مجموعة العمل – فايز أبو عيد
عندما تتمشى في شارع هنانو أو شارع القوتلي، قلب مدينة درعا النابض الذي كان يوماً مفعماً بالحياة والأسواق المزدحمة والمقاهي المكتظة، ينتابك اليوم شعور مختلف تماماً، شعور بالرهبة والخوف والحزن دفعة واحدة.
المباني هناك لا تبدو كمنازل يسكنها بشر، بل كجرح مفتوح لم يندمل بعد، كجثة معلقة تنتظر من يدفنها، جدرانها مثقوبة بالرصاص كأنها أصيبت بمرض عضال، وأسقفها منهارة جزئياً كأنها تئن تحت وطأة الذكريات، ونوافذها المحطمة تشبه عيوناً فقدت بريقها.
لكن المفاجأة الأكبر والأكثر إيلاماً أن هذه المباني التي يفترض أن تكون خالية من البشر، بل يفترض أن تطوقها شرائط حمراء وتحذر من الاقتراب منها، لا تزال مأهولة بالسكان، بل أكثر من ذلك: الإيجار فيها مرتفع، والعقود تُكتب وتوثق في البلديات، والناس تتنافس عليها وكأنها فيلات فاخرة وليس خرائب تنتظر لحظة الانهيار.
وهذا التقرير هو نتاج استقصاء ميداني نزلنا فيه إلى عمق هذه المأساة الصامتة التي لا تتحدث عنها وسائل الإعلام، حيث تسكن عائلات فلسطينية مهجرة من مخيم اليرموك والحجر الأسود ومخيم درعا ومناطق أخرى، إضافة إلى عائلات سورية نازحة من ريف درعا ودرعا البلد، يعيشون جميعاً تحت سقف هذه الأبنية المتهالكة.
كيف بدأ السكن في هذه الخرائب؟
لم يكن اختيار هذه المباني الآيلة للسقوط وليد رغبة أو تفضيل أو حتى جهل بالمخاطر، بل كان نتيجة حتمية ومأساوية لسلسلة طويلة من الانهيارات المتتالية التي لم تترك لهؤلاء الناس أي خيار آخر سوى هذا الخراب أو الشارع. بدأت القصة عندما طالبهم أصحاب المنازل الأصلية الذين كانوا يستأجرون منهم منذ سنوات بإخلاء بيوتهم، بعد أن عاد أصحابها من بلدان الاغتراب عقيب التحرير بعد أن استقرت الأوضاع الأمنية بما فيه الكفاية ليطالبوا بحقهم في بيوتهم. ثم جاءت المشكلة الثانية: المخيمات، كمخيم درعا التاريخي الذي كان يوماً ملاذاً للاجئين الفلسطينيين، أصبح اليوم ثلاثة أرباعه مدمراً بالكامل وغير صالح للسكن أصلاً، وما تبقى من بيوت صالحة فيه لا يكفي إلا عائلة واحدة أو اثنتين، فكيف بعشرات العائلات التي تضاعف حجمها خلال سنوات النزوح والتهجير واللجوء المتكرر؟ ثم المشكلة الثالثة والأكثر قسوة: الإيجارات في أي مبنى سليم أو ما يسمى بأحياء المدينة “الكاشف” أو “السبيل” أصبحت خيالية تماماً ولا تطاق لأي إنسان متوسط الدخل.
لم يبق أمام هؤلاء الناس المهجورين من الجميع إلا خيار وحيد ومأساوي: التوجه إلى قلب المدينة المدمر، إلى شارع هنانو وشارع القوتلي، حيث المباني التي قصفت وتصدعت وتشققت وهجرها أصحابها خوفاً أو بحثاً عن مكان أفضل.
لم يخترها أحد لأنها جميلة أو آمنة أو حتى نظيفة، بل لأنها كانت ببساطة آخر محطة في رحلة بحث طويلة ومتعبة ومهينة.
يحدثنا أبو محمد، وهو نازح فلسطيني في الستين من عمره، قضى حياته متنقلاً بين المخيمات والمدن، بصوت يقطر حزناً وتعباً وانهزاماً: “والله يا ولدي، بحثنا في كل درعا، مشينا الشوارع والأزقة، سألنا الناس والسماسرة، كل بيت سليم نروح له يقولوا لنا الإيجار ميتين أو ثلاثمئة دولار، وأنا ما أقبض غير مئة وعشرين دولاراً إذا ضبطت الشهر كله وما تعطلت، صدقني، لم نجد إلا هذا الخراب، جدران مثقوبة بالرصاص وسقف منهار وبرد وحر، قلت لأولادي: إما هنا أو الشارع، فاخترنا هذا الخراب على الشارع، على الأقل فيه حيط يسترنا.”
رحلة الترميم من العقم وسوق الخراب المستعرة
لا يمكن لأحد أن يتخيل حجم الدمار الذي يعيش فيه هؤلاء الناس دون أن يرى بأم عينيه، عندما تدخل إلى أحد هذه المنازل في شارع هنانو، أول ما يصدمك هو الصمت الثقيل، ثم تبدأ التفاصيل بالظهور، لا أبواب، لا شبابيك، لا أسلاك كهرباء، لا أنابيب مياه، لا بلاط، لا شيء.
كل شيء كان موجوداً هنا قد سرق خلال سنوات الحرب والنهب والفوضى، الجدران مثقوبة بالرصاص كأنها غربال، والأسقف منهارة جزئياً فتارة ترى السماء من فوقك وتارة ترى كومة من الردم تحت قدميك.
بعض الجدران مائلة بشكل واضح وكأنها على وشك السقوط، والأرضيات مغطاة بالغبار والرماد وبقايا الزجاج المكسور وطلقات الرصاص الفارغة.
يصف لنا أبو محمد رحلته في ترميم هذا الخراب الذي أصبح بيته : “صدقني يا ابني، قضيت أسابيع كاملة وأنا أزيل الردم بيدي أنا وأولادي، بدون أدوات ولا معدات، كنا نحفر في الأنقاض بأيدينا العارية. كنا نخرج أكياس الرمل والتراب على ظهورنا، مددت أنابيب المياه من الشارع الرئيسي، مددت أسلاك الكهرباء من أعمدة الإنارة البعيدة، ودفعت للكهربائي أكثر من طاقتي، والسلك طويل والمواد غالية. الشبابيك ما لقيت غير خشب رخيص من النجارة القديمة، أما الأبواب الداخلية بين الغرف، فوالله ما قدرت أركبها، لسعرها العالي، فصار عندنا ستائر بسيطة نفصل بين الغرف. ننام والستارة تفصل بيني وبين أولادي. وكل هذا عشان بس أقول لنفسي: أنا ساكن في بيت، ولو كان خراب.”
إيجار هذه البيوت كما علمنا لا يقل عن مئة دولار بالتمام والكمال .
المفارقة الأكثر صدمة وإثارة للاستغراب أن هذه المباني التي نصفها بالخراب والآيلة للسقوط، والتي لا تستوفي أي شرط من شروط السكن الملائم أو حتى السكن الآدمي، تؤجر بعقود رسمية موثقة توقع في البلديات وتختم بالأختام.
كيف تسمح البلديات بهذا العبث القانوني والإنساني؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إيلاماً والأكثر إحراجاً للجهات الرسمية، في كل دول العالم المتحضر، بل حتى في الدول الفقيرة، عندما تؤجر أي وحدة سكنية، لا بد أن تكون صالحة للسكن، أو على الأقل أن تستوفي الحد الأدنى من معايير الأمان والسلامة الهندسية التي تضمن عدم تعرض حياة السكان – وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن – للخطر. هناك قوانين بناء، وقوانين إيجارات، وهناك مفتشون من البلدية يدققون ويحققون ويتأكدون قبل إصدار أي ترخيص بإيجار أو سكن.
لكن في درعا، في شارع هنانو وشارع القوتلي، يحدث العكس تماماً، العقود التي يحررها المؤجرون لأصحاب المباني لا تحمي المستأجر إطلاقاً، بل هي أداة قانونية لحماية المؤجر فقط، لضمان حقه في تحصيل المال كل شهر، دون أي التزام أو شرط أو بند يلزمه بتوفير بيئة آمنة أو سليمة أو حتى صالحة للسكن.
المؤجر يتقاضى إيجاراً شهرياً كاملاً مقابل جدران يمكن أن تسقط على رؤوس الأطفال في أي لحظة، وأسقف يمكن أن تنهار مع أول هزة خفيفة أو أول عاصفة أو حتى بدون سبب. ثم إذا أراد هذا المؤجر هدم المبنى بالكامل لإعادة بنائه وبيعه أو تأجيره بأسعار أعلى، فله كامل الحق القانوني في طرد العائلة المسكينة التي تسكن عنده، دون أي تعويض، ودون أي بديل، ودون أي التزام أخلاقي أو قانوني بتوفير مكان آخر.
أما المستأجر، الذي يدفع كل ما يملك، والذي ينام خائفاً كل ليلة، فلا ضمان له على الإطلاق، لا ضمان لسلامته الجسدية، ولا ضمان لسقف لا ينهار، ولا ضمان لمكان بديل إذا طرد في يوم من الأيام.
أين دعم المنظمات والهلال الأحمر والجمعيات الإنسانية؟
نصل الآن إلى نقطة مؤلمة ومفصلية تزيد الطين بلة، في الماضي، قبل سنوات، كان الوضع مختلفاً تماماً.
كان هناك هلال أحمر عربي سوري يتحرك، وكانت هناك جمعيات إغاثية محلية ودولية، ومنظمات إنسانية تصل إلى أدنى بقعة في درعا.
كثير من القاطنين في المباني المهدمة كانوا يتلقون دعماً حقيقياً وملموساً: كانوا يأتون ويركبون الشبابيك الجديدة، ويضعون الأبواب المتينة، ويقدمون خزانات المياه البلاستيكية، ومواد تنظيف، وبطانيات، وأحياناً مساعدات نقدية بسيطة، كان هناك من يشعرهم أن أحداً يراهم، أن أحداً يهتم، أن أحداً يحاول التخفيف عنهم ولو بقليل.
أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً، بل هو كارثة فوق كارثة. المهجرون الفلسطينيون والسوريون النازحون الذين يسكنون في هذه الخرائب لم يقدم لهم أي دعم يذكر، لا منظمات دولية تأتي، ولا جمعيات محلية تتحرك، ولا هلال أحمر يظهر، ولا مساعدات تصل، كأن هؤلاء الناس قد نسوا تماماً من قبل العالم، وكأن الخرائب التي يسكنونها ليست في مدينة درعا السورية بل في مكان منسي على حافة الكوكب.
سؤال الموت المؤجل والحلول المطلوبة التي لا تأتي
السؤال الأكثر إيلاماً وعمقاً وإزعاجاً للضمير، الذي يطرحه هؤلاء السكان على أنفسهم في صمت الليل، ويتداولونه بخوف ووجع بين الجدران المتصدعة، هو سؤال لا جواب له حتى الآن: إذا طلب منا صاحب المبنى إخلاءه في يوم من الأيام ،وهذا بدأ يحدث بالفعل مع عودة بعض أصحاب المباني أو ورثتهم – لإعادة بنائه أو هدمه بالكامل أو بيعه لمستثمر، أين سنذهب نحن؟ إلى أين سنتجه بعد كل هذه السنوات من الترحال والنزوح واللجوء؟
هذا السؤال ليس مجرد استفسار عابر، بل هو ذعر وجودي حقيقي، هو كابوس يومي يرافقهم من لحظة استيقاظهم حتى لحظة إغلاق أعينهم.
إنه يلخص مأساة إنسان لم يعد يملك في هذا العالم الواسع سوى القبر كمسكن أخير لا يطرد منه.
الحلول موجودة، ليست مستحيلة، وليست مكلفة إلى درجة يستحيل معها تحقيقها، يمكن للجهات المعنية، الحكومية والبلدية والمنظمات الإنسانية، أن تبدأ بتوفير بيوت مسبقة الصنع، كارافانات أو وحدات سكنية جاهزة، توضع في مناطق محددة داخل المدينة أو على أطرافها، وتكون مضمونة السلامة تماماً: لا رصاص فيها، لا تشققات، لا أسقف مهددة بالانهيار، ويمكن تأجير هذه البيوت الجاهزة لهذه العائلات المهجرة والنازحة بسعر معقول يتناسب مع دخلهم، ليس بالمجان بالضرورة لأن الجميع يدرك صعوبة الظروف الاقتصادية العامة، ولكن بمبلغ رمزي معقول يتراوح بين ثلاثين وأربعين وخمسين دولاراً شهرياً، بدلاً من مئة أو مئتي دولار يدفعونها اليوم مقابل خراب قاتل قد يسقط على رؤوس أطفالهم.
كما يمكن تقديم بدل سكني شهري مدروس للعائلات الأكثر احتياجاً، يتم تحديده بعد دراسة ميدانية دقيقة لأوضاع كل عائلة، معرفة دخلها الحقيقي، عدد أفرادها، وضعها الصحي، حاجتها الفعلية، ثم تقديم مبلغ يساعدها على توفير سقف آمن، ويمكن للبلديات أن تتدخل فوراً وتصدر قرارات واضحة وحازمة بمنع تأجير أي مبنى غير صالح للسكن أو آيل للسقوط، أو على الأقل فرض شروط أمان دنيا على المؤجرين قبل السماح لهم بتأجير عقاراتهم، ووضع عقوبات رادعة للمخالفين الذين يستغلون حاجة الناس المأساوية.