من نكبة إلى نكبة.. الفلسطيني السوري وسردية المنفى الذي يعيد خلق نفسه

نضال الخليل ـ مجموعة العمل 

حين يجري التعامل مع النكبة الفلسطينية بوصفها ذكرى تاريخية مغلقة فإن ما يُطمس ليس الحدث وحده إنما البنية العميقة التي ما تزال تُنتج آثارها حتى اليوم

فالمسألة لم تكن منذ عام 1948 مجرد تهجير جماعي أو انتقال قسري من أرض إلى أخرى إنما إعادة تشكيل كاملة للعلاقة بين الإنسان والمكان وبين الهوية وإمكانية تثبيتها داخل التاريخ

النكبة بهذا المعنى ليست حادثة انتهت مع توقف الحرب الأولى إنما لحظة تأسيس طويلة المدى استمرت في إعادة إنتاج ذاتها بأشكال مختلفة

لقد جرى اقتلاع الفلسطيني من جغرافيته لكن الأخطر أن الاقتلاع نفسه تحول إلى بنية دائمة وإلى شكل من أشكال الوجود السياسي والاجتماعي لم يعد المنفى استثناءً مؤقتًا إنما صار نظامًا للحياة

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

• ماذا حدث عام 1948؟

بل:

• كيف يستمر هذا الحدث في إعادة إنتاج نفسه داخل الأزمنة الجديدة؟

لقد أعيد تشكيل الفلسطيني داخل فضاء معلق فضاء يعيش فيه بين ذاكرة لا يمكن التخلي عنها وواقع لا يمنحه اكتمال الانتماء

فالمنفى لم يعد مجرد غياب عن الوطن بل حالة مستمرة من عدم الاستقرار حيث يصبح الاستقرار نفسه أمرًا مؤجلًا أو هشًا أو مؤقتًا

هذا المعنى ظهر بوضوح أكبر في التجربة الفلسطينية السورية بعد عام 2011 فالحرب السورية لم تخلق مأساة منفصلة عن النكبة الأولى لكنها كشفت أن المنفى الفلسطيني قابل دائمًا لإعادة التشكل داخل أزمات جديدة

الفلسطيني الذي لجأ إلى سوريا بعد نكبة 1948 وجد نفسه بعد عقود أمام اقتلاع جديد داخل فضاء اللجوء ذاته

غير أن الفلسطيني السوري لم يكن في هذه اللحظة مجرد ضحية إضافية في سردية الخراب السوري لكنه كان جزءًا عميقًا من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي واجه الاستبداد فمنذ البدايات الأولى للثورة السورية انخرط فلسطينيون كثر في الاحتجاجات والعمل المدني والإغاثي والإعلامي ووجدوا في معركة السوريين ضد القمع امتدادًا أخلاقيًا لمعركتهم الطويلة ضد الاقتلاع والحرمان

لم يكن ذلك انحيازًا عابرًا إنما تعبيرًا عن وعي تشكل عبر تاريخ طويل من اللجوء والتهميش فالفلسطيني الذي خبر معنى فقدان المكان أدرك بصورة مبكرة أن الاستبداد لا يصادر السياسة وحدها لكنه يصادر قدرة الإنسان على الشعور بأنه ينتمي إلى حياته نفسها ولهذا لم يكن حضور الفلسطيني السوري في الثورة مجرد تضامن مع مجتمع مضيف إنما مشاركة فعلية في الدفاع عن فكرة الحرية بوصفها شرطًا لكرامة الجميع

وقد دفع الفلسطينيون السوريون ثمن هذا الانخراط باهظًا تعرضت مخيماتهم للحصار والقصف والنزوح وتحولت أماكن مثل مخيم اليرموك من فضاءات للذاكرة الفلسطينية إلى جغرافيا مفتوحة على الجوع والموت والدمار

وهكذا وجد الفلسطيني نفسه أمام نكبته الثانية لا باعتبارها تكرارًا ميكانيكيًا للنكبة الأولى لكن بوصفها امتدادًا تاريخيًا لها داخل سياق جديد من العنف والانهيار

هنا تتداخل طبقتان من التاريخ:

– اقتلاع أول من فلسطين

– اقتلاع ثانٍ من المخيمات والمدن السورية التي تحولت مع الزمن إلى شكل من أشكال الوطن المؤقت

وبهذا لم يعد الفلسطيني يعيش منفى خارج الوطن فقط إنما منفى داخل المنفى نفسه

وقد انعكس ذلك اجتماعيًا على بنية المخيمات الفلسطينية في سوريا التي كانت تمثل نوعًا من إعادة تنظيم الحياة داخل الغياب

ومع موجات النزوح والهجرة الجديدة تفككت الكثير من الروابط التقليدية وتوزعت العائلات بين بلدان متعددة فيما أصبحت الهوية الفلسطينية السورية أكثر تشظيًا وأقل قدرة على التمركز داخل جغرافيا واحدة

اقتصاديًا تعمقت الهشاشة بصورة غير مسبوقة فالفلسطيني السوري وجد نفسه محاصرًا بين آثار الحرب السورية وبين وضع قانوني وتاريخي غير مكتمل أصلًا

تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة وغياب الحماية الاجتماعية وانهيار البنى الاقتصادية كلها عوامل جعلت الحياة اليومية أقرب إلى إدارة دائمة للنقص لا إلى بناء استقرار فعلي

أما سياسيًا فقد تشكلت حالة يمكن وصفها بـ”الوجود المعلق” فالفلسطيني السوري يتحرك غالبًا داخل أوضاع قانونية غير مستقرة تتغير بتغير الدول والسياسات والظروف من دون أن يصل إلى حالة نهائية من الاعتراف أو الحماية الكاملة وهذا التعليق المستمر لا ينتج فقط هشاشة قانونية إنما يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالدولة وبالمجتمع وبفكرة المستقبل نفسها

ومع ذلك فإن التجربة الفلسطينية السورية كشفت أيضًا عن بعد آخر ظل غائبًا في كثير من القراءات السياسية: أن الفلسطيني السوري لم يكن كائنًا معلقًا خارج التاريخ بل فاعلًا داخله

لقد شارك في صياغة المجال العام السوري وفي مواجهة النظام المخلوع وفي الدفاع عن حق السوريين في الخلاص من عقود القمع والخوف وبهذا المعنى لم تكن الثورة السورية بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مجرد حدث سوري داخلي إنما لحظة لإعادة تعريف علاقتهم بالمكان الذي عاشوا فيه عقودًا وبالناس الذين شاركوهم المنفى والحياة والهشاشة نفسها

لهذا تبدو النكبة في معناها الأعمق ليست مجرد ذاكرة عن الماضي لكنها طريقة لتنظيم الحاضر

إنها بنية تاريخية تستمر في إنتاج الغياب بأشكال متجددة وتعيد تشكيل الإنسان داخل حالة دائمة من التعليق:

– تعليق المكان وتعليق الاستقرار وحتى تعليق الإحساس باكتمال الحياة

وفي التجربة الفلسطينية السورية تحديدًا لم تعد المعاناة مرتبطة فقط بفقدان الأرض الأولى بل بفقدان إمكانية تثبيت أي أرض أصلًا حتى داخل فضاءات اللجوء كأن الفلسطيني انتقل من اقتلاع أول إلى اقتلاع داخل الاقتلاع ومن فقدان الوطن إلى فقدان القدرة على الشعور بأن أي مكان يمكن أن يتحول إلى وطن مستقر

كما أن العلاقة مع “الآخر” لم تعد مجرد علاقة سياسية خارجية إنما أصبحت جزءًا من آلية تشكيل الهوية نفسها

فالهوية الفلسطينية تحت ضغط المنفى الطويل تُعاد صياغتها باستمرار عبر التوتر مع الحدود والقوانين وصور الانتماء المتغيرة بحيث يصبح القلق جزءًا من تعريف الذات لا مجرد نتيجة عابرة للصراع

إن ما تكشفه هذه التجربة الممتدة هو أن النكبة الفلسطينية لم تتحول إلى ماضٍ يُروى إنما إلى حاضر يُعاد إنتاجه باستمرار

ولذلك فإن الفلسطيني السوري لا يمثل حالة هامشية في التاريخ الفلسطيني إنما يكشف بصورة مكثفة كيف يمكن للمنفى أن يتحول من حادثة مؤقتة إلى بنية تاريخية طويلة قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر الزمن من دون أن تفقد قدرتها على صناعة الغياب بوصفه شكلًا دائمًا من الحضور.

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share