فايز أبو عيد
في الوقت الذي تتدفق فيه خطط الاستجابة الإنسانية لتغطية آثار الحرب في سورية، تكشف شهادات ميدانية ووثائق حقوقية عن فجوة غير مرئية تُقصي شريحة من اللاجئين الفلسطينيين، لا بسبب غياب الحاجة، بل نتيجة تعريفات إدارية لم تعد تواكب التحولات التي فرضتها الحرب.
شكاوى متكررة… وصوت لا يصل
خلال الأشهر الأخيرة، وثّقت جهات حقوقية عشرات الشكاوى الواردة من عائلات فلسطينية فقدت منازلها في المناطق المحاذية للمخيمات، خصوصاً في محيط دمشق. هذه العائلات، رغم تضررها المباشر من النزاع، لم تُدرج ضمن قوائم المتضررين الرسمية، ما حرمها من الاستفادة من برامج الدعم الإنساني.
تشير تقديرات حقوقية غير رسمية إلى أن آلاف الوحدات السكنية التي كان يقطنها لاجئون فلسطينيون في أطراف المخيمات تعرّضت لدمار كلي أو جزئي، دون أن تنعكس هذه الأرقام في السجلات المعتمدة.
خارج الحدود… خارج الحسابات
أبو شادي، لاجئ فلسطيني فقد منزله في منطقة الحجر الأسود، يروي تجربته قائلاً: “بيتي كان يبعد أمتاراً قليلة عن المخيم، لكن قيل لي إنه خارج حدوده الرسمية. النتيجة أنني غير مصنّف كمتضرر، وكأن ما حدث لم يكن”.
هذه الحالة ليست استثناءً. فالكثير من العائلات التي سكنت مناطق متداخلة عمرانياً مع المخيمات، وجدت نفسها اليوم خارج تعريف “اللاجئ المتضرر” وفق المعايير الإدارية القديمة.
أرقام رسمية… وواقع مختلف
وفق بيانات سابقة صادرة عن وكالة الأونروا، فإن أكثر من 120 ألف لاجئ فلسطيني في سورية نزحوا داخلياً خلال سنوات النزاع، فيما لا يزال عشرات الآلاف بحاجة إلى مساعدات غذائية ونقدية منتظمة.
إلا أن ناشطين يؤكدون أن هذه الأرقام لا تشمل بدقة أولئك الذين كانوا يعيشون خارج الحدود التنظيمية للمخيمات، رغم اندماجهم الكامل فيها اجتماعياً واقتصادياً.
“خرائط لا تعكس الحقيقة”
يرى المحامي والناشط الحقوقي نضال العيسى أن جوهر المشكلة يتجاوز المساعدات، ليصل إلى مسألة الاعتراف القانوني:
“الخرائط الإدارية للمخيمات وُضعت قبل عقود، ولم تُصمَّم للتعامل مع التمدد العمراني أو التداخل السكاني. الاستمرار في اعتمادها اليوم يؤدي عملياً إلى استبعاد فئات كاملة من حقوقها”.
مفارقة في توزيع الدعم
تكشف الشهادات عن خلل آخر يتمثل في توزيع المساعدات. ففي بعض الحالات، تحصل عائلات أقل تضرراً على دعم منتظم بناءً على تسجيلات قديمة، بينما تُحرم عائلات فقدت مساكنها بالكامل.
أم لينا، أرملة تعيل ثلاثة أطفال، تصف وضعها قائلة: “منزلي في حي التضامن دُمّر بالكامل. سجّلت أكثر من مرة، لكن الرد دائماً: لستِ من سكان المخيم. السؤال: أين أذهب؟”.
فجوة العدالة الاجتماعية
هذه الحالات تسلط الضوء على ما يمكن وصفه بـ”فجوة العدالة الاجتماعية”، حيث تتحول المعايير الإدارية إلى عائق أمام وصول المساعدات، بدل أن تكون أداة لتنظيمها.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئة، خصوصاً في ظل غياب بدائل سكنية أو مصادر دخل مستقرة.
دعوات لإعادة النظر
في ضوء هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات لمراجعة شاملة لآليات التصنيف والإدراج في برامج الإغاثة، بما يشمل: تحديث قواعد البيانات بما يعكس الواقع الميداني الحالي، إنشاء سجل خاص بالعائلات المتضررة خارج المخيمات، توضيح معايير الاستثناء التي أدت إلى حرمان هذه الفئة، إدماج هذه الحالات ضمن أي خطط إنسانية مستقبلية
أزمة اعتراف… قبل أن تكون أزمة مساعدات
تكشف هذه القضية أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص الموارد، بل بغياب الاعتراف الرسمي بوجود فئة متضررة خارج الإطار التقليدي.
وبينما تستمر عمليات الإغاثة، يبقى سؤال أساسي مطروحاً: هل يمكن للخرائط القديمة أن تحدد من يستحق المساعدة في واقع تغيّر بالكامل؟
رغم الدمار… آلاف الفلسطينيين في سوريا خارج قوائم المتضررين بسبب التصنيف الإداري