مجموعة العمل – نضال الخليل
ثمة مفارقة قاسية تتكرر كل عام مع حلول عيد الأضحى في فضاء فلسطينيي سوريا فالعيد الذي يفترض أن يكون لحظة لاستعادة المعنى الاجتماعي للتكافل والفرح يتحول تدريجياً إلى مرآة تكشف عمق التآكل الذي أصاب الوجود اليومي لفلسطينيي سوريا لا على المستوى الاقتصادي فحسب وإنما على مستوى علاقتهم بالعالم وبذاتهم داخل جغرافيا لم تعد تمنحهم يقين الاستقرار
في الظاهر تبدو الأزمة أزمة أسعار ورواتب غير أن اختزال المسألة في هذا البعد وحده يضيع جوهرها الحقيقي لأن ما يعيشه فلسطيني سوريا اليوم يتجاوز مسألة الغلاء إلى ما هو أعمق: انهيار الإحساس بالاستقرار الاجتماعي ذاته
فالإنسان لا يُقصى من الحياة فقط حين يعجز عن تلبية حاجاته وإنما حين يفقد قدرته على المشاركة الطبيعية في طقوسها اليومية وحين تتحول أبسط مظاهر العيش المشترك إلى عبء نفسي ومادي في آن واحد
في المخيمات الفلسطينية أو في التجمعات التي أعادت تشكيلها سنوات الحرب والنزوح يدخل العيد محملاً بأسئلة العجز أكثر مما يحمل من ملامح البهجة
أسعار اللحوم ترتفع بصورة منفصلة تقريباً عن قدرة الناس وثياب الأطفال التي كانت جزءاً من الذاكرة الجمعية للعيد تتحول إلى حلم مؤجل فيما تصبح زيارة الأقارب نفسها فعلاً اقتصادياً مكلفاً لا اجتماعياً بديهياً
غير أن أخطر ما في هذا الواقع ليس الفقر في حد ذاته وإنما اعتياده هنا تبدأ المأساة الاجتماعية الحقيقية: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة والعجز إلى نمط وجود
فالمجتمعات لا تنهار فقط تحت ضغط الحاجة وإنما حين تفقد قدرتها على تخيل شكل آخر لحياتها خارج دائرة النقص الدائم
لقد عاش فلسطيني سوريا لعقود داخل حالة اندماج ناقص حضور اجتماعي كثيف داخل المجتمع السوري يقابله وضع قانوني وسياسي هش يعلقهم دائماً في منطقة بين الاستقرار واللااستقرار
ثم جاءت الحرب السورية لتكشف هذا التعليق على حقيقته القاسية فالمخيمات التي كانت تُرى بوصفها فضاءات مؤقتة تحولت إلى جغرافيا هشّة للنجاة والذاكرة والانكسار بينما وجد فلسطيني سوريا نفسه مجدداً أمام سؤال البقاء الأول:
- كيف تُدار الحياة حين ينهار الاقتصاد وتتآكل الخدمات ويتراجع المعنى العام للانتماء؟
ومع حلول العيد تتكثف هذه الأزمة في تفاصيلها اليومية فالعيد ليس مجرد طقس ديني وإنما هو أيضاً اختبار للبنية الاجتماعية ذاتها
حين تعجز العائلات عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات المناسبة فإنها لا تخسر قدرتها المادية فقط وإنما يتسلل إليها شعور أعمق بالانكسار الرمزي: انكسار القدرة على الظهور كجماعة قادرة على الفرح ولو بالحد الأدنى
يصبح الأب أمام أطفاله شاهداً على العجز وتتحول الأم إلى حارسة صامتة لمحاولة حفظ ما تبقى من صورة البيت فيما يكبر الأطفال على فجوة تتسع بين ما يُروى عن العيد في الذاكرة وما يُعاش منه في الواقع
ولعل ما يزيد هذا المشهد قسوة هو غياب الأفق ففلسطيني سوريا اليوم يعيش على هامش أزمات متراكبة: أزمة لجوء ممتدة، أزمة اقتصاد سوري مثقل بالانهيار وأزمة تمثيل سياسي فلسطيني لم يعد قادراً على تحويل المعاناة اليومية إلى مشروع حماية فعلي
وفي هذا الفراغ يصبح الإنسان محاصراً داخل إدارة يومه فقط بلا قدرة على التفكير بالمستقبل إلا بوصفه امتداداً غير مضمون للحاضر
ومع ذلك لا ينعدم الفعل الاجتماعي كلياً ففي قلب هذا التآكل ما تزال تتشكل أشكال دقيقة من التضامن تبادل بسيط للطعام، زيارة قصيرة، محاولة جماعية لتخفيف وطأة الغياب
هذه الأفعال الصغيرة لا تُلغي الأزمة لكنها تكشف أن ما تبقى من النسيج الاجتماعي لم يُمحَ بالكامل بل ما زال يقاوم عبر تفاصيله اليومية الأكثر تواضعاً
هكذا يبدو عيد الأضحى عند فلسطينيي سوريا اليوم بوصفه عيداً مؤجلاً باستمرار حاضر في الذاكرة أكثر مما هو متحقق في الواقع ومثقل بسؤال اجتماعي واقتصادي أعمق من المناسبة نفسها
إنه ليس فقط زمن الفرح المتعذر بل زمن يكشف كيف يتحول العيش داخل المنفى إلى حالة دائمة من إعادة إنتاج النقص حيث يغدو الفرح نفسه امتيازاً نادراً ويصبح الانتظار الشكل الأكثر ثباتاً للحياة