نضال الخليل ـ مجموعة العمل
في المخيمات السورية، ليس الغياب حدثًا استثنائيًا، بل إنه جزء من المشهد، تمامًا مثل الجدران الرطبة أو الأزقة الضيقة. لكنه، بخلاف الجدران، لا يُرى؛ فالغياب القسري لا يترك أثرًا مباشرًا، فلا جثة تُدفن، ولا قبرًا يُزار. إنه فراغ، لكنه فراغ يملأ كل شيء.
الإنسان الغائب لا يغيب وحده؛ إذ تختفي معه ملامح البيت الذي كان يسكنه، وطقوس الأعياد التي كان يشارك فيها، وحتى رائحة ثيابه التي تُغسل كل أسبوع وكأنه سيعود غدًا.
الغياب هنا ليس موتًا؛ لأن الموت يتيح مساحة للحداد، بينما الغياب يترك الحياة معلّقة بين احتمالين:
أن يكون ما زال حيًّا.
أو أن يكون قد انتهى منذ زمن بعيد.
هذا التعليق نفسه يصبح قدرًا سياسيًا يُدار بعناية، ويُستخدم كوسيلة لإعادة صياغة معنى الوجود.
اللغة كسجن ناعم
لا توجد كلمات أكثر قسوة من جملة بيروقراطية مقتضبة: “لا معلومات متوفرة”. هذه العبارة ليست مجرد رفض للإجابة، بل هي بناءٌ دقيق لمسافة جديدة بين المواطن والسلطة؛ إنها جملة تحبس السؤال نفسه، وتحوّل اللغة من وسيلة كشف إلى أداة إخفاء.
فاللغة، التي هي في أصلها ملكة إنسانية أصيلة، تتحول هنا إلى سجن ناعم. الأم التي تذهب للسؤال عن ابنها لا تُجاب بما يريحها أو يحطمها، بل بما يُبقيها معلّقة؛ لأن السلطة تدرك أن أقسى العذابات هي تلك التي لا تصل إلى يقين.
العدالة المؤجلة
بالنسبة للعائلات، العدالة بديهية مثل التنفّس؛ أن تعرف الحقيقة، وأن يُحاسب من تسبّب في الألم. لكنها في الواقع السوري تتحول إلى ملف مؤجل قابل للإغلاق أو الفتح بحسب التوقيت السياسي، فالعدالة هنا لا تُعامل كحق، بل كأداة.
هكذا يتكشّف التناقض العميق؛ فما تراه العائلات أمرًا أصيلًا في إنسانيتها، يُعاد تعريفه في فضاء السياسة كشيء تاريخي مشروط يمكن التلاعب به.
الحرية المراقَبة
في المخيم، تبدأ الحرية من فعل صغير: رفع صورة ابن مغيّب على جدار، أو تنظيم وقفة صامتة، أو كتابة اسم على قطعة قماش. هذه الأفعال تبدو بسيطة، لكنها تمثل ذروة الحرية الممكنة بالنسبة لعائلات الغياب. إنها أشبه برقصة يؤديها المرء داخل غرفة ضيقة، لا يستطيع أن يخطو فيها أكثر من خطوة واحدة.
الغياب المزدوج للفلسطينيين
حين يُغيَّب الفلسطيني السوري في سجون سوريا، فإن الغياب يتضاعف؛ فهو أولًا غائب عن وطنه الأصلي منذ النكبة، ثم يُغيَّب مرة أخرى عن حياته اليومية في المنفى. هذه الازدواجية تجعل التجربة الفلسطينية تجربة متكررة للغياب، وكأن التاريخ يُصرّ على إعادة كتابته بأشكال مختلفة.
هذا الغياب المزدوج ليس مجرد مأساة شخصية، بل هو إعادة صياغة للهوية الفلسطينية نفسها؛ من جماعة نضالية تتحدث عن العودة، إلى أفراد مبعثرين يبحثون عن أثر أحبائهم في زنازين مغلقة. هكذا يتحول الغياب من حدث فردي إلى أداة سياسية تعيد تشكيل وعي الجماعة بذاتها.
في جوهره، الغياب القسري ليس مجرد جريمة، بل إنه أداة حكم؛ فالخوف من الاختفاء يضبط حياة الناس أكثر مما تفعل القوانين. فالإنسان الذي يرى جاره يُقتاد ولا يعود، يتعلم أن حضوره نفسه هشّ، وأنه قد ينقلب إلى غياب في أية لحظة.
وبالنسبة للفلسطينيين السوريين، فإن هذا الخوف يتضاعف؛ لأنه لا يرتبط فقط بمصير فرد، بل بتاريخ طويل من النفي. الغياب هنا يصبح امتدادًا طبيعيًا لمسار تاريخي بدأ قبل عقود. فالفلسطيني الذي وُلد في المخيم يعرف أن الحاضر نفسه مهدد بالاختفاء، وأن وجوده قائم دائمًا على حافة العدم.
اللافت أن السلطة لا تحتاج إلى خطاب طويل لتفسير الغياب، فالصمت نفسه كافٍ: جملة مقتضبة، ورق غير موقّع، مكتب يغلق بابه… هذا الصمت ليس فراغًا، بل هو أداة فاعلة؛ فهو ما يجعل الانتظار يمتد، ويحوّل الأمل إلى عذاب يومي.
الفلسطيني السوري المغيّب ليس غائبًا تمامًا، وليس حاضرًا تمامًا، بل هو إنسان معلّق بين عالمين، تعيشه عائلته يوميًا: الأم التي تغسل ثيابه وكأنه سيعود، والأب الذي يحتفظ بمفتاح بيته في جيبه، والأصدقاء الذين يتهامسون باسمه ثم يصمتون.
هذا التعليق ليس حالة شخصية فقط، بل هو صورة عن السياسة حين تتحول إلى قدر؛ السياسة التي لا تحتاج إلى شعارات ولا قوانين معلَنة، بل يكفيها أن تدير الغياب، وأن تتركه ينساب في حياة الناس، ليعيد تعريف معنى الإنسان، ليس ككائن يملك حقوقًا، بل كظلّ يمكن أن يُمحى في أية لحظة.