map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4116

بودكاست قصة من المخيم بعنوان "فراس.. بين دفة النجاح في المهجر وتَبِعات الحرب" ح2

تاريخ النشر : 22-11-2021
بودكاست قصة من المخيم بعنوان "فراس.. بين دفة النجاح في المهجر وتَبِعات الحرب" ح2

مجموعة العمل – لندن

وصلَ فراس إلى مبتغاه في السويد وأصبح مدرّساً له احترامه في المدارس، ولكنه كان على موعد مع مأساة جديدة إذ يتابع حديثه لمجموعة العمل:"

المأساة التي داهمتني و أنا في طليعة المستقبل كانت على شِقّين، الشق الأول : أن أخي الوحيد في سورية أصبح في سن خدمة العلم، و بدأ الخطر ينتابه، و هو واقعٌ بين فَكّي كماشة، فإذا بقي في البلد فإنّه أمام خطر السوق في خدمة العلم، وكان جيش التحرير آنذاك مشاركاً في العمليات العسكرية إلى جانب قوات النظام السوري، وبالتالي هناك خطر حقيقي على حياته، وفي الطرف المقابل إذا ما حاول السفر خارج البلاد فإنّ والدي المصاب سيبقى بدون معيل، لذلك اقترحت على والدي الخروج معه أيضاً لكنه رفض رفضاً قاطعاً، فكبار السن معروفون بولائهم للأرض ومسقط الرأس، بالإضافة إلى أنّ إصابته لا تخوّله بخوض مثل هذا النوع من المغامرات وشق الطرق، وركوب البحر، وعندما بدأت دوريات الشرطة العسكرية بالتبليغ بضرورة التحاق أخي بالجيش، كان هناك قرار عائلي بالإجماع بضرورة خروج أخي من البلد، حفاظاً على سلامته، أما والدي فإنّه قال إنّ وضعه الصحي في تحسّن ملحوظ وهو قادر على إعانة نفسه بنفسه، و هو ليس وحيداً في المنزل، بل معه أمي وأختي، وتجاوره أيضاً أختي الكبرى المتزوجة، وبالتالي فإنّ مغادرة أخي لن تؤثر سلباً على الوضع العام له.

غادر أخي البلد كما غادره آخرون، ليحلّ علينا الشق الثاني من المصيبة، إذ داهم مرضٌ عضال والدتي، حيث أصبحت طريحة الفراش ونحن بعيدون عنها..

تأزّم وضعها الصحي كثيراً، نُقِلَت على إثر ذلك إلى المشفى أكثر من مرة برفقة زوج أختي، وهنا بدأت أشعر بالندم، حالي هو حال أخي أيضاً الذي أنهكه الندم، ورحنا سويّةً نتابع أخبار أمّنا عن بُعد، ولا نستطيع فعل أي شيء سوى الدعاء لها بالشفاء، وإرسال الأموال وتكاليف العلاج في المشافي الخاصة، لاسيما أنها خضعت لأكثر من عملية جراحية في مشفى الأسد الجامعي وسط العاصمة دمشق، وفي كل مرة كنا نرفض إرسالها إلى المشافي العامة، لأننا كنا نعتقد أنّ ذلك هو أجدى وأقرب للعلاج، لكنّ إرادة الله فوق إرادة الجميع..

كنت أهاتفها فتقول لي إنه ينبغي علي ألا أندم وألا أحزن كثيراً، لأنني لو بقيت أنا و أخي في البلد فلن نفيدها بشيء بل على العكس سوف نكون عالة عليها لأننا سنكون تحت خطر الاعتقال والسوق لخدمة العلم بالنسبة لأخي، أما الآن وبحسب قولها فهي مطمئنة علينا وعلى أحوالنا..

لا أعلم إذا كانت مُحِقة في هذا القول أم أنها تقول ذلك بدافع رفع المعنويات، في الوقت الذي يجب أن نسعى نحن لرفع معنوياتها وليس العكس، إنه قلب الأم الذي ليس له نظير في هذه الدنيا..

أكذبُ عليك أخي الكريم لو قلت لك أنّ ذلك لم يؤثر على حياتي ولم يخفف من درجة اندفاعي نحو المستقبل، فقد لاحظ علي كثيرون من زملاء العمل ذلك، لأنني في البدايات كنت مندفعاً ولا أنوي الوقوف عند هذا الحد، بل كنت أريد المزيد من النجاح و التقدم، لاسيما أنني نجحت في أكثر من مرحلة في السويد..

كان يوماً عصيباً في حياتي غيّر مجرى حياتي بالكامل، وصدمني حتى هذه اللحظة، عندما هاتفتني أختي من المنزل لتخبرني بوفاة والدتي على سرير المرض، لأصاب بصدمة نفسية قلبت حياتي رأساً على عقب، فأمي التي هي كل شيء في حياتي قد ماتت، ولا أستطيع رثاءها والمشاركة في جنازتها ولا حتى إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، ولا حتى تقبيل جبينها قبل رحيلها إلى مرقدها، ولا أستطيع مواساة والدي الذي قست عليه الحياة كثيراً، فإصابةٌ في قدمه، وفقدٌ لزوجته شريكة حياته، وبُعدٌ عن ولديه الوحيدَين..

كثيرة هي الخواطر والكوابيس التي كانت تهاجمني ليلاً في تلك الفترة، و لم أكن اعلم أن الأمر سيؤثر علي بهذا الشكل، فالغربة الآن أصبحت غربتين، غربة الأم وغربة الوطن وكلٌّ منهما أصعب و أدهى وأمرّ، ومنذ ذلك الحين أصيب أخي بصدمة لم يستفق منها حتى اليوم، فكثيراً ما كان يشكو من أشياء يراها في نومه لا تريحه أبداً، ثم تطور الأمر ليصبح الأمر مرافقاً له في نومه واستيقاظه، فقصد الأطباء والشيوخ دون جدوى، فأشرتُ عليه بالذهاب إلى العمرة لاستعادة الطمأنينة برؤية الكعبة المشرفة و قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما كان ..

استعدت جزءاً يسيراً من عافيتي بعد أشهر من وفاة والدتي رحمها الله، لأتابع مسيرتي التعليمية واستذكرت وصيّتها بضرورة الالتفات جيداً لمستقبلي، وكنت بين الفينة والأخرى أحاول أن أثبت نجاحي في الحياة العملية تنفيذاً لوصيّتها، حتى كُرّمت كواحدٍ من أنشط المدرسين في المنطقة، حيث احتفت الصحف المحلية بهذا الخبر ونشروا صورتي التي تمنيت أن تراها أمي رحمها الله..

قاسيةٌ سنوات الحرب علينا، لم تترك لنا حبلَ نجاة إلّا وقطعته، أنظرُ أحياناً إلى أسرتي التي تشبه الآلاف من العائلات التي فتكت الحرب بها، فأجد أننا متوزعون على أربع دول في هذا العالم، بالإضافة إلى قبر والدتي الذي لم يسمح لي القدر بزيارته..

نصحت والدي الذي بقي وحيداً بالزواج من امرأة أخرى، لكنه كان يرفض في كل مرة، حتى اجتمعنا على إقناعه نحن جميعاً، وذلك لأن الزواج سيكون له تبعات جيدة عليه تخفف عنه مصابه وتدفعه نحو الأفضل، وبالفعل انصاع في نهاية المطاف إلى اقتراحنا وتزوّج، لتحلّ تلك الزوجة الجديدة مكان أمي، لكننا مطالَبون بالقبول، لأن الشرع لا يسمح لنا بالاعتراض، ولأن والدي أصبح بحاجة إلى زوجة تشرف على شؤونه، فالزوجة تكون أحياناً أقرب من البنت لانعدام الحواجز بينها وبين زوجها..

على الصعيد الشخصي كنت فَرِحاً بزواج والدي، لكنّ رسالتي الأخيرة ستكون للحرب، نعم للحرب، قد تقول عني (مجنون)، لأنّ الحرب لا تُخاطَب، لكنني سأخاطبها قائلاً: كفاكِ بطشاً بنا، فقد أكلت البحار من لحومنا، لكنني مضطرٌ لاحترامك واستيعاب ضرباتك، فقط لأنك مرسلةٌ من الله..

رحماكَ يا الله..

أشكرك أخي جزيل الشكر، وأشكر الفريق العامل في موقعكم الكريم، لاهتمامكم بنا كشعب فلسطيني، تتابعون شؤوننا أينما كنا وحيثما حللنا، في الداخل والشتات..

دمتم ودامَ منبركم

 

 

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/16418

مجموعة العمل – لندن

وصلَ فراس إلى مبتغاه في السويد وأصبح مدرّساً له احترامه في المدارس، ولكنه كان على موعد مع مأساة جديدة إذ يتابع حديثه لمجموعة العمل:"

المأساة التي داهمتني و أنا في طليعة المستقبل كانت على شِقّين، الشق الأول : أن أخي الوحيد في سورية أصبح في سن خدمة العلم، و بدأ الخطر ينتابه، و هو واقعٌ بين فَكّي كماشة، فإذا بقي في البلد فإنّه أمام خطر السوق في خدمة العلم، وكان جيش التحرير آنذاك مشاركاً في العمليات العسكرية إلى جانب قوات النظام السوري، وبالتالي هناك خطر حقيقي على حياته، وفي الطرف المقابل إذا ما حاول السفر خارج البلاد فإنّ والدي المصاب سيبقى بدون معيل، لذلك اقترحت على والدي الخروج معه أيضاً لكنه رفض رفضاً قاطعاً، فكبار السن معروفون بولائهم للأرض ومسقط الرأس، بالإضافة إلى أنّ إصابته لا تخوّله بخوض مثل هذا النوع من المغامرات وشق الطرق، وركوب البحر، وعندما بدأت دوريات الشرطة العسكرية بالتبليغ بضرورة التحاق أخي بالجيش، كان هناك قرار عائلي بالإجماع بضرورة خروج أخي من البلد، حفاظاً على سلامته، أما والدي فإنّه قال إنّ وضعه الصحي في تحسّن ملحوظ وهو قادر على إعانة نفسه بنفسه، و هو ليس وحيداً في المنزل، بل معه أمي وأختي، وتجاوره أيضاً أختي الكبرى المتزوجة، وبالتالي فإنّ مغادرة أخي لن تؤثر سلباً على الوضع العام له.

غادر أخي البلد كما غادره آخرون، ليحلّ علينا الشق الثاني من المصيبة، إذ داهم مرضٌ عضال والدتي، حيث أصبحت طريحة الفراش ونحن بعيدون عنها..

تأزّم وضعها الصحي كثيراً، نُقِلَت على إثر ذلك إلى المشفى أكثر من مرة برفقة زوج أختي، وهنا بدأت أشعر بالندم، حالي هو حال أخي أيضاً الذي أنهكه الندم، ورحنا سويّةً نتابع أخبار أمّنا عن بُعد، ولا نستطيع فعل أي شيء سوى الدعاء لها بالشفاء، وإرسال الأموال وتكاليف العلاج في المشافي الخاصة، لاسيما أنها خضعت لأكثر من عملية جراحية في مشفى الأسد الجامعي وسط العاصمة دمشق، وفي كل مرة كنا نرفض إرسالها إلى المشافي العامة، لأننا كنا نعتقد أنّ ذلك هو أجدى وأقرب للعلاج، لكنّ إرادة الله فوق إرادة الجميع..

كنت أهاتفها فتقول لي إنه ينبغي علي ألا أندم وألا أحزن كثيراً، لأنني لو بقيت أنا و أخي في البلد فلن نفيدها بشيء بل على العكس سوف نكون عالة عليها لأننا سنكون تحت خطر الاعتقال والسوق لخدمة العلم بالنسبة لأخي، أما الآن وبحسب قولها فهي مطمئنة علينا وعلى أحوالنا..

لا أعلم إذا كانت مُحِقة في هذا القول أم أنها تقول ذلك بدافع رفع المعنويات، في الوقت الذي يجب أن نسعى نحن لرفع معنوياتها وليس العكس، إنه قلب الأم الذي ليس له نظير في هذه الدنيا..

أكذبُ عليك أخي الكريم لو قلت لك أنّ ذلك لم يؤثر على حياتي ولم يخفف من درجة اندفاعي نحو المستقبل، فقد لاحظ علي كثيرون من زملاء العمل ذلك، لأنني في البدايات كنت مندفعاً ولا أنوي الوقوف عند هذا الحد، بل كنت أريد المزيد من النجاح و التقدم، لاسيما أنني نجحت في أكثر من مرحلة في السويد..

كان يوماً عصيباً في حياتي غيّر مجرى حياتي بالكامل، وصدمني حتى هذه اللحظة، عندما هاتفتني أختي من المنزل لتخبرني بوفاة والدتي على سرير المرض، لأصاب بصدمة نفسية قلبت حياتي رأساً على عقب، فأمي التي هي كل شيء في حياتي قد ماتت، ولا أستطيع رثاءها والمشاركة في جنازتها ولا حتى إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، ولا حتى تقبيل جبينها قبل رحيلها إلى مرقدها، ولا أستطيع مواساة والدي الذي قست عليه الحياة كثيراً، فإصابةٌ في قدمه، وفقدٌ لزوجته شريكة حياته، وبُعدٌ عن ولديه الوحيدَين..

كثيرة هي الخواطر والكوابيس التي كانت تهاجمني ليلاً في تلك الفترة، و لم أكن اعلم أن الأمر سيؤثر علي بهذا الشكل، فالغربة الآن أصبحت غربتين، غربة الأم وغربة الوطن وكلٌّ منهما أصعب و أدهى وأمرّ، ومنذ ذلك الحين أصيب أخي بصدمة لم يستفق منها حتى اليوم، فكثيراً ما كان يشكو من أشياء يراها في نومه لا تريحه أبداً، ثم تطور الأمر ليصبح الأمر مرافقاً له في نومه واستيقاظه، فقصد الأطباء والشيوخ دون جدوى، فأشرتُ عليه بالذهاب إلى العمرة لاستعادة الطمأنينة برؤية الكعبة المشرفة و قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما كان ..

استعدت جزءاً يسيراً من عافيتي بعد أشهر من وفاة والدتي رحمها الله، لأتابع مسيرتي التعليمية واستذكرت وصيّتها بضرورة الالتفات جيداً لمستقبلي، وكنت بين الفينة والأخرى أحاول أن أثبت نجاحي في الحياة العملية تنفيذاً لوصيّتها، حتى كُرّمت كواحدٍ من أنشط المدرسين في المنطقة، حيث احتفت الصحف المحلية بهذا الخبر ونشروا صورتي التي تمنيت أن تراها أمي رحمها الله..

قاسيةٌ سنوات الحرب علينا، لم تترك لنا حبلَ نجاة إلّا وقطعته، أنظرُ أحياناً إلى أسرتي التي تشبه الآلاف من العائلات التي فتكت الحرب بها، فأجد أننا متوزعون على أربع دول في هذا العالم، بالإضافة إلى قبر والدتي الذي لم يسمح لي القدر بزيارته..

نصحت والدي الذي بقي وحيداً بالزواج من امرأة أخرى، لكنه كان يرفض في كل مرة، حتى اجتمعنا على إقناعه نحن جميعاً، وذلك لأن الزواج سيكون له تبعات جيدة عليه تخفف عنه مصابه وتدفعه نحو الأفضل، وبالفعل انصاع في نهاية المطاف إلى اقتراحنا وتزوّج، لتحلّ تلك الزوجة الجديدة مكان أمي، لكننا مطالَبون بالقبول، لأن الشرع لا يسمح لنا بالاعتراض، ولأن والدي أصبح بحاجة إلى زوجة تشرف على شؤونه، فالزوجة تكون أحياناً أقرب من البنت لانعدام الحواجز بينها وبين زوجها..

على الصعيد الشخصي كنت فَرِحاً بزواج والدي، لكنّ رسالتي الأخيرة ستكون للحرب، نعم للحرب، قد تقول عني (مجنون)، لأنّ الحرب لا تُخاطَب، لكنني سأخاطبها قائلاً: كفاكِ بطشاً بنا، فقد أكلت البحار من لحومنا، لكنني مضطرٌ لاحترامك واستيعاب ضرباتك، فقط لأنك مرسلةٌ من الله..

رحماكَ يا الله..

أشكرك أخي جزيل الشكر، وأشكر الفريق العامل في موقعكم الكريم، لاهتمامكم بنا كشعب فلسطيني، تتابعون شؤوننا أينما كنا وحيثما حللنا، في الداخل والشتات..

دمتم ودامَ منبركم

 

 

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/16418