حفرة التضامن: اللاجئ بين رصاص الموت وذاكرة السقوط

مجموعة العمل – نضال الخليل

ليس من الإنصاف أن نكتفي بالغضب ولا من الكفاية أن نلعن القتلة ثم نمضي فالمجزرة حين تُختزل في انفعال أخلاقي عابر تُفلت من التحليل الذي وحده يضعها في سياقها الحقيقي

وما جرى في حي التضامن بدمشق لا يمكن أن يُقرأ كفعل منفصل إنما كمرآة عاكسة لبنية كاملة من العنف بلغت لحظتها القصوى في مشهد لا يزال يقاوم النسيان

حين نشر تحقيق مشترك بين جامعة أمستردام وبي بي سي نيوز عربي عام 2022 تفاصيل الإعدام الجماعي الذي وقع سنة 2013 بدا وكأن الذاكرة تُستخرج قسرًا من صمتها

لم يكن الأمر مجرد كشف عن جريمة لكن عن طريقة في القتل: أجساد تُقاد إلى حفرة، طلقات تُنهي الحياة ونار تُمحي الأثر

في قلب هذا المشهد ظهر اسم أمجد يوسف لا بوصفه فاعلًا عرضيًا لكن كأداة واعية داخل آلة أكبر

إن إدانة هذا الرجل ليست موضع نقاش بل ضرورة أخلاقية لا تحتمل التأجيل فالفعل الذي نُسب إليه—بما فيه من استدراج للضحايا وتنفيذ بارد للإعدام وتمثيلٍ شبه طقسي بالموت—لا يمكن تبريره بأي منطق ولا تأويله خارج كونه جريمة مكتملة الأركان غير أن هذه الإدانة على ضرورتها تبقى ناقصة إذا لم تُفتح على ما يتجاوز الفرد

وهنا تبرز إحدى أكثر زوايا الجريمة قسوةً وإيلامًا: وجود ضحايا من الفلسطينيين السوريين بين الذين اقتيدوا إلى تلك الحفرة فقد وثق التحقيق نفسه إلى جانب تقارير حقوقية لاحقة أن بعض الضحايا كانوا من أبناء المخيمات الفلسطينية في دمشق ممن وجدوا أنفسهم داخل دائرة العنف ذاتها التي طالت السوريين ومن بين هؤلاء ذاك الفلسطيني السوري الذي لم يُنقذه تاريخ اللجوء من أن يُستدرج كما غيره إلى حافة الموت ليُطلق عليه الرصاص ثم يُلقى في الحفرة ذاتها حيث تتساوى الهويات تحت سلطة الإبادة

إن استحضار هذا الحضور الفلسطيني ليس تفصيلًا عابرًا لكنه مفتاح لفهم أعمق لطبيعة ما جرى فالفلسطيني الذي قُتل هناك لم يكن مجرد ضحية إضافية بل شاهدًا صامتًا على انهيار فكرة الملاذ نفسها لقد حمل معه تاريخًا من الاقتلاع ليُعاد اقتلاعه داخل سياق كان يُفترض أن يمنحه حدًا أدنى من الأمان وهكذا لا تعود حفرة التضامن مكانًا لدفن الأجساد فحسب لكنها لعنة مفتوحة على تكرار المأساة:

– أن يُقتل اللاجئ مرة أخرى لا على حدود وطنه الأول لكن في المكان الذي لجأ إليه

لكن كما في كل مرة لا يكتمل الفهم إذا توقفنا عند حدود الفعل الفردي

– إذ كيف يمكن لعنف بهذا التنظيم أن يصدر عن ذاتٍ معزولة؟

– وكيف يمكن لقاتل أن يعمل بهذا الاطمئنان إن لم يكن يستند إلى يقين بأن ما يفعله ليس خروجًا عن القاعدة إنما تطبيقًا لها؟

هنا تتجه الإدانة إلى ما هو أبعد إلى النظام الذي جعل من هذا الفعل ممكنًا

إن بشار الأسد بوصفه رأس السلطة في تلك المرحلة لا يمكن فصله عن البنية التي سمحت بتحول الأجهزة الأمنية إلى أدوات إنتاج منهجي للعنف

فالدولة التي يُفترض أن تحتكر القوة لحماية المجتمع تحولت—في هذا السياق—إلى جهاز يعيد تعريف الحماية بوصفها إخضاعًا ويُعيد تعريف السيادة بوصفها قدرة على التحكم في الحياة والموت معًا

ليس الأمر هنا اتهامًا سياسيًا فحسب لكنه توصيف لبنية: سلطة تُدار عبر الخوف، أجهزة تُغذي الطاعة وخطاب يُبرر كل ذلك باسم الاستقرار

ضمن هذه المنظومة لا يعود القتل انحرافًا لكنه يصبح امتدادًا منطقيًا لسلسلة من القرارات تبدأ بالتجريد الرمزي للإنسان وتنتهي بإزالته ماديًا وفي هذه السلسلة لم يكن الفلسطيني استثناءً إنما جزءًا من معادلة لا تعترف أصلًا بالاستثناءات

وقد جاءت لحظة إعلان وزارة الداخلية السورية في عام 2026 عن إلقاء القبض على المتهم لتفتح بابًا معقدًا للقراءة فالاعتقال من حيث المبدأ خطوة في اتجاه العدالة لكنه لا يمحو ما سبقه ولا يُغلق ملفًا بهذا الثقل بل إنه على العكس يعيد طرح السؤال الأساسي:

– هل تكفي محاسبة المنفذ إذا بقيت البنية التي أنتجته خارج المساءلة؟

إن أخطر ما في مثل هذه الجرائم ليس فقط ما وقع لكن ما يكشفه من قابلية للتكرار فحين يعمل العنف ضمن جهاز وحين يُمارس بانتظام وحين يُحاط بصمت طويل فإنه يتحول من حدث إلى نمط وهذا ما أكدته تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والتي رأت أن ما حدث في سوريا خلال تلك السنوات لم يكن استثناء إنما جزءًا من سياق أوسع من الانتهاكات المنهجية

إن الإدانة في هذا المقام لا ينبغي أن تكون انتقائية فكما يُدان الفاعل المباشر على جريمته يُدان النظام الذي أتاحها وسكت عنها و شجعها ضمنيًا وكما يُدان الرصاص الذي أطلق تُدان الحفرة التي ابتلعت والذاكرة التي كادت تُمحى والصمت الذي طال.

في النهاية ليست حفرة التضامن مجرد مكان دُفن فيه الضحايا إنما استعارة قاسية لما يمكن أن تفعله السلطة حين تتحرر من كل قيد

هناك لم تُمح أجساد فحسب بل كادت تُمحى فكرة الإنسان نفسها وهناك أيضًا سقط الفلسطيني والسوري معًا في حفرة واحدة تحت لعنة واحدة تذكرنا بأن العدالة إن لم تكن شاملة تظل ناقصة—وأن الذاكرة إن لم تُستعاد تظل مهددة بأن تُدفن من جديد

 

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share