مجموعة العمل – أ. باسم يونس السبع
محامٍ وباحث قانوني
لم يكن مخيم اليرموك مجرد تجمع سكني للاجئين الفلسطينيين في سوريا، بل شكّل لعقود طويلة رمزاً سياسياً واجتماعياً وإنسانياً لذاكرة اللجوء الفلسطيني، وحاضنة لآلاف العائلات التي وجدت فيه مساحة للاستقرار النسبي بعد نكبة امتدت آثارها عبر الأجيال.
لكن السنوات الأخيرة حملت للمخيم واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه، بعدما تعرّض لعمليات حصار ونزوح ودمار واسع النطاق، انتهت بتهجير القسم الأكبر من سكانه وفقدان كثير من العائلات لمنازلها ووثائقها ومصادر رزقها، لتبدأ رحلة جديدة من اللجوء داخل اللجوء.
ومن هنا، يبرز سؤال قانوني وإنساني بالغ الأهمية:
هل يُعد ما جرى في مخيم اليرموك “تهجيراً قسرياً” وفقاً للقانون الدولي …؟
أولاً ـ مفهوم التهجير القسري في القانون الدولي.
يُعرّف القانون الدولي التهجير القسري بأنه:
“إجبار السكان المدنيين على مغادرة أماكن إقامتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نتيجة الخوف، أو العمليات العسكرية، أو الحصار، أو انعدام شروط الحياة الآمنة.”
ويُعدّ التهجير القسري من الانتهاكات الخطيرة التي تناولتها:
– اتفاقيات جنيف لعام ـ “1949”، ولا سيما المادة ـ “49”من الاتفاقية الرابعة التي تحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للمدنيين.
* نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي اعتبر التهجير القسري واسع النطاق جريمة ضد الإنسانية في ظروف معينة.
* مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن النزوح الداخلي لعام ـ “1998”.
كما أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزاما واضحاً بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وعدم استخدام الحصار أو التجويع أو القصف العشوائي كوسائل تؤدي إلى تهجير السكان.
ثانيـاً ـ ماذا حدث في مخيم اليرموك …؟
ما شهده مخيم اليرموك خلال سنوات النزاع لم يكن مجرد حركة نزوح عادية مرتبطة بالحرب، بل رافقه:
– حصار طويل الأمد.
– تدهور إنساني حاد.
– نقص بالغ في الغذاء والدواء.
– دمار واسع للمنازل والبنية التحتية.
– نزوح جماعي لعشرات الآلاف من السكان.
كما شهد المخيم خلال سنوات النزاع:
– حالات اعتقال واسعة.
– اختفاءً قسرياً لعدد كبير من المدنيين.
– مقتل مدنيين داخل المخيم أو على الحواجز.
– وانتهاكات ارتكبتها جهات ومليشيات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق أو متحالفة معه.
ولا تزال حتى اليوم مئات العائلات الفلسطينية تجهل مصير أبنائها المفقودين أو المعتقلين، في ظل غياب معلومات رسمية واضحة، وهو ما يفاقم المعاناة الإنسانية والقانونية والاجتماعية لهذه الأسر.
وتجدر الإشارة إلى أن “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري” تعتبر الإخفاء القسري انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، خاصة عندما يقترن بحرمان العائلات من معرفة مصير ذويها أو أماكن احتجازهم.
ثالثـاً ـ الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني المهجّر.
تكمن خصوصية الحالة الفلسطينية في سوريا في أن كثيراً من سكان المخيم كانوا أصلاً لاجئين فلسطينيين، أي أنهم تعرضوا لحالة “لجوء مركّب” أو “نزوح مضاعف”.
فالفلسطيني الذي هُجّر من فلسطين ثم استقر لعقود في مخيم اليرموك، وجد نفسه مجدداً أمام فقدان السكن والاستقرار والوثائق والبيئة الاجتماعية، دون وجود حماية دولية كافية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية.
كما أن هشاشة الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني زادت من تعقيد المأساة، إذ وجد كثير من الفلسطينيين أنفسهم بين:
– فقدان الحماية الفعلية.
– ضعف القدرة على التنقل والسفر.
– صعوبة إثبات الحقوق والملكيات.
– وتعقيدات قانونية وإدارية مرتبطة بالإقامة والوثائق.
وفي هذا السياق، يبرز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ـ “194” لعام ـ “1948”، الذي أكد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض، بوصفه أحد المرتكزات القانونية الأساسية المرتبطة بالوضع القانوني للاجئ الفلسطيني.
كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصّ في المادة ـ “17” على أن:
“لكل شخص حق في التملك، ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.”
وهنا تبرز إشكالية قانونية مهمة تتعلق بـ:
– الحق في العودة إلى مكان السكن.
– حماية الملكيات والممتلكات.
– التعويض عن الأضرار.
– الحفاظ على الوثائق والهوية القانونية.
– كشف مصير المعتقلين والمفقودين.
– وضمان عدم ضياع الحقوق بسبب النزوح أو غياب أصحابها.
رابعـاً ـ هل تسقط حقوق المهجّرين بمرور الزمن …؟
من المبادئ المستقرة في القانون الدولي أن الحقوق الأساسية المرتبطة بالسكن والملكية والهوية لا تسقط لمجرد النزوح أو التهجير.
كما أن الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين تبقى من الملفات التي تستوجب المعالجة والمساءلة وكشف الحقيقة، ولا يجوز التعامل معها بوصفها أحداثاً عابرة انتهت بمرور الوقت.
كما أن فقدان الوثائق أو تعذر العودة المؤقتة لا يعني قانوناً فقدان أصل الحق.
لذلك فإن أي معالجة قانونية عادلة لملف مخيم اليرموك يجب أن تقوم على:
– حماية حقوق السكان الأصليين.
– تسهيل العودة الآمنة والطوعية.
– ضمان عدم المساس بالملكيات والحقوق المكتسبة.
– كشف مصير المعتقلين والمفقودين.
– معالجة أوضاع عائلات الضحايا.
– توثيق الانتهاكات بشكل مهني وقانوني.
– وتقديم آليات قانونية واضحة للتعويض وإثبات الحقوق.
خامسـاً ـ ما المطلوب لمعالجة هذا الملف…؟
إن معالجة ملف مخيم اليرموك لا يمكن أن تتم فقط من خلال إعادة الإعمار أو الحلول الإدارية المؤقتة، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة قانونية وإنسانية وحقوقية، تقوم على:
– كشف الحقيقة المتعلقة بالمعتقلين والمفقودين.
– ضمان حق العائلات في المعرفة والوصول إلى المعلومات.
– حماية الملكيات والحقوق العقارية.
– تسهيل عودة السكان بشكل آمن وطوعي.
– توفير ضمانات قانونية تمنع ضياع الحقوق بسبب النزوح.
– إشراك الجهات الحقوقية والقانونية المختصة في أي معالجة مستقبلية.
– وتفعيل دور المؤسسات الدولية والإنسانية في حماية اللاجئين الفلسطينيين.
كما أن هذا الملف يحتاج إلى تعاون جدي بين الجهات المحلية والمؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية، بعيداً عن التسييس أو المعالجات الشكلية، لأن القضية ترتبط بحقوق إنسانية أساسية تمس آلاف العائلات.
سادسـاً ـ البعد الإنساني للقضية.
إن الحديث عن مخيم اليرموك لا يتعلق فقط بالأبنية المدمرة أو الخرائط العقارية، بل بذاكرة جماعية وإنسانية عاش فيها اللاجئ الفلسطيني تفاصيل حياته لعقود طويلة.
فكثير من العائلات لا تنظر إلى المخيم بوصفه مجرد مكان للسكن، بل باعتباره جزءاً من الهوية الاجتماعية والوطنية والإنسانية التي تشكلت عبر سنوات اللجوء.
ولهذا، فإن أي مقاربة قانونية أو سياسية لهذا الملف يجب أن تراعي:
– الكرامة الإنسانية.
– حق الاستقرار.
– خصوصية اللاجئ الفلسطيني.
– والآثار النفسية والاجتماعية العميقة للتهجير المتكرر.
ختـاماً.. يبقى ملف مخيم اليرموك واحداً من أكثر الملفات الإنسانية والقانونية تعقيداً في السياق السوري والفلسطيني معاً.
وإذا كان القانون الدولي قد وُجد أساساً لحماية الإنسان وقت الأزمات، فإن حماية المهجّرين والحفاظ على حقوقهم وكشف مصير المفقودين والمعتقلين يجب ألا تبقى مجرد نصوص نظرية، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية تتطلب معالجة جدية وعادلة تحفظ كرامة الناس وحقوقهم ومستقبلهم