جدل الصمت والهتاف

جدل الصمت والهتاف… الفلسطيني السوري في مأزق الوجود المؤجل

نضال الخليل ـ مجموعة العمل

ليس الاحتجاج في لحظاته العارية سوى تعبير مكثف عن اختلال عميق في العلاقة بين الإنسان وشروط عيشه

وحين يهتف الشارع السوري اليوم فهو لا يستعيد فقط حقه في الكلام لكنه يكشف عن انهيار البنية التي كانت تؤجل هذا الكلام

في هذا المشهد لا يقف الفلسطيني السوري خارج الدائرة ولا يندمج فيها على نحو كامل لكنه يجد نفسه في منطقة ملتبسة حيث المشاركة ليست قرارًا حرًا بالكامل والامتناع ليس خيارًا بريئًا

المشكلة لا تكمن في “الموقف” بقدر ما تكمن في الموقع فالفلسطيني السوري يعيش داخل المجتمع السوري بقدر ما يعيش على هامشه القانوني والرمزي

هو جزء من النسيج اليومي—في العمل، في السوق، في تفاصيل الحياة—لكنه ليس جزءًا مكتمل السيادة في لحظات الانفجار السياسي هذه الازدواجية لا تظهر في الأيام العادية لكنها تتكثف عند أول اختبار جماعي كما يحدث في لحظة الاحتجاج

الاحتجاج السوري في جذره الراهن ليس ترفًا سياسيًا لكنه استجابة قسرية لانهيار اقتصادي واسع

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر بينما يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن ملايين السوريين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في مثل هذه الظروف لا يعود الاحتجاج خيارًا أيديولوجيًا إنما يتحول إلى امتداد مباشر لغريزة البقاء

غير أن الفلسطيني السوري يدخل هذه المعادلة من نقطة أكثر هشاشة فاعتماده المستمر على شبكات الإغاثة—كما توضح بيانات الأونروا—لا يضعه فقط في موقع اقتصادي ضعيف لكن يقيده أيضًا داخل منطق البقاء المشروط هذا المنطق يعيد تشكيل العلاقة مع الفعل العام: إذ يغدو كل تعبير سياسي محتملًا لأن يتحول إلى مخاطرة تمس شروط العيش نفسها

هنا يظهر التناقض الأكثر قسوة أن تكون جزءًا من أسباب الاحتجاج لكنك غير قادر على تحويل هذه الأسباب إلى فعل

فالفلسطيني السوري يتشارك مع السوري في ثقل الغلاء وانهيار العملة وضيق الفرص لكنه لا يمتلك الهامش ذاته لتحويل هذا الثقل إلى موقف علني ليس لأنه أقل غضبًا لكن لأنه أكثر عرضة لكلفة هذا الغضب

من هذه الزاوية يمكن قراءة ما يبدو كـ”غياب” فلسطيني عن الاحتجاج بوصفه حضورًا من نوع آخر: حضورًا في النتائج لا في الفعل

كل اهتزاز في الشارع ينعكس عليه مباشرة—في العمل، في الحركة، في مصادر الدخل المحدودة—دون أن يكون شريكًا كاملًا في إنتاج هذا الاهتزاز إنه يعيش ما يمكن تسميته بانخراطٍ بلا صوت: أن تكون داخل الحدث لكن دون أن تملك لغته.

ومع ذلك لا يمكن اختزال العلاقة في هذا التوتر فقط فثمة لحظات تتقاطع فيها المصائر حيث تتراجع الفوارق أمام ضغط الحاجة في تلك اللحظات لا يعود السؤال:

– من هو السوري؟ ومن هو الفلسطيني السوري؟

– بل: من يستطيع أن يصمد أكثر؟

لكن هذه اللحظات على قوتها الإنسانية تظل استثناءً عابرًا سرعان ما تعود بعده البنية لتفرض حدودها الصامتة

ما تكشفه هذه الحالة ليس مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية إنما أزمة تمثيل عميقة فالصوت هنا ليس معطى جاهزًا لكنه نتيجة لشروط معقدة تحدد من يحق له أن يتكلم ومتى وبأي ثمن

والفلسطيني السوري في هذا السياق لا يفتقر إلى ما يقوله بل إلى المساحة التي تسمح له بأن يقوله دون أن يدفع كلفة وجوده.

لذلك لا يمكن فهم موقعه من الاحتجاج إلا بوصفه توازنًا دقيقًا بين الرغبة في الانخراط والحاجة إلى البقاء إنه لا يختار الصمت بقدر ما يُدفع إليه ولا يبتعد عن الفعل بقدر ما يُعاد تحديد مكانه داخله

في هذه المنطقة الرمادية تتحول السياسة من فعل مواجهة صريح إلى إدارة يومية للهشاشة:

– كيف تعيش وكيف تعبّر وكيف تنجو دون أن تختفي

في النهاية لا يقف الفلسطيني السوري على هامش الهتاف لأنه خارج القصة لكن لأنه داخلها على نحو مختلف

إنه ذلك الصوت الذي لا يُسمع دائمًا لكنه حاضر في كل ارتداد للشارع وفي كل أثر يتركه الاحتجاج على حياة من لا يملكون ترف المغامرة ولا خيار الانفصال.

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share