عبيدة السمنة – مجموعة العمل
لم تمنع الإصابة عبدالإله السمنة من العودة إلى الملعب، وإن كان هذه المرة على كرسي متحرك. فالشاب الفلسطيني البالغ من العمر 23 عاماً، والذي أصيب بشلل سفلي إثر سقوط قذيفة هاون خلال سنوات الحرب في سوريا، وجد في الرياضة مساحة جديدة لمواجهة واقع فرضته الإصابة، ووسيلة للحفاظ على حضوره الفاعل في المجتمع.
قبل إصابته كان السمنة لاعب كرة قدم، لكن تغير ظروفه الجسدية لم ينهِ علاقته بالرياضة. يقول: “بحكم حبي للرياضة لم أستطع الابتعاد عنها، لذلك اتجهت إلى كرة السلة على الكراسي المتحركة، وكانت بالنسبة لي بداية جديدة”.
قصة السمنة لا تبدو استثنائية بين الفلسطينيين من ذوي الإعاقة في سوريا، لكنها تكشف جانباً من واقع تعيشه هذه الفئة التي تواجه تحديات مضاعفة؛ تبدأ من الإعاقة نفسها، ولا تنتهي عند ضعف الخدمات وقلة الفرص المتاحة للمشاركة في الأنشطة الرياضية والاجتماعية.
ويؤكد السمنة أن الرياضة لم تكن مجرد نشاط بدني بالنسبة له، بل شكلت عاملاً أساسياً في تجاوز الآثار النفسية للإصابة. ويوضح أن الاحتكاك بأشخاص مروا بتجارب مشابهة أسهم في تعزيز ثقته بنفسه ومنحه دافعاً للاستمرار، مضيفاً أن الرياضة ساعدته على بناء شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية وأكسبته شعوراً أكبر بالاندماج مع محيطه.
لكن الطريق لم يكن سهلاً. فالتحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في المخيمات الفلسطينية تتجاوز حدود الملاعب والصالات الرياضية. إذ يشير السمنة إلى أن البنية التحتية غير المهيأة وصعوبة التنقل وغياب وسائل النقل المناسبة تشكل عقبات يومية تحد من قدرة الكثيرين على المشاركة في الأنشطة المختلفة.
ورغم الدور الذي يمكن أن تؤديه الرياضة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن واقع هذه الأنشطة داخل المخيمات الفلسطينية لا يزال محدوداً بل ومعدوماً، وفق ما يصفه السمنة، الذي يرى أن مستوى الاهتمام بهذه الفئة لا يتناسب مع احتياجاتها ولا مع قدراتها .
هذا الواقع يؤكده الحكم الدولي وعضو الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في سوريا عبدالسلام حلاوة، الذي يرى أن الرياضات الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة تعد من أكثر القطاعات الرياضية تهميشاً خلال السنوات الأخيرة.
ويقول حلاوة إن الاهتمام بهذه الرياضات كان موجوداً بدرجة محدودة في مراحل سابقة، إلا أنه توقف نتيجة الظروف التي مرت بها المؤسسات الرياضية الفلسطينية وضعف الموارد المتاحة لها، مشيراً إلى أن معظم الأنشطة الرياضية ترتبط بشكل مباشر بحجم التمويل والدعم المخصص لها.
ويضيف أن غياب الموازنات المخصصة للرياضات الخاصة أدى إلى انحسار المبادرات والبرامج التي تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة، رغم وجود أعداد كبيرة منهم في المخيمات الفلسطينية ممن يمتلكون القدرة والرغبة في ممارسة الرياضة إذا توفرت الإمكانات اللازمة.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع على الجانب الرياضي فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي أيضاً، إذ تحرم قلة الأنشطة والبرامج المتخصصة كثيراً من الأشخاص ذوي الإعاقة من فرص الاندماج والتفاعل مع المجتمع، ما يفاقم شعور بعضهم بالعزلة ويحد من حضورهم في الحياة العامة.
ورغم محدودية الدعم، يشير حلاوة إلى أن رياضيين فلسطينيين من ذوي الإعاقة تمكنوا خلال السنوات الماضية من تمثيل الرياضات الخاصة ضمن الاتحادات السورية، ولا سيما من مخيمي حمص وحلب، في دليل على وجود طاقات قادرة على تحقيق الإنجازات متى ما توفرت لها الفرصة.
وبينما يواصل عبدالإله السمنة تدريباته الرياضية في صالة الفيحاء بدمشق بشكل متقطع نتيجة ضعف الإمكانيات المادية ، تبدو قصته مثالاً على الفجوة القائمة بين الإمكانات المتاحة والطموحات الممكنة. فالشباب من ذوي الإعاقة، كما يقول، لا يحتاجون إلى معاملة استثنائية بقدر ما يحتاجون إلى فرص عادلة تمكنهم من المشاركة وإثبات قدراتهم.
ويختتم رسالته بدعوة أقرانه إلى عدم الاستسلام للعزلة، مؤكداً أن الاندماج في المجتمع والسعي المستمر نحو تحقيق الأهداف يبقى الطريق الأهم لتجاوز الصعوبات، حتى في أكثر الظروف تعقيداً.
وفي ظل استمرار غياب البرامج المنتظمة والدعم الكافي، تبقى الرياضة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ذوي الإعاقة في سوريا أكثر من مجرد نشاط ترفيهي؛ إنها مساحة للمقاومة اليومية في مواجهة التهميش، ومحاولة دائمة لإثبات الحضور في مجتمع لا يزال أمامه الكثير ليقدمه لهذه الفئة.