اليرموك وقرار الأونروا …ترميم الجدران أم ترميم الفلسطيني نفسه؟

مجموعة العمل ـ نضال الخليل 

في التجربة الفلسطينية لا يتحول المكان إلى مجرد جغرافيا قابلة للتدمير إنما يصبح امتدادًا عضويًا للهوية نفسها ولذلك فإن سقوط الأمكنة الفلسطينية لا يحدث دفعة واحدة لأن ما ينهار ليس الحجر فقط بل شبكة كاملة من المعاني والعلاقات والذكريات التي راكمها المنفيون وهم يحاولون تحويل اللجوء إلى صيغة محتملة للحياة

من هنا تحديدًا يمكن فهم ما يعنيه اليرموك بالنسبة للفلسطينيين في سوريا فالمخيم لم يكن مجرد تجمع للاجئين جنوب دمشق لكنه كان خلال عقود طويلة صيغة اجتماعية وثقافية وسياسية متكاملة استطاع الفلسطيني عبرها أن يخفف من هشاشة المنفى وأن يعيد تنظيم وجوده داخل فضاء بدا للمرة الأولى منذ النكبة قابلًا لأن يُعاش بوصفه حياة يومية لا مجرد انتظار طويل للعودة

لهذا فإن إعلان وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عن توسيع خدماتها داخل المخيم عبر إنشاء مدرسة جديدة وعيادة صحية ودعم ترميم منازل آلاف العائلات العائدة لا يمكن التعامل معه كخبر إنساني عابر

فالقضية هنا لا تتعلق بإعادة تأهيل بعض الأبنية أو تحسين شروط العيش فحسب إنما بمحاولة إعادة تثبيت معنى الوجود الفلسطيني نفسه داخل مكان تعرض لتدمير مادي ورمزي في آن واحد

قبل الحرب السورية كان اليرموك يمثل حالة استثنائية في تجربة الشتات الفلسطيني لم يكن مخيمًا بالمعنى التقليدي للكلمة لكن مدينة كاملة صنعتها الذاكرة الفلسطينية أكثر مما صنعتها الخرائط الرسمية وفيه تشكلت طبقة فلسطينية سورية واسعة من المثقفين والطلاب والعمال والتجار حتى بدا المخيم أكثر استقرارًا من فكرة اللجوء ذاتها

لكن الحرب السورية قلبت هذه المعادلة بصورة جذرية

فجأة وجد الفلسطيني السوري نفسه يعيش نكبة داخل نكبته الأصلية لم يخسر بيته فقط لكنه خسر الإطار الرمزي الذي كان يمنحه شعورًا نادرًا بالاستقرار ذلك أن تدمير اليرموك لم يكن مجرد حدث عسكري أو عمراني لكنه كان تفكيكًا تدريجيًا لفكرة الفلسطيني القادر رغم كل شيء على إنتاج حياة قابلة للاستمرار داخل المنفى

ولهذا تبدو العودة الحالية إلى المخيم أقرب إلى عودة بشر إلى شظايا ذاكرتهم الخاصة فالشوارع التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى مساحات من الركام والأبنية التي احتضنت أجيالًا كاملة ما تزال نصف مدمرة فيما تبدو الخدمات الأساسية في حالة شبه منهارة وحتى الذين عادوا إلى اليرموك لم يعودوا إلى “مدينة” بالمعنى الكامل بل إلى مكان يحاول بالكاد أن يتذكر صورته السابقة

في هذا السياق تكتسب مشاريع الأونروا معناها الحقيقي فالمدرسة التي ستُبنى داخل المخيم ليست مجرد مؤسسة تعليمية لكنها محاولة لاستعادة العلاقة الطبيعية بين الإنسان الفلسطيني والزمن لأن أخطر ما فعلته الحرب لم يكن القتل والدمار وحدهما لكن تحويل المستقبل نفسه إلى فكرة مؤجلة

الطفل الفلسطيني الذي نشأ بين النزوح والخراب وفقدان الاستقرار لم يعد يرى الزمن بوصفه استمرارية طبيعية للحياة بل بوصفه سلسلة من الانقطاعات الحادة والمفتوحة على المجهول ولهذا تصبح المدرسة فعلًا ثقافيًا ونفسيًا بقدر ما هي فعل تربوي

والأمر ذاته ينطبق على العيادة الصحية ففي المجتمعات التي خرجت من الحروب لا تعني المؤسسة الطبية مجرد تقديم العلاج لكنها استعادة الحد الأدنى من الإحساس بالحياة الطبيعية

أن يجد الفلسطيني مكانًا للعلاج داخل مخيمه فهذا يعني أن المخيم لم يعد مجرد مساحة مؤقتة للنجاة البيولوجية لكنه بدأ يستعيد بعض وظائفه الاجتماعية والإنسانية الأساسية

غير أن البعد الأكثر حساسية في مشروع الأونروا يبقى متعلقًا بترميم منازل آلاف العائلات العائدة لأن البيت بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد ملكية خاصة أو بناء إسمنتي لكن هو التعبير المادي عن الاستمرار نفسه

والفلسطيني السوري الذي عاد إلى اليرموك خلال السنوات الأخيرة عاد غالبًا إلى بيوت بلا نوافذ أو كهرباء أو مياه مستقرة وعاد أحيانًا فقط لأن الحياة خارج المخيم أصبحت أكثر قسوة اقتصاديًا من الحياة داخله

هنا تظهر المفارقة القاسية للتجربة الفلسطينية السورية:

– الناس يعودون إلى الخراب لأن البدائل تبدو أكثر خرابًا

فالانهيار الاقتصادي السوري وارتفاع الإيجارات وتآكل فرص العمل دفعت كثيرًا من الفلسطينيين السوريين إلى العودة نحو المخيم لا بوصفه حلمًا وطنيًا أو حنينًا رومانسيًا إنما بوصفه الخيار الأقل استحالة للبقاء وهذا ما يكشف التحول العميق الذي أصاب المخيم الفلسطيني في سوريا: لقد انتقل من فضاء للهوية الوطنية إلى فضاء للبقاء الإنساني المجرد

وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح تدخل الأونروا أكثر من مجرد عمل إغاثي فالوكالة، رغم أزماتها المالية والسياسية المتلاحقة ما تزال تمثل بالنسبة للفلسطيني السوري آخر اعتراف دولي بوجوده الجماعي بوصفه قضية سياسية وتاريخية لا مجرد تجمع بشري يحتاج إلى مساعدات غذائية

ولهذا لا يمكن فصل مشاريع ترميم اليرموك عن الأزمة البنيوية التي تعيشها الأونروا نفسها فالوكالة تواجه تراجعًا متواصلًا في التمويل الدولي في وقت ترتفع فيه معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية بين الفلسطينيين السوريين إلى مستويات غير مسبوقة ومع كل تقليص للمساعدات يتراجع هامش النجاة داخل المخيمات الفلسطينية أكثر فأكثر

ومع ذلك تبدو الأونروا اليوم وكأنها تحاول الانتقال ولو جزئيًا من منطق الإغاثة الطارئة إلى منطق إعادة إنتاج الحياة وهذا تحول بالغ الأهمية لأن المجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا على المساعدات وحدها الإنسان قد يحتمل الفقر لكنه لا يحتمل طويلًا فقدان المعنى

واليرموك اليوم يقف تمامًا عند هذه الحافة: ليس مجرد مخيم يحاول النهوض من الدمار إنما مجتمع كامل يحاول أن يثبت أنه لم يتحول بعد إلى ذاكرة مهملة خارج التاريخ

ولهذا فإن إعادة فتح مدرسة أو ترميم منزل داخل المخيم تحمل معنى سياسيًا وثقافيًا يتجاوز كثيرًا حدود الإسمنت والخدمات إنها محاولة متأخرة للقول إن الفلسطيني السوري الذي نجا من الحصار والحرب والنزوح لا ينبغي أن يُترك أخيرًا فريسة للفقر والنسيان

وربما تكمن المأساة الأعمق هنا في أن الفلسطيني داخل سوريا لم يعد يخشى فقط خسارة وطنه الأول لكنه بات يخشى أيضًا خسارة المنفى الذي أمضى عقودًا طويلة يحاول أن يحوله إلى شكل مؤقت من أشكال الوطن.

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share