سعيد سليمان – مجموعة العمل
في منطقة جبل كلّي، حيث تلاشت معظم المخيمات ولم يبقَ سوى العزلة، يقبع مخيم “حيفا الكرمل” كشاهد حي على مأساة مركبة يعيشها المهجرون. بعد 14 عاماً من رحلة التهجير القاسية، يجد قاطنو هذا المخيم الذين يبلغ تعدادهم اليوم نحو 400 عائلة من فلسطينيي سوريا (من مخيمات اليرموك، خان الشيح، سبينة، والحسينية) إلى جانب عائلات سورية ومهاجرين عرب أنفسهم أمام واقع يفوق قسوة الخيام، وسط تهميش متعمد وغياب تام لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.
منازل من الوهم.. “أحسن من الخيمة بشوي”
في الأول من كانون الثاني/يناير عام 2022، وصل الأهالي إلى المخيم محملين بوعود وردية؛ منازل مكسوة، مدرسة، مستوصف، ومرافق متكاملة، بُنيت بتبرعات سخية من “فلسطينيي 48” بهدف توفير حياة كريمة للمهجرين. إلا أن الصدمة كانت سيدة الموقف، حيث وجد الأهالي أنفسهم أمام كتل إسمنتية غير صالحة للسكن البشري، جدرانها متصدعة، وأسقفها تسرب المياه، وبنية تحتية شبه معدومة.
تلك الخيبة لخصها المهندس المسؤول عن البناء حين صارح الأهالي المحتجين قائلاً بلهجة قاطعة: “هذا البناء أحسن من الخيمة بشوي، ويصلح للسكن لمدة أربع أو خمس سنوات فقط”، واليوم، وبعد مرور سنوات قليلة، باتت بعض هذه الأبنية مهددة بالانهيار الفعلي، في حين يرفض الأهالي مغادرتها مفضلين البقاء بين جدران تسترهم وتقيهم شر الحيوانات الشاردة، هرباً من مصير أسوأ يصفونه بالمثل القائل: “نطلع من تحت الدلف لتحت المزراب”.
الخدمات الأساسية: صراع البقاء في العراء
يفتقر المخيم إلى أدنى مقومات الخدمة العامة. فالمياه تُستخرج عبر بئر يعمل بالطاقة الشمسية، تتعطل مضخته باستمرار ليضطر الأهالي ومعظمهم من الأرامل والأيتام والفقراء لجمع التبرعات من جيوبهم الخاوية لإصلاحها ودفع أجرة مشغلها. وفي الشتاء، تنقطع المياه تماماً. أما أزمة النفايات، فتشكل كارثة بيئية أخرى، إذ يبعد أقرب مكب 35 كيلومتراً، ولا يملك المخيم آليات نقل، مما يترك الأهالي غارقين في أعباء لا طاقة لهم بها.
ومع حلول فصل الشتاء، تتجلى أقسى صور المعاناة؛ حيث تضطر النساء والأطفال للبحث في القمامة عن قطع بلاستيكية، وإطارات السيارات، وحتى الأحذية التالفة لإشعالها طلباً للدفء، في ظل انعدام تام لمخصصات التدفئة، وقد وثق المخيم العام الماضي فاجعة وفاة طفلة رضيعة تجمدت من البرد.
الصحة والتعليم: أجيال يبتلعها الجهل والموت المجاني
الواقع الطبي ليس بأفضل حالاً بغياب الدفاع المدني وسيارات الإسعاف، يدفع الأهالي حياتهم ثمناً للعزلة. وقد سجل المخيم وفاة أحد سكانه (أبو محمد) إثر جلطة قلبية لعدم التمكن من إسعافه، ورغم قيام الأهالي بجمع التبرعات لتجهيز غرفة طبية متواضعة، إلا أن إحدى المنظمات التي زارتهم اكتفت بالعمل لشهرين، مقدمة للمرضى “حبة سيتامول” ووصفة طبية طويلة لشرائها على حسابهم الخاص، مما زاد من أعبائهم.
تعليمياً، يقف المخيم على شفا كارثة تتمثل في تفشي الأمية. أقرب مدرسة تبعد 7 كيلومترات، وتكلفة النقل تصل إلى 17 دولاراً للطالب الواحد، وهو مبلغ خيالي لعائلات لا تجد قوت يومها، ولا تتوفر لها فرص عمل قريبة (أقرب فرصة عمل تبعد 40 كم وأجرها يُستنزف في المواصلات). النتيجة أن 75% من أطفال المخيم محرومون من التعليم، ومن يذهب منهم يضطر لقطع 14 كيلومتراً مشياً على الأقدام، ليعودوا إلى منازلهم بعد مغيب الشمس. يصف أحد الآباء بمرارة رؤية ابنه الشاب أُميّاً:
“من 40 سنة كنت أستهجن أن أرى إنساناً لا يعرف القراءة والكتابة، فما بالك اليوم؟”.
“الإغاثة” التي تقتل أصحابها: شروط تعجيزية ورحلات عذاب
يواجه سكان “حيفا الكرمل” تهميشاً مؤسساتياً مضاعفاً. فبعض المنظمات الدولية رفضت تقديم الخدمات بحجة تصنيفهم كـ “مهاجرين”، وأخرى تهربت لأن المخيم يحمل “الطابع الفلسطيني”.
حتى الجهات المعنية بالفلسطينيين تحولت مساعداتها إلى عبء ومصدر للفتن. “هيئة فلسطين”، على سبيل المثال، تقدم مساعدات توصف بالخجولة جداً، وتستثني باقي الجنسيات السورية، بل ولا تكفي حتى العائلات الفلسطينية نفسها (قطعة ملابس واحدة لعائلة من 6 أطفال)، ولتكتمل المعاناة، يُجبر الأهالي على قطع 100 كيلومتر (ذهاباً وإياباً) إلى منطقة “أطمة” لاستلام مساعدة لا تتجاوز قيمتها 800 ليرة تركية، يدفعون نصفها كأجور مواصلات.
كذلك فعلت “منظمة التحرير” التي قدمت مساعدة مالية، لكنها اشترطت استلامها من بنوك في مناطق بعيدة (كفرع إدلب التابع لحماة)، لتتبخر المنحة في أجور السفر، ويُحرم منها الكثيرون بسبب تعقيدات بنكية تمنع الأرامل أو الزوجات من الاستلام.
أما وكالة “الأونروا”، وبعد انقطاع دام 8 سنوات، فقد زارت المخيم لتقدم مبالغ زهيدة (بين 17 و22 دولاراً) اشترطت استلامها من مدينة حلب، مما يعني استنزافها بالكامل في الطريق. والأدهى من ذلك، هو شروطها التعجيزية لترميم المنازل المدمرة في المخيمات الأصلية، حيث تشترط على الأهالي العودة والسكن فوق ركام منازلهم المهدمة “فوق التراب” لتقوم لجانها بمعاينتها وإدراجها في خطط الترقيع، متجاهلة تماماً الأبنية التي سويت بالأرض.
الحل في جذور المأساة
اليوم، يرفض أهالي مخيم حيفا الكرمل اختزال مأساتهم في “كرتونة إغاثة” أو رغيف خبز. مطلبهم الأساسي بات واضحاً: إيجاد حل جذري يتمثل في “عودة كريمة” إلى مناطقهم ومنازلهم الأصلية بعد أن كبر أبناؤهم وتزوجوا وباتوا بلا مأوى، وإلى أن يتحقق ذلك، يطالبون بتبني المخيم وإصلاحه، وتوفير بنية تحتية حقيقية تنتشلهم من موت بطيء، وتُنهي فاتورة باهظة يقولون عنها بأسى: “الثورة أكلت من أجسادنا”.