُ الناسِ ليست رخيصة.. كما أنّ حياتي أصبحت في خطر، لأنّ الجيشَ الحرّ كان قد بدأ عوده يشتدّ، ورقعتُهُ تتوسّع، ولن يرأفَ بي إذا ما وقعتُ أسيراً لديه..

سأحدّثكم في الحلقةِ المقبلةِ ان شاء الله عن تفاصيلِ ليلةِ الانشقاق وكيف أمّنتُ على نفسي وعائلتي من خطرِ النظامِ السوريّ..

تابعونا

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/15861