الفلسطيني السوري بين أرشيف المفقودين والعدالة المؤجلة

مجموعة العمل – نضال الخليل

ليست المأساة في فلسطين السورية مجرد سلسلة من الوقائع التي يمكن ترتيبها زمنياً داخل سردية الحرب، بل هي— في جوهرها الأعمق— صراع على معنى الوجود نفسه حين يُجرد الإنسان من حقه في أن يُروى

فالإخفاء القسري ليس حدثاً أمنياً عابراً لكن هو شكل من أشكال إنتاج المعرفة المعكوسة معرفة تُبنى على محو الجسد وإبقاء أثره كظل دائم في حياة الآخرين

في المخيمات الفلسطينية في سوريا ـ من اليرموك إلى خان الشيح ومن درعا إلى جرمانا ــ لم يكن الغياب مجرد فقدان فرد لكنه كان إعادة تشكيل كاملة للعائلة بوصفها كياناً معلقاً بين الحضور والعدم

الأم التي لا تملك شهادة وفاة لا تستطيع أن تبدأ الحداد والأب الذي لا يعرف مصير ابنه لا يستطيع أن يختار بين الحزن والغضب والطفل الذي يكبر في ظل صورة معلقة لا يتعلم معنى النهاية، بل معنى التعليق الأبدي للحياة

هنا يصبح الغياب ليس نقصاً في المعلومات إنما نظاماً سياسياً متكاملاً لإدارة الذاكرة

إن ما يجعل هذه التجربة أكثر قسوة في الحالة الفلسطينية السورية هو تراكب النكبات فالفلسطيني هنا ليس مجرد لاجئ تاريخي اقتلعته 1948 لكن هو أيضاً كائن مُعاد اقتلاعه داخل جغرافيا اللجوء نفسها
المنفى لم يعد حالة انتقال إنما صار بنية دائمة تُعاد إنتاجها بالعنف وبالصمت وبالخرائط التي لا تعترف إلا بالحاضر المسلح

في هذا السياق لا يمكن فهم الإخفاء القسري بوصفه مجرد ممارسة قمعية لكن بوصفه أداة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي فحين يُخفى الإنسان لا يُمحى جسده فقط إنما يُعاد توزيع علاقاته داخل العائلة ويُعاد تعريف الاقتصاد المنزلي ويُعاد ترتيب الزمن نفسه

يصبح الماضي غير مكتمل والمستقبل غير ممكن والحاضر مجرد انتظار طويل بلا نهاية

إن هذا التعليق الوجودي هو ما يجعل سؤال العدالة الانتقالية في سوريا سؤالاً يتجاوز القانون إلى الفلسفة السياسية ذاتها:

  • كيف يمكن لمجتمع أن ينتقل إلى مستقبل لم يُحسم فيه مصير الماضي بعد؟

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن ملف المفقودين في سوريا بما فيه الفلسطينيون السوريون لا يتعلق فقط بإحصاء الأعداد، بل بكشف بنية كاملة من العنف المؤسسي الذي جعل من الغياب تقنية حكم

تقارير حقوقية متعددة تشير إلى آلاف الحالات من الاختفاء القسري التي لم يُكشف مصير أصحابها حتى اليوم في ظل غياب منظومة شفافة للمساءلة أو الأرشفة القضائية

لكن الأرقام مهما بلغت دقتها تبقى عاجزة عن التقاط البعد الرمزي للمأساة فالمفقود ليس فقط جسداً غائباً، بل هو سؤال مفتوح في قلب الجماعة سؤال يرفض الإغلاق ويعيد إنتاج نفسه يومياً داخل اللغة، داخل الحلم، داخل تفاصيل الحياة اليومية التي لم تعد بريئة

في هذا السياق تصبح العدالة الانتقالية أكثر من آلية قانونية إنها محاولة لاستعادة الحق في الرواية
لكن هذا الحق نفسه يظل مشروطاً بفتح الملفات وبكشف المقابر الجماعية وبإنهاء الاقتصاد السياسي للسرية الذي حكم العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقود

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق فقط بكيفية تحقيق العدالة لكن بماهية العدالة نفسها في ظل هذا النوع من الغياب

  • هل العدالة هي محاسبة الجناة فقط؟
  • أم أنها أيضاً إعادة ترتيب العالم بحيث لا يبقى الغياب قابلاً للتكرار؟

في المخيمات الفلسطينية السورية يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى فالعائلات التي أنهكها الانتظار لم تعد تبحث فقط عن الحقيقة لكن عن شكل جديد من الحياة يمكن أن يتعايش مع حقيقة لم تُعرف بعد

لكن الانتظار حين يطول يتحول إلى شكل من أشكال العنف البطيء إنه ينهك الجسد ويعيد تشكيل الاقتصاد المنزلي ويحول الزمن إلى دائرة مغلقة لا خروج منها وفي هذه الدائرة يصبح الغائب أكثر حضوراً من الأحياء ليس بوصفه ذكريات إنما بوصفه غياباً فعالاً يحدد كل تفاصيل الحياة اليومية

أما السؤال الذي يتردد في عمق هذا المشهد— ذلك السؤال الذي يتجاوز اللغة القانونية إلى حدود الانفعال الأخلاقي— فهو ليس فقط:

  • أين هم المفقودون؟ بل: كيف يمكن لعالم يعرف كل شيء عن نفسه أن يجهل كل شيء عن ضحاياه؟

في النهاية لا يمكن النظر إلى قضية الفلسطينيين السوريين المفقودين بوصفها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن البنية السياسية العامة لكن بوصفها مرآة مكثفة لعلاقة السلطة بالحياة والموت، بالظهور والاختفاء، بالسرد والصمت.

وإذا كانت العدالة الانتقالية تعني شيئاً فهي لا تعني فقط محاسبة الماضي إنما إنهاء القدرة على إنتاج الغياب كسياسة لأن المجتمع الذي يتقن صناعة المفقودين هو مجتمع لم يغادر بعد منطقة الكارثة، حتى لو غير لغته وشعاراته وأشكال حكمه

وفي هذا المعنى يبقى الغائبون ليسوا خارج التاريخ، بل في قلبه تماماً— كجرح مفتوح يرفض أن يتحول إلى ذكرى

 

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share