الفلسطيني السوري.. بين الحق والوجود

مجموعة العمل – نضال الخليل

لم يكن الإعلان عن تأسيس “رابطة الحقوقيين الفلسطينيين” في دمشق مجرد إضافة جديدة إلى قائمة المؤسسات التي اعتادت الحياة الفلسطينية إنتاجها في لحظات التحول بقدر ما بدا محاولة لإعادة صياغة السؤال الفلسطيني السوري نفسه:

  • كيف يمكن للاجئ أن ينتقل من موقع الخضوع للاستثناء إلى موقع إنتاج أدوات مواجهته؟

فالقضية هنا لا تتعلق بإنشاء إطار مهني جديد بقدر ما تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الفلسطيني السوري والقانون أي العلاقة بين الإنسان والهشاشة، بين الوجود والوثيقة وبين الذاكرة بوصفها سردية والحق بوصفه ممارسة

عاش الفلسطيني في سوريا لعقود داخل منطقة قانونية وسياسية معلقة لم يكن أجنبياً بالمعنى الكامل ولم يكن مواطناً بالمعنى القانوني الصارم كان يعيش داخل صيغة وسطية أنتجتها شروط سياسية وتاريخية معقدة صيغة حاول القانون رقم 26 لعام 1956 منحها توازناً خاصاً عبر توفير مساواة واسعة في الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية مع الحفاظ على خصوصية الهوية الوطنية الفلسطينية

لكن القوانين مهما بدت متقدمة لا تعمل داخل الفراغ فالسنوات السورية الأخيرة لم تختبر قدرة المجتمع على النجاة فحسب لكنها اختبرت أيضاً قدرة البنى القانونية ذاتها على الاستمرار وهنا يعود السؤال الأكثر إلحاحاً:

  • كيف يمكن حماية اللاجئ حين تصبح الشعارات أقل قدرة على إنتاج الحماية؟

طوال عقود جرى تقديم القضية الفلسطينية داخل المجال العربي بوصفها قضية سياسية أولاً كانت اللغة الكبرى تهيمن على كل شيء: العودة، التحرير، الصمود، الذاكرة

غير أن هيمنة اللغة السياسية أنتجت أثراً جانبياً خطيراً: تراجع التفكير في البنية الحقوقية اليومية التي تحدد حياة الفلسطيني الفعلية

فالبيت ليس تفصيلاً إدارياً والوثيقة ليست مجرد ورقة وحق السكن وإثبات الملكية وإدارة ملفات المفقودين والوصول إلى القضاء ليست مسائل ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد السياسة إنها السياسة نفسها حين تُترجم إلى حياة يومية

ومع الحرب السورية أصبح الفصل بين السياسي والحقوقي أقل قابلية للاستمرار فعندما تتحول المخيمات إلى أماكن مدمرة أو معاد تنظيمها عمرانياً لا يعود السؤال متعلقاً برمزية المكان وحدها إنما بمن يمتلك البيت ومن يستطيع إثبات امتلاكه ومن يملك القدرة القانونية على العودة إليه

هنا تظهر خصوصية المخيم الفلسطيني بوصفه فضاءً استثنائياً بامتياز فهو ليس مدينة مكتملة إدارياً وليس تجمعاً مؤقتاً بالمعنى التقليدي للجوء

هذه المنطقة الرمادية أنتجت عبر عقود أنماطاً معقدة من الملكية والسكن والعلاقات القانونية بحيث أصبحت أجزاء واسعة من البنية العقارية الفلسطينية قائمة على الأعراف والتفاهمات أكثر مما هي قائمة على التوثيق الصارم

لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة المكان لكن في خسارة القدرة على إثبات العلاقة القانونية بهذا المكان

والأمر ذاته ينطبق على الوثيقة الفلسطينية السورية فما كان يمثل سابقاً أداة لتنظيم الحياة والعبور القانوني تحول تدريجياً إلى تعبير عن هشاشة مركبة

فالفلسطيني السوري وجد نفسه داخل ما يمكن تسميته بازدواجية النقص: غياب الحماية الوطنية الكاملة وغياب المرونة القانونية الكافية في الوقت نفسه

أما ملف المعتقلين والمغيبين فهو يكشف بصورة أوضح حدود المقاربة العاطفية للعدالة فالعدالة لا تُنتجها البلاغة وحدها ولا يحفظها الحزن مهما كان مشروعاً

إن المأساة التي لا تتحول إلى أرشيف وشهادات ووثائق ومسارات قانونية تتحول تدريجياً إلى ذاكرة والذاكرة مهما كانت مقدسة ليست بديلاً عن الحق

من هنا يمكن فهم الحاجة إلى رابطة حقوقية فلسطينية جديدة ليس باعتبارها مؤسسة تمثيلية إضافية لكن باعتبارها محاولة لبناء ذاكرة قانونية جماعية

لكن التحدي الأكبر لا يكمن في تأسيس المؤسسة بل في الثقافة التي ستعمل داخلها فالمجال العام العربي والفلسطيني خصوصاً عاش طويلاً تحت هيمنة ما يمكن تسميته بثقافة البيان أي الاعتقاد بأن إنتاج اللغة السياسية يكفي لإنتاج الفعل السياسي

غير أن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى شيء آخر: مؤسسات، أرشفة، خبرات، مرافعات وإنتاج معرفة تخصصية قادرة على تحويل المعاناة من مادة خطابية إلى مادة قانونية قابلة للدفاع

ولهذا فإن القيمة الفعلية لأي إطار حقوقي فلسطيني لن تُقاس بعدد بياناته إنما بقدرته على إنتاج أدوات حقيقية: أرشيفات قانونية، مراكز استشارة، شبكات دفاع قضائي وآليات لحماية الفئات الأكثر هشاشة

غير أن المعضلة الأصعب ستبقى قائمة:

  • كيف يمكن للعمل الحقوقي أن يتحرك داخل المجال السياسي دون أن يتحول إلى امتداد مباشر له؟
  • وكيف يمكن الدفاع عن الحقوق مع الحفاظ على استقلالية تعريفها؟

لعل القيمة الأهم في تأسيس رابطة للحقوقيين الفلسطينيين لا تكمن في وجود الرابطة نفسها بل في السؤال الذي تطرحه للمرة الأولى بصورة جدية:

  • هل يستطيع الفلسطيني السوري أن يغادر موقع “موضوع الحقوق” إلى موقع “منتج الحقوق”؟

ذلك أن المجتمعات لا تخرج من الهشاشة عبر الذاكرة وحدها لكن حين تتحول الذاكرة نفسها إلى مؤسسة

 

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share