ظاهرة التحالف العشائري وأبعادها في تعزيز النسيج الاجتماعي: مخيم السبينة نموذجاً

ظاهر صالح – مجموعة العمل

شهد مخيم “السبينة” للاجئين الفلسطينيين في ريف دمشق توقيع “ميثاق عهد بين العشائر الفلسطينية”، خلال لقاء جماعي بمناسبة عيد الفطر المبارك، تحت عنوان “على الخير نلتقي”.

يأتي هذا التطور في سياق اجتماعي معقد مرَّ به المخيم بظروف استثنائية أدت إلى إعادة تشكيل البنى الاجتماعية التقليدية؛ إذ لا يمكن قراءة هذا الميثاق بوصفه مجرد اتفاقية عشائرية عابرة، بل هو استجابة مجتمعية ناضجة تعكس تحولاً في آليات الضبط الاجتماعي من الفعل الارتجالي إلى التنظيم المؤسسي القائم على الإرادة الأهلية للعائلات والعشائر.

يمثل هذا الحدث ظاهرة لافتة في إدارة الشأن الداخلي للمجتمعات اللاجئة، حيث يندرج ضمن مفهوم “الحوكمة المجتمعية الذاتية” التي تسعى إلى ملء الفراغ في آليات فض النزاعات وحماية النسيج الاجتماعي بعيداً عن التصعيد، وذلك ضمن إطار يحترم سيادة قانون البلد المضيف.

تحليل مضمون الميثاق وأبعاده الاستراتيجية

بالاستناد إلى بنود الميثاق المعلنة، يمكن تفكيك مكوناته وفق المستويات التالية:

البعد الأخلاقي والوقائي:

يهدف الميثاق إلى ترسيخ قيم الإخاء والتسامح والعمل المشترك. ويؤدي هذا البعد دور آلية وقائية تعيد تفعيل دور العشائر كحاضنة للقيم الإيجابية، مما يحد من احتمالات التصادمات الفردية التي قد تتوسع لتصبح نزاعات جماعية في بيئة تعاني من ضغوط نفسية واقتصادية مرتفعة.

البعد الوطني والاندماجي:

إن الجمع بين “التأكيد على الهوية الفلسطينية” و”تعزيز الروابط مع الأشقاء السوريين” في وثيقة واحدة يمثل صياغة دقيقة للعلاقة بين اللاجئ والمجتمع المضيف. يحمي هذا البند المخيم من أي مخاطر عزلة أو توتر مع المحيط، ويعزز نموذج الاندماج الإيجابي الذي يحافظ على الخصوصية دون انغلاق.

البعد المؤسسي والقانوني:

يُعد بند “ترك القضايا الجنائية الكبرى للقضاء” و”الالتزام بقوانين البلد” تحولاً جوهرياً؛ فبدلاً من الاعتماد على “العهد العشائري” كبديل للدولة، يعيد الميثاق تعريف دور العشائر كحلقة وصل مساندة للسلطة القضائية، مما يحول دون خلق ثنائية قانونية موازية ويحقق الاستقرار طويل المدى.

دلالات فاعلية مخيم السبينة كنموذج رائد

تتجلى فاعلية النموذج في مخيم السبينة من خلال عاملين رئيسيين:

الإرادة الذاتية: نشأ الميثاق من الداخل وليس نتيجة ضغط خارجي، مما يمنحه شرعية مجتمعية عالية ويضمن التزاماً أوسع من قبل العشائر الموقعة.

التوقيت الرمزي: تم التوقيع في لقاء عيد الفطر المبارك، وهو توقيت يرمز للتجديد والتسامح، مما أضفى على الوثيقة بعداً روحياً ووجدانياً عزز فرص قبولها وترسيخها.

يمثل هذا النموذج تطبيقاً ناجحاً لنظرية “رأس المال الاجتماعي”، حيث تم توظيف الروابط الأسرية والعشائرية (الترابط الداخلي) لخدمة الصالح العام وتحقيق الاستقرار المجتمعي، مما أثبت أن العشيرة يمكن أن تكون أداة بناء لا هدم إذا ما تم تأطيرها باتفاقيات أخلاقية واضحة.

ضرورة تعميم التجربة على باقي المخيمات

في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المخيمات الفلسطينية في سوريا ومناطق أخرى (كالتهميش الاقتصادي، والكثافة السكانية العالية، وتبعات النزوح)، يصبح تعميم تجربة السبينة ضرورة ملحة للأسباب التالية:

سد الفجوة في إدارة الأمن المجتمعي: في ظل غياب هيئات مركزية موحدة لإدارة المخيمات في بعض الفترات، تشكل هذه المواثيق إطاراً لحل النزاعات قبل استفحالها.

تحويل العشائر من مصدر توتر إلى مصدر استقرار: غالباً ما تُستغل الانتماءات العشائرية في تصعيد النزاعات، لذا فإن تعميم هذا النموذج يعيد تأهيل العشائر لتؤدي دورها التقليدي في الإصلاح والوساطة.

تعزيز الصمود: المجتمعات المتماسكة داخلياً هي الأكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية (اقتصادية كانت أم اجتماعية)؛ فالميثاق هو وثيقة صمود بامتياز.

التوصيات المهنية لتعميم الظاهرة

لضمان تحويل هذه الظاهرة من حالة فردية إلى سياسة مجتمعية معممة، يوصى بما يلي:

توثيق التجربة منهجيًا: إصدار دراسة حالة مفصلة عن تجربة مخيم السبينة، تشمل آليات التوفيق بين العشائر المختلفة، والصياغات القانونية المتفق عليها، لتصبح مرجعاً للمخيمات الأخرى ولروابط العائلات.

عقد مؤتمرات عشائرية دورية: العمل على تنظيم لقاءات موسعة تحت مظلة الاتحاد العام للفلسطينيين أو الجهات المعنية، لعقد مواثيق مماثلة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، مع مراعاة الخصوصية المحلية لكل مخيم.

إشراك المرأة والشباب: رغم الطابع العشائري للاتفاق، يجب أن تتضمن آليات المتابعة لجانًا موسعة تضم المرأة والشباب لضمان استدامة الميثاق وشموليته، إذ إن الفئات الشابة هي الأكثر تأثراً بالتوترات المجتمعية.

ربط الميثاق ببرامج تنموية: دعم الميثاق بمشاريع تنموية مشتركة (دعم مشاريع صغيرة، تأهيل بنية تحتية) يترجم النص الأخلاقي إلى واقع ملموس، مما يعزز الثقة والتعاون بين العشائر.

ختاماً.. يمثل “ميثاق مخيم السبينة العشائري” تحولاً نوعياً في إدارة الشأن الداخلي للمخيمات الفلسطينية، وهو نموذج يحتذى به في كيفية تحويل التنوع العشائري من عامل تنافس محتمل إلى عامل تكامل واستقرار. إن تعميم هذه التجربة الرائدة ليس مجرد خيار محمود، بل هو استثمار استراتيجي في السلامة الاجتماعية طويلة المدى، يعيد الاعتبار للعادات والتقاليد كأطر أخلاقية داعمة للقانون، ويعكس وعياً مجتمعياً متطوراً قادراً على حماية نسيجه الوطني في أصعب الظروف.

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share