map
RSS instagram youtube twitter facebook Google Paly App stores

عدد الضحايا

حتى اليوم

4116

مجزرة الجاعونة.. باكورة سياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في مخيم اليرموك

تاريخ النشر : 15-04-2022
مجزرة الجاعونة.. باكورة سياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في مخيم اليرموك

محمود زغموت

مع دخول انتفاضة السوريين عامها الثاني في العام 2012، بدت الأوضاع في محيط مخيم اليرموك آخذة بالسخونة بشكل متسارع، إذ أن المواجهات بين النظام والثائرين عليه لم تعد تقتصر على المظاهرات والاحتجاج السلمي، حيث عمليات القمع والبطش الشديد التي طالت المتظاهرين باستمرار منذ منتصف أذار عام 2011، دفعت العشرات منهم لحمل السلاح وتشكيل مجموعات مسلحة بهدف الدفاع عن مناطقهم، في وجه الآلة العسكرية للنظام. الآلة التي لم تكن تميز أساساً في تعاملها بين مؤيد أو معارض من سكان هذه المناطق، والذين تم تصنيفهم جميعاً كبيئة حاضنة للإرهاب.

كانت أحياء الميدان والعسالي والتضامن وبلدات الحجر الأسود ويلدا وحجيرة، قد تحولت إلى ساحات كر وفر بين النظام والثائرين عليه، تارة بالتظاهر والاحتجاج، وأخرى على شكل كمائن واغتيالات واقتحامات ومواجهات مسلحة.

وسط هذا المشهد الملتهب، ظل مخيم اليرموك جزيرة هادئة نسبياً، وتحول مع مرور الوقت إلى وجهة أساسية للعائلات النازحة من الأحياء المجاورة، اثر احتدام المعارك بين النظام وفصائل المعارضة، واستمرت الحياة فيه تسير بشكلها الطبيعي إلى حد ما، بالرغم من التوترات التي كانت تحصل بين فينة وأخرى، بين ما سمي باللجان الشعبية التي شكلتها فصائل فلسطينية محسوبة على النظام (الجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، حركة فتح الانتفاضة، جبهة النضال الشعبي جناح خالد عبد المجيد، تنظيم الصاعقة)، من جهة، والتي تشكلت رغماً عن سكان المخيم، وبمعزل عن ارادتهم وموقفهم المتعاطف مع جيرانهم السوريين، والرأي العام الفلسطيني في سوريا الذي كان يميل لموقف "الحياد الإيجابي" من الثورة، ومن الجهة الأخرى كانت مجموعات الجيش الحر التي تمركزت في أحياء التضامن، والعسالي، والحجر الأسود، وبلدة يلدا. إذ كانت هذه الأخيرة تدرك أهمية الحفاظ على الهدوء في مخيم اليرموك، لموقعه الاستراتيجي الذي صار يمثل الرئة لمنطقة جنوب دمشق، حيث كانت فصائل المعارضة السورية فيها صاحبة اليد العليا قبل أن تنقلب الموازين.

ومع استمرار المعارك وموجات النزوح، شكل أهالي مخيم اليرموك على عجل، لجان عمل أهلية بهدف إغاثة وايواء النازحين من الأحياء المجاورة، وتم افتتاح العديد من مراكز الايواء، في بعض المدارس والمساجد، وتقاطر إليها أهالي المخيم زرافات ووحدانا، لتقديم ما استطاعوا إليه سبيلا من فرش ومواد غذائية ومواد طبية، لتلبية احتياجات النازحين، في مشهد لم يكن غريبا على أهالي المخيم.

في تلك الفترة لم يكن ثمة في مخيم اليرموك أي وجود مسلح يتبع للمعارضة السورية أو الجيش الحر، بل كان خاضعاً بالكامل لسيطرة النظام السوري، من خلال لجان الفصائل الفلسطينية المذكورة، ومخفر شرطة اليرموك، على المدخل الرئيسي قرب "دوار البطيخة"، وكذلك من خلال دوريات الأمن العسكري التابعة لفرع فلسطين، والتي كانت تنشط آن ذاك بزعامة المساعد أول "أبو محمد سرية"(قتل لاحقا بكمين في شارع فلسطين)، ولاسيما أيضا شبيحة شارع نسرين الذين كانوا يدخلون إلى المخيم قادمين من حي التضامن، لاختطاف أو اعتقال من أرادوا من السكان دون أن يعترض طريقهم أحد.

حياد أهالي مخيم اليرموك، وميل الرأي العام الفلسطيني إلى جانب الضحايا السوريين، لم يكن سلبياً وحسب بالنسبة للأجهزة الأمنية السورية، بل كان يعتبر موقفاً عدائياً، إذ لم يكن مقبولاً فتح مراكز ايواء وإغاثة للنازحين من الاحياء المجاورة. بل إن النظام يصنف مثل هذه الأعمال في سياق ما يسمى دعم الإرهاب، وهذا ما ورد على لسان "طالب ابراهيم" المحلل السياسي السوري المحسوب على النظام، عندما خرج لاحقاً ليعلق على خبر مجزرة شارع الجاعونة على احدى الفضائيات ويزعم أن المخيم قد تحول إلى مأوى لما سماها "العصابات المسلحة" التي تهدد أمن "الدولة السورية"، حيث بدا كلامه مستغربا ومستهجناً للرأي العام الفلسطيني.

إلا أن الظروف الميدانية والاعتبارات السياسية آن ذاك لم تكن تسمح للنظام بالتعامل مع منطقة مخيم اليرموك بذات الطريقة التي يتعامل بها مع المناطق المحيطة، وأزعم أن المخيمات الفلسطينية عموماً ومخيم اليرموك على وجه الخصوص كان يحظى بوضع سياسي وميداني مربك بالنسبة لصانع القرار الأمني والسياسي لدى النظام، فضلاً عن غياب وجود مبررات حقيقية في الميدان لاقتحام المخيم كما يحصل مع المناطق المحيطة، بالإضافة إلى أن المسألة تتصل بالورقة الفلسطينية التي ظل النظام منذ نشأته يرفعها شعاراً في وجه معارضيه ومنتقديه في الداخل والخارج.

ويبدو أن قراراً كان قد اتخذ بتوجيه رسالة ممهورة بالدم للفلسطينيين في مخيم اليرموك، المخيم الذي كان يضم حينها ما يناهز الـ 400 ألف نسمة، من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين السوريين، فجاءت مجزرة شارع الجاعونة.

ففي يوم الرابع عشر من رمضان الموافق للثاني من شهر آب عام 2012وفي ساعة ازدحام أسواق وشوارع المخيم، وقبيل أذان المغرب بدقائق قليلة، دوى انفجار عنيف في شارع الجاعونة وسط المخيم، نتج عن استهداف المنطقة بقذيفة هاون أصابت عدداً من المدنيين، وعند تجمع الأهالي لإسعاف الجرحى، استهدف النظام المنطقة بقذيفة أخرى سقطت في وسط الجموع، ما أدى لوقوع مجزرة رهيبة راح ضحيتها اثنان وعشرون شهيداً وعشرات الجرحى. عرف منهم الطفلان أنس وإبراهيم طلوزي، محمد عنبتاوي، رافع الرفاعي، محمد مشينش، أحمد عريشة، محمد الرفاعي، وائل عدنان عطية، بهاء أيوب، محمود قناه، علاء محمد غنيم، محسن وليد مشينش، أسامة أكرم عريشة، يحيى عليان، خيرو حميدة، عماد صلاح الدين قداح، فتحي عليان، الطفل عبد الله الصالح، عمر خير الدين دبور.

وقد خرج أهالي المخيم مساءً في تظاهرة حاشدة من جامع فلسطين جابت الشوارع وهتفت للشهداء واستنكرت المجزرة المروعة. في ظل صمت تام من وكالة الأونروا والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل، لتضاف هذه الجريمة البشعة إلى سجل جرائم حرب النظام السوري بحق اللاجئين الفلسطينيين، ولتنتظر أرواح الضحايا ساعة العدالة الآتية مهما طال الزمن.

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/17108

محمود زغموت

مع دخول انتفاضة السوريين عامها الثاني في العام 2012، بدت الأوضاع في محيط مخيم اليرموك آخذة بالسخونة بشكل متسارع، إذ أن المواجهات بين النظام والثائرين عليه لم تعد تقتصر على المظاهرات والاحتجاج السلمي، حيث عمليات القمع والبطش الشديد التي طالت المتظاهرين باستمرار منذ منتصف أذار عام 2011، دفعت العشرات منهم لحمل السلاح وتشكيل مجموعات مسلحة بهدف الدفاع عن مناطقهم، في وجه الآلة العسكرية للنظام. الآلة التي لم تكن تميز أساساً في تعاملها بين مؤيد أو معارض من سكان هذه المناطق، والذين تم تصنيفهم جميعاً كبيئة حاضنة للإرهاب.

كانت أحياء الميدان والعسالي والتضامن وبلدات الحجر الأسود ويلدا وحجيرة، قد تحولت إلى ساحات كر وفر بين النظام والثائرين عليه، تارة بالتظاهر والاحتجاج، وأخرى على شكل كمائن واغتيالات واقتحامات ومواجهات مسلحة.

وسط هذا المشهد الملتهب، ظل مخيم اليرموك جزيرة هادئة نسبياً، وتحول مع مرور الوقت إلى وجهة أساسية للعائلات النازحة من الأحياء المجاورة، اثر احتدام المعارك بين النظام وفصائل المعارضة، واستمرت الحياة فيه تسير بشكلها الطبيعي إلى حد ما، بالرغم من التوترات التي كانت تحصل بين فينة وأخرى، بين ما سمي باللجان الشعبية التي شكلتها فصائل فلسطينية محسوبة على النظام (الجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، حركة فتح الانتفاضة، جبهة النضال الشعبي جناح خالد عبد المجيد، تنظيم الصاعقة)، من جهة، والتي تشكلت رغماً عن سكان المخيم، وبمعزل عن ارادتهم وموقفهم المتعاطف مع جيرانهم السوريين، والرأي العام الفلسطيني في سوريا الذي كان يميل لموقف "الحياد الإيجابي" من الثورة، ومن الجهة الأخرى كانت مجموعات الجيش الحر التي تمركزت في أحياء التضامن، والعسالي، والحجر الأسود، وبلدة يلدا. إذ كانت هذه الأخيرة تدرك أهمية الحفاظ على الهدوء في مخيم اليرموك، لموقعه الاستراتيجي الذي صار يمثل الرئة لمنطقة جنوب دمشق، حيث كانت فصائل المعارضة السورية فيها صاحبة اليد العليا قبل أن تنقلب الموازين.

ومع استمرار المعارك وموجات النزوح، شكل أهالي مخيم اليرموك على عجل، لجان عمل أهلية بهدف إغاثة وايواء النازحين من الأحياء المجاورة، وتم افتتاح العديد من مراكز الايواء، في بعض المدارس والمساجد، وتقاطر إليها أهالي المخيم زرافات ووحدانا، لتقديم ما استطاعوا إليه سبيلا من فرش ومواد غذائية ومواد طبية، لتلبية احتياجات النازحين، في مشهد لم يكن غريبا على أهالي المخيم.

في تلك الفترة لم يكن ثمة في مخيم اليرموك أي وجود مسلح يتبع للمعارضة السورية أو الجيش الحر، بل كان خاضعاً بالكامل لسيطرة النظام السوري، من خلال لجان الفصائل الفلسطينية المذكورة، ومخفر شرطة اليرموك، على المدخل الرئيسي قرب "دوار البطيخة"، وكذلك من خلال دوريات الأمن العسكري التابعة لفرع فلسطين، والتي كانت تنشط آن ذاك بزعامة المساعد أول "أبو محمد سرية"(قتل لاحقا بكمين في شارع فلسطين)، ولاسيما أيضا شبيحة شارع نسرين الذين كانوا يدخلون إلى المخيم قادمين من حي التضامن، لاختطاف أو اعتقال من أرادوا من السكان دون أن يعترض طريقهم أحد.

حياد أهالي مخيم اليرموك، وميل الرأي العام الفلسطيني إلى جانب الضحايا السوريين، لم يكن سلبياً وحسب بالنسبة للأجهزة الأمنية السورية، بل كان يعتبر موقفاً عدائياً، إذ لم يكن مقبولاً فتح مراكز ايواء وإغاثة للنازحين من الاحياء المجاورة. بل إن النظام يصنف مثل هذه الأعمال في سياق ما يسمى دعم الإرهاب، وهذا ما ورد على لسان "طالب ابراهيم" المحلل السياسي السوري المحسوب على النظام، عندما خرج لاحقاً ليعلق على خبر مجزرة شارع الجاعونة على احدى الفضائيات ويزعم أن المخيم قد تحول إلى مأوى لما سماها "العصابات المسلحة" التي تهدد أمن "الدولة السورية"، حيث بدا كلامه مستغربا ومستهجناً للرأي العام الفلسطيني.

إلا أن الظروف الميدانية والاعتبارات السياسية آن ذاك لم تكن تسمح للنظام بالتعامل مع منطقة مخيم اليرموك بذات الطريقة التي يتعامل بها مع المناطق المحيطة، وأزعم أن المخيمات الفلسطينية عموماً ومخيم اليرموك على وجه الخصوص كان يحظى بوضع سياسي وميداني مربك بالنسبة لصانع القرار الأمني والسياسي لدى النظام، فضلاً عن غياب وجود مبررات حقيقية في الميدان لاقتحام المخيم كما يحصل مع المناطق المحيطة، بالإضافة إلى أن المسألة تتصل بالورقة الفلسطينية التي ظل النظام منذ نشأته يرفعها شعاراً في وجه معارضيه ومنتقديه في الداخل والخارج.

ويبدو أن قراراً كان قد اتخذ بتوجيه رسالة ممهورة بالدم للفلسطينيين في مخيم اليرموك، المخيم الذي كان يضم حينها ما يناهز الـ 400 ألف نسمة، من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين السوريين، فجاءت مجزرة شارع الجاعونة.

ففي يوم الرابع عشر من رمضان الموافق للثاني من شهر آب عام 2012وفي ساعة ازدحام أسواق وشوارع المخيم، وقبيل أذان المغرب بدقائق قليلة، دوى انفجار عنيف في شارع الجاعونة وسط المخيم، نتج عن استهداف المنطقة بقذيفة هاون أصابت عدداً من المدنيين، وعند تجمع الأهالي لإسعاف الجرحى، استهدف النظام المنطقة بقذيفة أخرى سقطت في وسط الجموع، ما أدى لوقوع مجزرة رهيبة راح ضحيتها اثنان وعشرون شهيداً وعشرات الجرحى. عرف منهم الطفلان أنس وإبراهيم طلوزي، محمد عنبتاوي، رافع الرفاعي، محمد مشينش، أحمد عريشة، محمد الرفاعي، وائل عدنان عطية، بهاء أيوب، محمود قناه، علاء محمد غنيم، محسن وليد مشينش، أسامة أكرم عريشة، يحيى عليان، خيرو حميدة، عماد صلاح الدين قداح، فتحي عليان، الطفل عبد الله الصالح، عمر خير الدين دبور.

وقد خرج أهالي المخيم مساءً في تظاهرة حاشدة من جامع فلسطين جابت الشوارع وهتفت للشهداء واستنكرت المجزرة المروعة. في ظل صمت تام من وكالة الأونروا والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل، لتضاف هذه الجريمة البشعة إلى سجل جرائم حرب النظام السوري بحق اللاجئين الفلسطينيين، ولتنتظر أرواح الضحايا ساعة العدالة الآتية مهما طال الزمن.

الوسوم

رابط مختصر : https://actionpal.org.uk/ar/post/17108