مجموعة العمل – ظاهر صالح
في زوايا المخيمات المزدحمة، حيث تتشابك جدران البيوت وتتداخل ذكريات اللجوء، كان من المفترض أن تظل أصوات الحياة هي المسيطرة، ضحكات الأطفال، همسات النساء، وصخب الشباب، لكن جدراننا الهشة لم تعد تحتمل سوى لحظات الخوف، فقد تحولت أصوات الرصاص من استثناء مقلق إلى أحزان مؤجلة.
منذ أيام، هزّت مخيم جرمانا حادثة أليمة راحت ضحيتها الشاب سامي خزاعي، بينما يرقد صديقه عامر الحساني يكافح الموت بعد أن بترت أطرافه، ليست مجرد خبر عابر في زحمة الأحداث، بل هي إعلان حزن جديد وصرخة إنذار مدوية في أزقة المخيمات، لقد تحول السلاح إلى قاتل صامت لا يرحم، ينقض على أبنائنا من داخل غرف نومهم، محوّلاً البيوت الآمنة إلى مقابر متنقلة.
في لحظة عبث قاتلة، انفجرت قنبلة يدوية داخل أحد المنازل، مما أودى بحياة الشاب سامي خزاعي فوراً، وألقى بصديقه عامر الحساني في غرفة الإنعاش، مشوهاً، بعد أن سُلبت يداه وأجزاء من جسده ثمناً لتلك الهبّة اللحظية التي لم تُدرك عواقبها. تتجاوز هذه الحادثة وصفها بكونها خطأ فردياً أو مجرد عبث، إنها مشهد مرعب ومتكرر لتحول السلاح من أداة مقاومة موجهة نحو العدو إلى عبء اجتماعي ثقيل ووباء فتاك يفتك بالنسيج الداخلي للمجتمع الفلسطيني في مخيمات اللاجئين.
كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ كيف أصبحت “فزعة السلاح”، التي يتباهى بها البعض رمزاً للرجولة والانتماء، سبباً في تحويل البيوت إلى مقابر، والأفراح إلى مآتم، والخلافات البسيطة إلى مجازر؟
الجواب يكمن في تركة ثقيلة خلّفتها مراحل التحولات الكبرى في البلاد، فقد وجدت أعداد هائلة من السلاح المنفلت طريقها إلى البيوت والشوارع، محمولة على أكتاف شباب يفتقرون أحياناً للوعي الكافي بخطورتها، أو تحت تأثير مفاهيم خاطئة عن القوة والجاه.
في مجتمع كثيف السكان كالمخيم، الرصاصة الطائشة أو شظية القنبلة لا تبحث عن هدف محدد، بل تصطاد روحاً بريئة في غرفة مجاورة. هي لا تفرّق بين عابث وغاضب، بل تتحول مع أول خطأ إلى جلاد لا يرحم، يدمّر عائلات بأكملها، ويزرع بذور الثأر التي تمتد لعقود.
سامي لم يقتل في مواجهة مع عدو، بل قتل بلحظة عبث في منزل كان يفترض أن يكون ملاذاً آمناً، صديقه عامر سيحمل ندوب هذه اللحظة في جسده وروحه لبقية حياته، السؤال الأليم الذي يطرح نفسه.. كم من عائلة ستظل تنتظر عودة ابنها ليعود جثة هامدة أو بإعاقة دائمة، بسبب هذا الوباء؟
المسؤولية الجماعية:
إن صمتنا أمام هذا المشهد المتكرر، والاكتفاء ببيانات العزاء والتعاطف، هو شكل من أشكال التواطؤ في قتل أبنائنا، لقد آن الأوان لنخرج من دائرة الاستعراض، القوة الحقيقية لم تعد تكمن في حمل سلاح تحت الوسادة، بل في وعي شبابنا وقدرتهم على كبح جماح الغضب، وفي رفضهم المجتمعي لأن تكون بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم مسرحاً للموت العبثي.
نحن أمام مسؤولية جماعية وأخلاقية لا تحتمل التأخير، تتطلب تحركاً عاجلاً على عدة جبهات:
_ على أولياء الأمور والنخبة المجتمعية، لا بد من إدراك أن بقاء السلاح خارج إطار القانون والقرار المجتمعي الموحد هو انتحار جماعي. يجب ترجمة هذا الشعار من خطاب أقرب للتنظير إلى واقع عملي، يخضع السلاح لضبطه بشكل صارم، ويحاسبه عندما يخرج عن أهدافه الوطنية النبيلة.
_ على مجالس الأعيان والمجتمع المحلي وأهالي المخيمات:
المطلوب أن تسبق كلمة الإصلاح وقوع الكارثة، لا بد من خلق أعراف مجتمعية جديدة تنبذ حامل السلاح واستعراضه خارج أوقات الواجب الوطني، وتعتبره عاراً ومسؤولية أخلاقية، لا مصدر فخر وجاه، على وجهاء المجتمع أن يكونوا في طليعة حملات التوعية والضبط.
_ على المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية:
إطلاق حملات توعية مؤسساتية ومستدامة تستهدف الأطفال والشباب بشكل خاص، تغرس فيهم ثقافة أن حياة إنسان واحد تساوي الدنيا وما فيها، وأن المخيم، بكل ما يحمله من رمزية اللجوء والحلم بالعودة، هو مساحة للحياة والصمود، وليس ساحة حرب أو ميداناً لتصفية حسابات وهمية.
_ شعلة من أجل الحياة
سامي خزاعي لن يعود، وضحايا كثر سبقوه لن يعودوا، لكن ذكراهم ودماءهم الزكية يجب أن تتحول إلى شعلة في طريق التغيير الحقيقي، لأجلهم، ولأجل كل طفل يخاف من صوت الرصاص، ولأجل كل أم ترتجف على ابنها، علينا أن ننتفض.
لنقل بصوت واحد مدوٍ، يتجاوز حدود المخيمات: كفى سلاحاً منفلتاً، لنعمل معاً لتخليص بيوتنا وشوارعنا من هذا الوباء القاتل، وأن نجعل من مخيماتنا واحات أمان تستحق التضحيات، لا ساحات موت تعج بالخوف والفجيعة.
فالحياة في مخيمات اللجوء صعبة بما فيه الكفاية، ولا حاجة بنا لأن نحولها بأنفسنا إلى نكبة ثانية وثالثة.

