حين يصبح حق السكن حلماً مؤجلاً تداعيات صعوبة تملّك اللاجئة الفلسطينية للعقار في سوريا بين القانون والواقع

بقلم: أ. باسم يونس السبع
محامٍ وباحث قانوني
في خضم النقاشات القانونية والاجتماعية الدائرة حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، تبرز قضية تملّك العقار بوصفها واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بالاستقرار الإنساني والأسري.
حيث تزداد أهمية هذه القضية عندما تتعلق بالمرأة الفلسطينية، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة المشروعة إلى السكن والاستقرار، وبين إجراءات إدارية طويلة ومتداخلة تجعل الوصول إلى هذا الحق أكثر صعوبة.
فالمرأة الفلسطينية في سوريا لم تعد كما كانت قبل عقود.
فهي اليوم طبيبة وصيدلانية ومهندسة ومحامية وأستاذة جامعية وصاحبة مشروع وعاملة ومعيلة لأسرتها في كثير من الحالات.
وقد أمضت سنوات طويلة في التعليم والعمل وبناء مستقبلها، شأنها شأن أي مواطنة أو مقيمة تسعى إلى تأمين الحد الأدنى من الاستقرار لنفسها ولعائلتها.
ومع ذلك، تجد بعض النساء أنفسهن أمام تساؤل بسيط في ظاهره، عميق في آثاره.
هل أستطيع شراء منزل وتسجيله بإسمي بصورة قانونية مستقرة ..؟
هذا السؤال لا يرتبط بالرغبة في الاستثمار أو المضاربة العقارية، بل يتعلق في جوهره بحق السكن والأمان والاستقرار.
المسكن بالنسبة للأرملة ليس مجرد عقار، بل ضمانة لمستقبل أبنائها.
وبالنسبة للمطلقة يمثل بداية جديدة لحياة مستقلة.
أما بالنسبة للعزباء التي أفنت سنوات عمرها في الدراسة والعمل، فإنه يمثل ثمرة جهدها ووسيلة لحماية نفسها من تقلبات المستقبل.
ومن الناحية القانونية، فإن الأصل في “القانون المدني السوري” أن الإنسان يتمتع بالأهلية الكاملة لمباشرة حقوقه المدنية متى بلغ سن الرشد وتمتع بقواه العقلية.
كما أن الملكية الخاصة تحظى بحماية قانونية راسخة، وتُعد من الحقوق الأساسية التي لا يجوز تقييدها إلا بموجب نصوص واضحة ومحددة.
كما أن مبادئ العدالة والمساواة التي تقوم عليها الأنظمة القانونية الحديثة تفترض أن تكون الحقوق المدنية “متاحة” لجميع الأشخاص ضمن الحدود التي يرسمها القانون، دون تمييز غير مبرر، وبما يحقق الاستقرار الاجتماعي ويحفظ كرامة الإنسان.
“ومن هنا تبرز ملاحظة قانونية بالغة الأهمية.”
إن الإشكالية التي تواجهها اللاجئة الفلسطينية اليوم لا تتمثل، في كثير من الحالات، بوجود نص قانوني صريح يحرمها من التملك بشكل مطلق، وإنما في تعقيدات إدارية وإجرائية مرتبطة بالموافقات والدوائر المختصة وآليات التطبيق العملي.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين وجود “منع قانوني ووجود صعوبة إجرائية”.
فالمنع القانوني ـ يفترض وجود نص واضح وصريح يقضي بحرمان فئة معينة من ممارسة حق محدد.
أما التعقيد الإداري ـ فيعني أن الحق يبقى قائماً من حيث المبدأ، لكنه يصبح أكثر صعوبة في الممارسة بسبب طول الإجراءات أو تعدد الموافقات أو غياب الوضوح في التطبيق.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أن صاحب الحق يشعر مع مرور الوقت وكأن الحق نفسه غير موجود، رغم أن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريق المؤدي إليه لا في أصل وجوده.
ولا تقف آثار هذه الإشكالية عند حدود المعاملة العقارية، بل تمتد إلى جوانب إنسانية ونفسية عميقة.
فالمرأة التي تعجز عن تسجيل منزل باسمها تعيش حالة من القلق المستمر بشأن مستقبلها ومستقبل أسرتها.
وتزداد هذه المخاوف عندما تضطر إلى اللجوء لحلول غير مستقرة قانونياً ، كتسجيل العقار باسم قريب أو صديق أو أحد أفراد الأسرة من أجل تجاوز العقبات الإجرائية.
وفي هذه الحالة تتحول المشكلة من تعقيد إداري مؤقت إلى خطر قانوني دائم.
العقار المسجل “باسم الغير” يصبح من الناحية القانونية جزءاً من ذمته المالية، وقد يتأثر بالوفاة أو الإرث أو الحجوزات أو النزاعات العائلية أو تغير العلاقات الشخصية، الأمر الذي قد يهدد الحقوق التي سعت المرأة أصلاً إلى حمايتها.
كما ينعكس ذلك على الشعور بالاستقلال والكرامة.
فالمرأة التي تمتلك القدرة العلمية والمهنية والمالية على شراء منزل، لكنها لا تستطيع تسجيله باسمها بصورة مستقرة، قد تشعر بأنها عاجزة عن ممارسة حق طبيعي يفترض أن يكون متاحاً لها ضمن إطار القانون.
وتزداد هذه المعاناة لدى الأرامل والمطلقات وكبيرات السن والعائدات من الخارج، اللواتي لا يبحثن عن امتياز خاص أو معاملة استثنائية، بل عن استقرار مشروع ينسجم مع احتياجاتهن الإنسانية والاجتماعية.
ومن هنا فإن القضية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد ملف عقاري أو إجراء إداري، بل باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالأمن الاجتماعي والأسري، وبقدرة المرأة الفلسطينية على بناء حياة مستقرة ومستقلة قائمة على الثقة بالقانون وحماية الحق.
ختـاماً ـ نحو مقاربة قانونية أكثر إنصافاً واستقراراً
إن معالجة إشكالية تملّك اللاجئة الفلسطينية للعقار في سوريا لا ينبغي أن تبقى محصورة ضمن الإطار الإجرائي الضيق، بل تستدعي مقاربة قانونية وإدارية أكثر توازناً ، تعيد الاعتبار للغاية الأساسية من القاعدة القانونية، وهي حماية الحقوق لا تعطيلها.
وعليه، فإن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتملك، وتوحيد المرجعيات المختصة، وتقليل تعدد الموافقات غير الضرورية، بما يضمن وضوح المسار القانوني أمام المرأة الفلسطينية دون إرباك أو تأخير غير مبرر. كما يمكن النظر في اعتماد آليات أكثر مرونة في الإثبات والتسجيل العقاري، تراعي خصوصية أوضاع اللاجئين، دون المساس بأحكام الملكية أو قواعد الأمن القانوني.
ومن المهم أيضاً تعزيز الدور الرقابي على التطبيق الإداري للقوانين، بما يمنع توسع التفسير أو التعقيد غير المبرر الذي قد يحوّل الحق المشروع إلى عبء إجرائي.
سيادة القانون لا تقاس بوجود النصوص فحسب، بل بمدى سهولة ونزاهة تطبيقها على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، فإننا نناشد المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، والمؤسسات المعنية بحقوق المرأة واللاجئين، إلى تسليط الضوء على هذه الإشكالية بوصفها جزءاً من الحق في السكن والأمان القانوني والكرامة الإنسانية، والعمل على إدماج حقوق اللاجئة الفلسطينية في التملك ضمن إطار متوافق مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بحقوق المرأة اللاجئة في الاستقرار والسكن وعدم التمييز.
كما ندعو إلى فتح حوار قانوني جاد بين الجهات التشريعية والإدارية والهيئات الحقوقية، بهدف الوصول إلى حلول عملية توازن بين اعتبارات السيادة القانونية للدولة من جهة، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان من جهة أخرى.
إن تمكين المرأة الفلسطينية من التملك العقاري بصورة آمنة ومستقرة ليس امتيازاً ، بل هو جزء من حقها الطبيعي في الحياة الكريمة، والاستقرار الأسري، وبناء مستقبل قائم على اليقين القانوني لا على الهشاشة الإدارية.
وفي النهاية، فإن حماية هذا الحق تمثل استثماراً في الاستقرار الاجتماعي، وتعزيزاً لثقة الأفراد بالقانون، وترسيخاً لمبدأ أن العدالة لا تكتمل إلا حين تكون الحقوق قابلة للممارسة لا مجرد نصوص على الورق.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share