map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4048

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "أطفال المخيمات الفلسطينية في سورية بين ضربات الحرب وواقع التهجير" (1)

تاريخ النشر : 01-10-2021
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "أطفال المخيمات الفلسطينية في سورية بين ضربات الحرب وواقع التهجير" (1)

مجموعة العمل – لندن

لم تكن الطفولة بمعزلٍ عن تبعات الحرب الدائرة في سورية، ولأنّ المخيمات الفلسطينية جزءٌ لا يتجزأ من النسيج السوري، فقد كان لأطفال المخيمات قِصصٌ كثيرة وحكايات لابدّ أن تروى للأجيال، لأنّ الحرب خطفت منهم البهجة والفرح..

مجموعة العمل تسلّط الضوء على معاناة أطفال المخيمات جرّاء الحرب الدائرة هناك، ولهذا فهي تواصلت مع الطفلة جنى ابنة مخيم درعا، والتي تبلغ من العمر حالياً ثلاثة عشر عاماً، وقد عاينت أشياءً من الحرب ماتزال في مخيّلتها حتى هذه اللحظة، كما عانت أيضاً من مخلّفات الحرب والتهجير، ولأنّ عمرها لا يسمح لها بأن تتحدث اللغة الفصحى، فقد أصغت مجموعة العمل إلى جنى بكل قواها، وأخذت منها شهادتها على الحرب وتبعاتها، ثم أعادت صياغة النص باللغة المطلوبة دون أي زيادة أو نقصان في الشهادة..

جنى التي تقيم في هولندا منذ حوالي أربع سنوات، التقينا بها وسلّطت الضوء على أربع نقاط رئيسية في معاناتها، وربما تكون هذه النقاط الأربع هي عناوين عريضة للكثير من أصناف العذاب الذي تكبده أطفال المخيمات على امتداد الأرض السورية..

النقطة الأولى : تقول جنى أن هذه النقطة تتمثل في معايشتي للحرب وأصوات البراميل المتفجرة التي كانت تلقيها الطائرات فوق رؤوسنا، حيث كنا نخاف كثيراً عند سماع هدير الطائرة، لأننا نعلم أنّ بعد هذا الهدير سيكون شخير البرميل، يليه صوت الانفجار المزلزل الذي يدوّي في الأفق بعد اصطدامه في الأرض، وقد أصبحنا قادرين على أن نميز بين صوت الهيلوكبتر، وصوت السوخوي، وصوت مدافع الهاون، و الصواريخ، فطفولتنا شابت مبكّراً، وكم كنت أشعر بالخوف الشديد وأنا في أحضان والدي الذي يحاول أن يُزِيل عني الخوف من خلال خلق جوّ من الفرح أثناء نزول الضربات علينا، لكنّ محاولاته كانت تبوء بالفشل دائماً، لأنّ الخوف له أوقاته، والسعادة أيضاً لها أوقاتها، ولا يمكن الربط بين الشعورين في المكان ذاته والزمان ذاته ..

أذكر مرة أننا ذهبنا في زيارة إلى بيت عمي الذي كان هارباً إلى قرية المزيريب في درعا، وكان ذلك في يوم الجمعة، فسررتُ كثيراً لأنني سألعب مع أولاد عمي هناك في السهل المجاور لمنزلهم، وبدأنا نلعب بالكرة، في حين كان أبي وأمي وعمي وزوجته على البرندة يشربون الشاي ويتابعون تحرّكاتنا، وفجأةً وبدون سابق إنذار سمعنا صوت هدير طائرة الهيلوكوبتر في السماء، وعلى الفور ركض أبي وعمي تجاهنا وحاولوا أن يضعونا في مكان آمن، وعلامات الخوف والرعب واضحة عليهم جميعاً، لدرجة أنّ ذلك الخوف انتقل إلينا سريعاً، فجميعنا ينظر إلى السماء ويحاول أن يعرف أين سيسقط البرميل للنجاة منه، في حين أنّ أمي وزوجة عمي كانتا تصرخان لإدخالنا للمنزل خشيةَ الغارة، وماهي إلا لحظات وإذ بصوت البرميل يشخر غائراً علينا، وهنا علا صراخنا جميعاً، الكبير والصغير والذكر والأنثى، فانبطحنا جميعاً على تراب السهل، و احتضنني والدي أنا و أختي الصغرى على الأرض، وبدأ ينطق الشهادة، ظناً منه أننا سنموت جميعاً لأنّ البرميل كان هابطاً علينا دون أدنى شك، بينما كنت أنا وأختي وأولاد عمي نحاول أن نلتصق بجسد أبي وعمي لأننا كنا نعتقد أنهم سبيلنا الوحيد للنجاة ..

لحظات صعبة للغاية أنْ ينتظر الإنسان موته المحتوم نازلاً عليه من السماء، لكنّ رحمة الله هي التي أزاحت البرميل ربما ليصطدم في التراب، و بحسب قول أبي أنّ اصطدامه في التراب دون اليابسة هو الذي خفف كثيراً من هول الانفجار الحاصل، حيث أصبح الجو أحمر اللون بسبب التراب الذي ملأ الأفق، لدرجة أننا لم نصبح قادرين على رؤية بعضنا البعض، ثم وقف والدي المرتجف يبحث عنا في هذا المشهد المرعب وينادي علينا بالصوت واحداً واحداً ليتأكد أننا على قيد الحياة، فالجميع كانوا يبكون من الخوف، خاصةً أنا التي بقيت في حضن والدي عدة دقائق، حتى خرجت أمي من المنزل مذعورة بدون حجاب لتتأكد أننا مازلنا على قيد الحياة ..

هذا المشهد لم يكن هو الوحيد، فكثيراً ما كان يتكرر، وكنا نذهب إلى مدارسنا خائفين من القصف، خاصةً في طريق الذهاب والإياب، وكثيراً ما كان القصف يشتد أثناء وجودنا في المدرسة، فيضطر المدير للانتظار حتى تهدأ الغارات قليلاً ثم يصرفنا إلى المنزل بسرعة، وقد توفي أحد زملائي ذات مرة بسبب سقوط قذيفة بجواره أثناء عودته من المدرسة، كما جُرِح عددٌ من زميلاتي أيضاً.. تلك هي حكايتنا مع القصف والحرب، أما الآن فننتقل إلى النقطة الأخرى..

المشهد الثاني يتمثل فيما رأيته أثناء رحلة التهجير مع والدي من درعا إلى هولندا، حيث كان عمري آنذاك تسع سنوات لا أقوى على مشقة الطريق، ولكنّ والدي كان يحاول أن يخفف عنا هذه المشقة، فتارةً يحملنا على أكتافه، وتارةً أمي، وأحياناً كان يغني لنا من أجل التسلية ودفع الهموم، ولم يعلق في ذاكرتي خلال هذه الرحلة سوى بعض المشاهد، لأنها كانت قاسية جداً ومرهقة..

واحدٌ منها أثناء عبور الحدود السورية التركية، فأنا لم أكن أعرف ماذا تعني كلمة حدود ولا كلمة سورية ولا تركيا، ما كنت أعلمه جيداً أنّ مشينا كثيراً بين الجبال ثم وصلنا لمنطقة يجب أن نركض فيها، فركضت حتى تعبت، فقام والدي بحملي، وأمي كانت تحمل أختي الصغرى، حتى سقطتُ أرضاً عن كتف والدي بعد أن تعثر بحجر كبير، فقام أحد الأشخاص بحملي سريعا لأن الوقت لم يكن يسمح بالوقوف، وكان الدم قد سال من وجهي، ولم نتمكن من الوقوف حتى وصلنا إلى أنطاكيا، وقد تمّت معالجة الجرح هناك..

مشهد البحر أيضاً كان مرعباً للغاية، وهو أكثر المشاهد خوفاً على الإطلاق، حيث كان أبي يحاول أن يبعث النوم فينا، ولكنْ كل ذلك كان عبثاً، ظلام و أمواج، صراخ الركاب، أفق البحر الواسع، صوت الماء، كل ذلك كان مصدر خوف وقلق بالنسبة لنا جميعاً، حتى أنني شاهدت أمي وهي تبكي سراً، لكنني الآن أدركت أنها كانت تبكي سراً لأنها لا تريد أن تبعث القلق في نفوسنا، أما والدي فقد كنت أسمعه يرتّل شيئاً من القرآن والدعاء كي نصل بالسلامة، وكلما كان القارب يقترب من إحدى السفن، كنا نرتعد خوفاً من الاصطدام، وخوفاً من أن يكون على متن السفينة حرس الحدود، فَيُعِيدُوننا من حيث انطلقنا، وقد استمرت الرحلة ساعات طويلة ولم نصل الجزيرة إلا مع بزوغ الفجر ..

كذلك غابات هنغاريا ومطاردة البوليس لنا كانت صعبة جداً، فلا الحدود البرية ولا البحرية كانت رحيمة بنا، ولم نصل إلى هولندا إلا والتعب يخيّم على أجسادنا جميعاً..

في الحلقة القادمة سوف تحدثنا جنى بمشيئة الله عن صنفين جديدين من أصناف المعاناة في بلد المهجر، في هولندا التي كان لها أيضاً حصة كبيرة من طفولة جنى..

حتى ذلك الحين لكم منا أطيب التحيات.. دمتم بخير..

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/16138

مجموعة العمل – لندن

لم تكن الطفولة بمعزلٍ عن تبعات الحرب الدائرة في سورية، ولأنّ المخيمات الفلسطينية جزءٌ لا يتجزأ من النسيج السوري، فقد كان لأطفال المخيمات قِصصٌ كثيرة وحكايات لابدّ أن تروى للأجيال، لأنّ الحرب خطفت منهم البهجة والفرح..

مجموعة العمل تسلّط الضوء على معاناة أطفال المخيمات جرّاء الحرب الدائرة هناك، ولهذا فهي تواصلت مع الطفلة جنى ابنة مخيم درعا، والتي تبلغ من العمر حالياً ثلاثة عشر عاماً، وقد عاينت أشياءً من الحرب ماتزال في مخيّلتها حتى هذه اللحظة، كما عانت أيضاً من مخلّفات الحرب والتهجير، ولأنّ عمرها لا يسمح لها بأن تتحدث اللغة الفصحى، فقد أصغت مجموعة العمل إلى جنى بكل قواها، وأخذت منها شهادتها على الحرب وتبعاتها، ثم أعادت صياغة النص باللغة المطلوبة دون أي زيادة أو نقصان في الشهادة..

جنى التي تقيم في هولندا منذ حوالي أربع سنوات، التقينا بها وسلّطت الضوء على أربع نقاط رئيسية في معاناتها، وربما تكون هذه النقاط الأربع هي عناوين عريضة للكثير من أصناف العذاب الذي تكبده أطفال المخيمات على امتداد الأرض السورية..

النقطة الأولى : تقول جنى أن هذه النقطة تتمثل في معايشتي للحرب وأصوات البراميل المتفجرة التي كانت تلقيها الطائرات فوق رؤوسنا، حيث كنا نخاف كثيراً عند سماع هدير الطائرة، لأننا نعلم أنّ بعد هذا الهدير سيكون شخير البرميل، يليه صوت الانفجار المزلزل الذي يدوّي في الأفق بعد اصطدامه في الأرض، وقد أصبحنا قادرين على أن نميز بين صوت الهيلوكبتر، وصوت السوخوي، وصوت مدافع الهاون، و الصواريخ، فطفولتنا شابت مبكّراً، وكم كنت أشعر بالخوف الشديد وأنا في أحضان والدي الذي يحاول أن يُزِيل عني الخوف من خلال خلق جوّ من الفرح أثناء نزول الضربات علينا، لكنّ محاولاته كانت تبوء بالفشل دائماً، لأنّ الخوف له أوقاته، والسعادة أيضاً لها أوقاتها، ولا يمكن الربط بين الشعورين في المكان ذاته والزمان ذاته ..

أذكر مرة أننا ذهبنا في زيارة إلى بيت عمي الذي كان هارباً إلى قرية المزيريب في درعا، وكان ذلك في يوم الجمعة، فسررتُ كثيراً لأنني سألعب مع أولاد عمي هناك في السهل المجاور لمنزلهم، وبدأنا نلعب بالكرة، في حين كان أبي وأمي وعمي وزوجته على البرندة يشربون الشاي ويتابعون تحرّكاتنا، وفجأةً وبدون سابق إنذار سمعنا صوت هدير طائرة الهيلوكوبتر في السماء، وعلى الفور ركض أبي وعمي تجاهنا وحاولوا أن يضعونا في مكان آمن، وعلامات الخوف والرعب واضحة عليهم جميعاً، لدرجة أنّ ذلك الخوف انتقل إلينا سريعاً، فجميعنا ينظر إلى السماء ويحاول أن يعرف أين سيسقط البرميل للنجاة منه، في حين أنّ أمي وزوجة عمي كانتا تصرخان لإدخالنا للمنزل خشيةَ الغارة، وماهي إلا لحظات وإذ بصوت البرميل يشخر غائراً علينا، وهنا علا صراخنا جميعاً، الكبير والصغير والذكر والأنثى، فانبطحنا جميعاً على تراب السهل، و احتضنني والدي أنا و أختي الصغرى على الأرض، وبدأ ينطق الشهادة، ظناً منه أننا سنموت جميعاً لأنّ البرميل كان هابطاً علينا دون أدنى شك، بينما كنت أنا وأختي وأولاد عمي نحاول أن نلتصق بجسد أبي وعمي لأننا كنا نعتقد أنهم سبيلنا الوحيد للنجاة ..

لحظات صعبة للغاية أنْ ينتظر الإنسان موته المحتوم نازلاً عليه من السماء، لكنّ رحمة الله هي التي أزاحت البرميل ربما ليصطدم في التراب، و بحسب قول أبي أنّ اصطدامه في التراب دون اليابسة هو الذي خفف كثيراً من هول الانفجار الحاصل، حيث أصبح الجو أحمر اللون بسبب التراب الذي ملأ الأفق، لدرجة أننا لم نصبح قادرين على رؤية بعضنا البعض، ثم وقف والدي المرتجف يبحث عنا في هذا المشهد المرعب وينادي علينا بالصوت واحداً واحداً ليتأكد أننا على قيد الحياة، فالجميع كانوا يبكون من الخوف، خاصةً أنا التي بقيت في حضن والدي عدة دقائق، حتى خرجت أمي من المنزل مذعورة بدون حجاب لتتأكد أننا مازلنا على قيد الحياة ..

هذا المشهد لم يكن هو الوحيد، فكثيراً ما كان يتكرر، وكنا نذهب إلى مدارسنا خائفين من القصف، خاصةً في طريق الذهاب والإياب، وكثيراً ما كان القصف يشتد أثناء وجودنا في المدرسة، فيضطر المدير للانتظار حتى تهدأ الغارات قليلاً ثم يصرفنا إلى المنزل بسرعة، وقد توفي أحد زملائي ذات مرة بسبب سقوط قذيفة بجواره أثناء عودته من المدرسة، كما جُرِح عددٌ من زميلاتي أيضاً.. تلك هي حكايتنا مع القصف والحرب، أما الآن فننتقل إلى النقطة الأخرى..

المشهد الثاني يتمثل فيما رأيته أثناء رحلة التهجير مع والدي من درعا إلى هولندا، حيث كان عمري آنذاك تسع سنوات لا أقوى على مشقة الطريق، ولكنّ والدي كان يحاول أن يخفف عنا هذه المشقة، فتارةً يحملنا على أكتافه، وتارةً أمي، وأحياناً كان يغني لنا من أجل التسلية ودفع الهموم، ولم يعلق في ذاكرتي خلال هذه الرحلة سوى بعض المشاهد، لأنها كانت قاسية جداً ومرهقة..

واحدٌ منها أثناء عبور الحدود السورية التركية، فأنا لم أكن أعرف ماذا تعني كلمة حدود ولا كلمة سورية ولا تركيا، ما كنت أعلمه جيداً أنّ مشينا كثيراً بين الجبال ثم وصلنا لمنطقة يجب أن نركض فيها، فركضت حتى تعبت، فقام والدي بحملي، وأمي كانت تحمل أختي الصغرى، حتى سقطتُ أرضاً عن كتف والدي بعد أن تعثر بحجر كبير، فقام أحد الأشخاص بحملي سريعا لأن الوقت لم يكن يسمح بالوقوف، وكان الدم قد سال من وجهي، ولم نتمكن من الوقوف حتى وصلنا إلى أنطاكيا، وقد تمّت معالجة الجرح هناك..

مشهد البحر أيضاً كان مرعباً للغاية، وهو أكثر المشاهد خوفاً على الإطلاق، حيث كان أبي يحاول أن يبعث النوم فينا، ولكنْ كل ذلك كان عبثاً، ظلام و أمواج، صراخ الركاب، أفق البحر الواسع، صوت الماء، كل ذلك كان مصدر خوف وقلق بالنسبة لنا جميعاً، حتى أنني شاهدت أمي وهي تبكي سراً، لكنني الآن أدركت أنها كانت تبكي سراً لأنها لا تريد أن تبعث القلق في نفوسنا، أما والدي فقد كنت أسمعه يرتّل شيئاً من القرآن والدعاء كي نصل بالسلامة، وكلما كان القارب يقترب من إحدى السفن، كنا نرتعد خوفاً من الاصطدام، وخوفاً من أن يكون على متن السفينة حرس الحدود، فَيُعِيدُوننا من حيث انطلقنا، وقد استمرت الرحلة ساعات طويلة ولم نصل الجزيرة إلا مع بزوغ الفجر ..

كذلك غابات هنغاريا ومطاردة البوليس لنا كانت صعبة جداً، فلا الحدود البرية ولا البحرية كانت رحيمة بنا، ولم نصل إلى هولندا إلا والتعب يخيّم على أجسادنا جميعاً..

في الحلقة القادمة سوف تحدثنا جنى بمشيئة الله عن صنفين جديدين من أصناف المعاناة في بلد المهجر، في هولندا التي كان لها أيضاً حصة كبيرة من طفولة جنى..

حتى ذلك الحين لكم منا أطيب التحيات.. دمتم بخير..

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/16138