فلسطينيو سورية في أوروبا واقع قانوني هش ومخاوف متصاعدة

سعيد سليمان ــ مجموعة العمل

رصدت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا جملة من التحولات السياسية والقانونية التي أثّرت على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا والمقيمين في دول أوروبا، وذلك منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى اليوم، وهي فترة شهدت تغيّراً واضحاً في سياسات اللجوء الأوروبية تجاه القادمين من سوريا عموماً، ما انعكس بشكل مباشر على الفلسطينيين القادمين منها.

ويشير رصد مجموعة العمل إلى أن هذه التحولات وضعت آلاف اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في أوروبا أمام واقع أكثر تعقيداً، في ظل تشديد إجراءات اللجوء، وتزايد النقاشات السياسية حول إعادة اللاجئين، إلى جانب استمرار تجاهل الخصوصية القانونية للفلسطينيين القادمين من سوريا بوصفهم فئة مختلفة عن المواطنين السوريين.

التحولات السياسية في سوريا وانعكاساتها على ملف اللجوء

شهدت سوريا تحولاً سياسياً كبيراً في ديسمبر/كانون الأول 2024 مع سقوط نظام بشار الأسد بعد نحو 14 عاماً من الصراع. وقد أعاد هذا الحدث فتح النقاش في أوروبا حول مستقبل ملايين اللاجئين السوريين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في القارة.

وفي أعقاب هذا التطور مباشرة، اتجهت عدة حكومات أوروبية إلى إعادة تقييم سياسات اللجوء المرتبطة بسوريا، في ظل افتراض سياسي بأن انتهاء الحرب قد يفتح الباب لعودة اللاجئين.

وبحسب تقارير أوروبية، علّقت بعض الدول الأوروبية معالجة طلبات اللجوء السورية مؤقتاً بعد سقوط النظام، بانتظار تقييم الوضع الجديد في البلاد، ما أدى إلى حالة واسعة من القلق وعدم اليقين لدى طالبي اللجوء.

كما شهدت أوروبا في العام الذي تلا سقوط النظام انخفاضاً كبيراً في طلبات اللجوء السورية؛ إذ تراجعت الطلبات الشهرية من نحو 16 ألف طلب قبل سقوط النظام إلى نحو 3500 طلب بحلول سبتمبر/أيلول 2025، أي بانخفاض يقارب 78%.

تشدد متزايد في سياسات اللجوء الأوروبية

تظهر البيانات الأوروبية أن العديد من الدول بدأت منذ عام 2025 تشديد معايير منح اللجوء للسوريين، في ضوء التقييمات الجديدة للوضع الأمني في سوريا. ففي ألمانيا، التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين في أوروبا، استؤنف النظر في طلبات اللجوء بعد تعليق مؤقت، لكن السلطات بدأت باتخاذ قرارات أكثر تشدداً، حيث سُجل ارتفاع كبير في نسب رفض الطلبات بعد استئناف دراسة الملفات.

كما شهدت بعض الدول الأوروبية نقاشات سياسية حول إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حيث دعا مسؤولون في ألمانيا إلى تشجيع عودة السوريين للمشاركة في إعادة إعمار البلاد، وسط ضغوط سياسية متزايدة من التيارات اليمينية المناهضة للهجرة.

وفي النمسا، أعادت الحكومة فتح ملف الترحيل إلى سوريا في حالات محددة، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تحوّل أوروبي تدريجي نحو سياسات أكثر تشدداً في ملف اللجوء.

الفلسطينيون من سوريا: فئة خارج الحسابات

وتؤكد مجموعة العمل أن هذه التحولات السياسية والقانونية تؤثر بشكل مباشر على اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا، رغم اختلاف وضعهم القانوني عن السوريين.

فالفلسطينيون الذين عاشوا في سوريا لعقود كانوا في الأصل لاجئين منذ نكبة عام 1948، وقد وجدوا أنفسهم بعد اندلاع الحرب السورية أمام موجة نزوح جديدة نحو دول الجوار ثم إلى أوروبا.

إلا أن المشكلة الأساسية التي تواجههم اليوم في أوروبا تكمن في أن كثيراً من الدول الأوروبية تعامل ملفاتهم ضمن الفئة السورية، رغم أنهم لا يحملون الجنسية السورية في معظم الحالات، ولا يملكون دولة يمكن إعادتهم إليها. ويضع هذا الواقع آلاف الفلسطينيين القادمين من سوريا فيما تصفه منظمات حقوقية بـ “الفراغ القانوني”، حيث لا تنطبق عليهم بشكل كامل السياسات الخاصة بالسوريين، ولا توجد آلية حماية مستقلة تعترف بخصوصيتهم القانونية.

مخاوف من سياسات العودة

تتزايد المخاوف بين اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في أوروبا من أن تؤدي التحولات السياسية الحالية إلى توسيع النقاش حول العودة أو الترحيل، رغم استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة داخل سوريا.

فالتقارير الدولية تشير إلى أن البلاد ما تزال تعاني من أزمة إنسانية عميقة، حيث يعتمد نحو 70% من السكان على المساعدات الإنسانية، في ظل انهيار اقتصادي واسع ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

كما أن العديد من المخيمات الفلسطينية داخل سوريا لا تزال تعاني دماراً واسعاً أو ضعفاً في البنية التحتية والخدمات، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة لكثير من اللاجئين غير واقعية في الوقت الحالي.

واقع اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في أوروبا

تشير تقديرات حقوقية إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين القادمين من سوريا يعيشون حالياً في أوروبا، ويتركز وجودهم بشكل رئيسي في ألمانيا والسويد وهولندا والدنمارك والنمسا.

ويواجه هؤلاء اللاجئون مجموعة من التحديات، من أبرزها:

عدم وضوح الوضع القانوني في بعض الدول الأوروبية صعوبة لمّ الشمل العائلي في عدد من البلدان تأخر البت في طلبات اللجوء أو إعادة تقييمها مخاوف من تغير السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين كما يخشى العديد منهم أن يؤدي ربط ملفاتهم بملف اللاجئين السوريين إلى تقليص فرص الحماية القانونية التي يحتاجونها بوصفهم لاجئين بلا دولة.

كما رصدت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا حالات متزايدة لرفض طلبات لجوء تقدم بها لاجئون فلسطينيون قادمون من سوريا في بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، استناداً إلى مبررات قانونية تتعلق بكونهم مشمولين نظرياً بالحماية التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وتستند هذه القرارات في كثير من الأحيان إلى تفسير المادة الخاصة بالفلسطينيين في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، والتي تفترض أن اللاجئين الفلسطينيين يحصلون على حماية أو مساعدة من الأونروا.

غير أن مجموعة العمل تؤكد أن هذا الافتراض لا يعكس الواقع الحالي، إذ إن الأونروا لا تقدم في أوروبا أي شكل من أشكال الحماية القانونية للاجئين الفلسطينيين، كما أن خدماتها في مناطق عملها التقليدية في الشرق الأوسط شهدت تراجعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة نتيجة الأزمة المالية الحادة التي تواجهها الوكالة. فقد أدى تقليص التمويل الدولي إلى خفض واسع في برامج التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب توقف شبه كامل للمساعدات النقدية والغذائية في عدد من المناطق، الأمر الذي جعل آلاف اللاجئين الفلسطينيين، بمن فيهم القادمون من سوريا، يفتقرون فعلياً إلى أي شبكة حماية دولية بديلة.

وترى مجموعة العمل أن الاستناد إلى وجود الأونروا كسبب لرفض طلبات اللجوء يتجاهل هذا الواقع، ويضع اللاجئين الفلسطينيين في فراغ قانوني خطير يهدد حقهم في الحصول على الحماية الدولية.

دعوات لحماية قانونية مستقلة

في ضوء هذه التطورات، دعت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا الحكومات الأوروبية والمؤسسات الدولية إلى اتخاذ إجراءات تضمن حماية اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا، أبرزها:

• الفصل القانوني بين ملفات الفلسطينيين من سوريا وملفات المواطنين السوريين في إجراءات اللجوء.

• وقف أي إجراءات ترحيل أو إعادة قسرية قد تطالهم. الاعتراف بوضعهم الخاص كلاجئين مزدوجي التهجير.

• تعزيز دور المنظمات الدولية في متابعة أوضاعهم في أوروبا.

وترى المجموعة أن تجاهل الخصوصية القانونية للفلسطينيين القادمين من سوريا قد يعرّض آلاف اللاجئين لخطر فقدان الحماية الدولية، في وقت ما تزال فيه الظروف داخل سوريا غير مهيأة لعودة آمنة وكريمة.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة