مخيم اليرموك… الإعمار العالق بين الركام وخلافات الورثة

مجموعة العمل – فايز أبو عيد

رغم مرور سنوات على توقف المعارك في مخيم اليرموك جنوب دمشق، ما تزال عودة الحياة إلى المخيم تسير ببطء ثقيل، فيما تبدو عملية إعادة الإعمار محاصرة بعقبات تتجاوز الدمار المادي إلى أزمات اجتماعية وقانونية واقتصادية متشابكة. فبين الركام المتراكم، والفقر الذي ينهك الأهالي، وخلافات الورثة التي تتفاقم مع الوقت، يقف سكان المخيم أمام واقع معقد يعطل ترميم البيوت وعودة العائلات.

أبنية مهدمة تهدد السكان

في شوارع المخيم وأحيائه، لا تزال الأبنية المدمرة شاهدة على سنوات الحرب، فيما تحولت بعض العقارات إلى مصدر خطر دائم على السكان والمارة، وسط غياب أي تدخل فعلي لإزالة الأنقاض أو تأهيل الأبنية المتضررة.

ويشير سكان إلى أن بناية “حمادة”، العائدة لرئيس بلدية اليرموك الأسبق ماهر حمادة، والواقعة عند تقاطع شارعي لوبية وصفد قرب حي الجاعونة، تمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فمنذ سنوات بقيت البناية على حالها، بعدما عجز الورثة عن الاتفاق على آلية التعامل مع العقار أو تحمل تكاليف إزالته وإعادة بنائه، بينما تستمر مخاطرها على المنازل المجاورة والمارة.

الركام يطوق أحياء كاملة

ولا تقتصر هذه المشاهد على شارع صفد وحده، إذ تتكرر الصورة ذاتها في حارات العروبة واليرموك وأحياء أخرى داخل المخيم، حيث بقيت أبنية كاملة مهجورة ومحاطة بالركام بسبب النزاعات بين الورثة، أو رفض بعضهم المشاركة في تكاليف إعادة البناء، ما أدى إلى تعطيل عودة عشرات العائلات إلى منازلها.

ويقول سكان إن أجزاء واسعة من المخيم ما تزال تبدو وكأنها خارج الحياة، رغم عودة بعض الخدمات وافتتاح عدد محدود من المحال والمرافق، في وقت تقف فيه الأبنية المدمرة حاجزًا أمام أي تعافٍ حقيقي.

خلافات الإرث… أزمة ما بعد الحرب

إلى جانب الدمار، برزت أزمة أخرى أكثر تعقيدًا تتعلق بالمنازل الموروثة داخل المخيم. فكثير من العائلات كانت قد قسمت البيوت شفهيًا بين الأبناء قبل الحرب، وعاشت كل أسرة في جزء محدد من العقار لسنوات طويلة دون تثبيت رسمي لهذه القسمة.

لكن بعد الدمار وارتفاع قيمة العقارات، عاد بعض الورثة للمطالبة بإعادة تقسيم الحصص وفق الإرث القانوني، متراجعين عن الاتفاقات القديمة، ما أدى إلى اندلاع نزاعات عائلية معقدة عطلت عمليات الترميم وإعادة البناء.

عشرات الورثة… وقرار مستحيل

ويؤكد متابعون للشأن الاجتماعي في المخيم أن بعض العقارات باتت تضم عشرات الورثة، يتوزعون بين سورية وعدة دول أخرى، ما يجعل الوصول إلى قرار موحد بشأن إزالة الأنقاض أو إعادة الإعمار شبه مستحيل، خصوصًا في ظل غياب لجان مختصة أو آليات قانونية مرنة تساعد على تسوية هذه الخلافات.

ويضيف هؤلاء أن الكثير من القضايا تبقى معلقة لسنوات، فيما تستمر الأبنية المهدمة بالتآكل والتحول إلى عبء إضافي على السكان.

الفقر يعطل العودة

في المقابل، تبدو القدرة المادية لمعظم الأهالي شبه معدومة أمام التكاليف الباهظة لإزالة الركام أو ترميم المنازل، مع الارتفاع الحاد في أسعار مواد البناء وأجور العمال. ويقول سكان إن كثيرًا من العائلات تعود إلى المخيم لتقف أمام منازلها المدمرة دون أن تملك أي إمكانية لإعادة تأهيلها.

وباتت العودة بالنسبة لكثيرين مرتبطة بالمساعدات أو المبادرات الإنسانية، في ظل غياب خطط دعم فعلية تساعد السكان على استعادة بيوتهم.

مطالب بحلول عاجلة

ويرى أبناء المخيم أن استمرار هذه الأزمات يهدد بإطالة معاناة اليرموك لسنوات إضافية، مطالبين الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية والخدمية بإطلاق برامج عاجلة لإزالة الأنقاض، وتقديم تسهيلات حقيقية لترميم المنازل، إلى جانب تشكيل لجان مختصة للمساعدة في حل النزاعات العقارية وقضايا الإرث.

ويؤكد الأهالي أن إعادة الحياة إلى اليرموك لا يمكن أن تتحقق عبر إعادة بناء الحجر فقط، بل تحتاج أيضًا إلى معالجة الآثار الاجتماعية والقانونية والإنسانية التي خلفتها سنوات الحرب والنزوح، بما يسمح للسكان باستعادة بيوتهم واستقرارهم بعد رحلة طويلة من المعاناة.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share