مجموعة العمل – فايز أبو عيد
في طريقك إلى الجنوب السوري، وتحديداً إلى محافظة درعا، لا بد أن تمرّ على الطريق الدولي الذي كانت تحرسه حواجز النظام السوري البائد الخاوية الآن، بينما تطالعك على جانبي الطريق أطلال المباني المدمرة، شاهدةً على همجية نظام الأسد في تعامله مع مدينة خربة غزالة، هذه المدينة التي ضمّت بين جنباتها أهالياً سوريين وعدد من العوائل الفلسطينية عاشت مرارة النزوح مرتين، لتبقى آثار الدمار رسالة صامتة تروي فصول المعاناة.
تقع بلدة “خربة غزالة” في شمال شرق محافظة درعا السورية، على الطريق الدولي بين دمشق وعمّان، تشتهر بتاريخها العريق الذي يعود إلى العهد الروماني، حيث يُقال إنها كانت مملكةً يحكمها الملك “رياح” ثم ابنته “غزالة”، التي ارتبط اسمها بخراب المملكة لاحقا، اليوم، تعدّ البلدة مركزاً لناحية تضم حوالي27,000 نسمة، بينهم عائلات فلسطينية نزحت إليها بعد النكبة عام 1948.
قصة الفلسطينيين في خربة غزالة
في قرية خربة غزالة، تتعايش أربع عائلات فلسطينية بشكل متناغم مع أهل المنطقة، وهي عائلة العيسى أو الشيخ محمد، وعائلة السالم، وعائلة الترك، وعائلة أبو رقطي، حيث يتجاوز عدد أفرادها مجتمعة نحو 100 فرد، موزعين بين مناطق مختلفة من القرية مثل المحطة، والخربة القديمة (أو ما يُسمى القرية القديمة)، والحارة الغربية، وساحة القرية.
تتميز عائلة السالم بعدد كبير من المثقفين، بينما تقل النسبة في عائلة العيسى وعائلة أبو رقطي، التي تعتمد غالباً على الحرف اليدوية الموروثة عن الأجداد، مما يجعل مستواها المادي متدنياً مقارنة بغيرها، ومن أبرز الشخصيات المثقفة في هذه العائلات:
الأستاذ أيمن الترك، المعروف بخلقه الرفيع وثقافته الواسعة، والذي عمل رئيساً لدائرة المعلوماتية في مديرية تربية درعا قبل أن يتقاعد ويتجه للتدريس في مدارس وكالة الغوث (الأونروا) كمدرس رياضيات
كما برز من عائلة السالم زكي السالم، الموظف في المصرف الزراعي بدرعا والخريج في كلية الحقوق، ورغم وجود هذه العائلات منذ زمن طويل في القرية، إلا أن الكثيرين من أهالي خربة غزالة لا يعرفون أصولهم الفلسطينية، ويعتبرونهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المحلي، حيث لفت الأستاذ محمد بديوي، أحد مدرسي القرية، إلى استغرابه عندما علم بأن عائلة السالم من أصول فلسطينية رغم علاقته الطيبة بهم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه العائلات لا تملك سوى منازلها البسيطة، ولا تنتمي إلى فئة الملاكين أو الأثرياء، مما يعكس طبيعة حياتهم المتواضعة واندماجهم الكامل في نسيج القرية الاجتماعي.
تعود معظم هذه العوائل إلى حيفا قرية عين غزال، ولم يكن التشابه في الاسم بين قريتي “عين غزال” الفلسطينية و”خربة غزالة” السورية محض صدفة، بل أصبح رمزا لواحدة من قصص اللجوء الأكثر إيلاما بعد نكبة 1948. فقد هُجرت
هذه العوائل من قرية “عين غزال” في حيفا تحت وطأة الاحتلال، لتحطّ رحالها في خربة غزالة بحوران، وكأن الأقدار أرادت أن تحفظ جزءا من الاسم والذاكرة في منفاهما الجديد.
التقينا بالمصادفة بالسيدة منى عيسى أم سامر ٦٣ عاما، وهي فلسطينية من حيفا عين غزال، تربطها صلة قرابة بعائلة العيسى لتخبرنا عن أقاربها في خربة غزالة، مؤكدة أن سبب إقامة هاتين العائلتين في خربة غزالة، هو أن كثيرا من أبناء حوران بمن فيهم أبناء خربة غزالة كانوا يعملون في حيفا في أراضي عين غزال وقرى أخرى، في وقت كانت فلسطين مقصدا لمن يبحث عن عمل قبل النكبة، وعندما اضطر أبناء حيفا للجوء استقبلهم إخوتهم في حوران ولاسيما خربة غزالة، ففتحوا بيوتهم لإخوة لهم في المنفى، وكان في البلدة كثير من العوائل الفلسطينية إلا أنها فضلت الانتقال فيما بعد لمخيم درعا بعد تأسيسه في سنة 1950-1951 لتلقي المساعدات، في حين بقيت أربع عوائل لليوم في خربة غزالة.
ذاكرة اللجوء المتجددة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعرضت البلدة لموجات نزوح جديدة، حيث تحول بعض سكانها — بما في ذلك الفلسطينيون — إلى نازحين مرة أخرى، هذه المرة داخل الأراضي السورية نفسها.
إحدى النازحات الفلسطينيات من خربة غزالة، والتي فضلت عدم ذكر اسمها، قالت عن نزوحها عن خربة غزالة: في الثاني عشر من أيار 2013، “جئنا إلى هنا بعد النكبة، وظننا أننا وجدنا وطناً بديلاً، لكن الحرب جعلتنا نعيش النزوح من جديد، الحرب جعلتنا نحمل مفاتيح منزلين: واحد في فلسطين، والآخر في خربة غزالة.”
الأونروا غائبة
يخبرنا أبو خالد الفلسطيني كما يحب أن يدعوه أهل البلدة رجل مسن: ” كيف أن القصف المتكرر في محيط البلدة في الثاني عشر من أيار 2013 أدّى إلى نزوح العديد من العائلات، بما فيها العائلات الفلسطينية، إلى قرى مجاورة مثل “الغارية الشرقية والغربية”، رغم خطورتها بسبب قربها من خطوط المواجهات.
لقد واجه أهالي البلدة صعوبات كبيرة في إيجاد سكن دائم في بلدة الغرية، كذلك عانوا من ارتفاع أسعار الإيجارات وإخلاء المنازل، إذ خشي المالكون من استملاك مساكنهم بسبب طول فترة إقامة النازحين.
بدأت الأزمة بنزوح جماعي مفاجئ، اعتقد خلاله الأهالي أنهم سيعودون إلى ديارهم خلال أيام، لكن النزوح طال لسنوات وتحول إلى أزمة سكنية حادة، اضطر بعض النازحين إلى اللجوء لأقاربهم أو أصدقائهم، بينما استأجر آخرون منازل بأسعار مرتفعة تجاوزت ال 15 ألف ليرة سورية في ذلك الوقت، مع مرور الوقت، بدأ المالكون بطرد النازحين، إما خوفاً من فقدان ممتلكاتهم أو بحجة حاجتهم للمنازل لأنفسهم، مما دفع بعض العائلات إلى النوم في سياراتهم أو خيم مؤقتة، بينما أصبح العثور على سكن أمراً شبه مستحيل، وقد وقفت الأونروا في تلك المرحلة موقف المتفرج .
يخبرنا ع. أبو رقطي 55 عاماً فلسطيني ممن عاش رحلة النزوح عن خربة غزالة: “شو جبرك على المّر إلا اللي أمر منه؟ لم يكن أحد يريد استضافتنا خوفا من أن نبقى عنده للأبد، كما حدث مع أجدادنا في دول اللجوء.”
العودة الحزينة
منذ عودة أهالي خربة غزالة إلى قراهم في عام 2018 بعد سنوات التهجير القاسية، لم تكن العودة كما حلموا بها، فمعظم المنازل دُمّرت، والبنية التحتية تعاني من انهيار شامل، خاصة في الكهرباء والمياه، مما دفع كثيرين إلى عدم العودة، لكن بين القلائل الذين عادوا، برز اسم “أبو سمير الحلاق”، الفلسطيني الأصل، الذي أصبح رمزاً للصمود والعودة إلى الحياة رغم كل الصعوبات.
لم يكن أبو سمير طبيباً أو مهندساً، لكنه كان معروفاً بين الناس بـ”أبي سمير الحلاق”، أحد أوائل من امتهنوا هذه الحرفة في خربة غزالة، عاد إلى دُوره بعد التحرير، وأعاد فتح محله المتواضع، ليكون شاهدا على إعادة إحياء البلدة. رغم الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تعاني منها القرية، ظل أبو سمير يقف يومياً خلف كرسيه، يحلق ويحكي، ويستقبل الزبائن الذين يعرفونه جيداً.
إن فرحة التحرير التي تعيشها سورية اليوم لم تكن للسوريين فقط، بل كانت أملاً للفلسطينيين أيضا، مثل أبو سمير، الذين رأوا في عودتهم إلى خربة غزالة إشارة إلى أن عودة فلسطين ليست مستحيلة.