” قراءة في طواحين هولندا والراعي والمخاض حين يلد المنفى حكاياه “

فايز أبو عيد
في زمن باتت فيه الكتابة الأدبية تتقنع وراء أقنعة التجريب الباردة، وتغرق في التنظير المجرد الذي يخاطب النخبة ويهجر الناس، يخرج علينا الكاتب والباحث نبيل محمود السهلي بمجموعته القصصية “طواحين هولندا والراعي والمخاض” ليقول كلمته بهدوء العارفين، وبصدق من خبر الحياة قبل أن يكتبها.
إنه عمل لا يشبه إلا روح صاحبه، عمل يرفض التصنيف السهل، فهو ليس مجموعة قصص قصيرة جداً بالمعنى التقني المتعارف عليه، وليس سيرة ذاتية تقليدية تؤرخ للوقائع الجافة، بل هو ما يمكن أن نطلق عليه “شريط حياة مكثف”، أو “اعترافات إنسان عاش التفاصيل بكل جوارحه قبل أن يخطها بقلمه”.
في مقدمته الموجزة التي لا تخلو من عناد لطيف، يضع السهلي شرطه الواضح الذي يشكل بيانه الفني والأخلاقي: لا فضاءات من الخيال العلمي، لا لغة سجع متكلفة، بل مشاهدات وشخوص حقيقية عايشها منذ نعومة أظفاره، وفي مقدمتها والده ووالدته رحمهما الله، وأهله جميعاً، وزوجته، وأولاده، وبناته وأحفاده.
إنها، ببساطة، “قصص حياة ليس إلا”، وفي هذا التصريح المتواضع يكمن المفتاح السحري لفهم جوهر هذا العمل الاستثنائي، فما يقدمه لنا السهلي ليس أدباً بالمعنى التخييلي، بل هو الحياة نفسها بعد أن تم غربلتها بمصفاة الذاكرة والوجدان، لتتحول إلى ومضات مضيئة تنير دروباً شائكة ومعتمة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ليس تاريخ القادة والزعماء والمفاوضات، بل تاريخ الناس العاديين الذين حملوا القضية في قلوبهم ونعالهم وخطواتهم اليومية المرهقة.
يُقدم لنا السهلي، بانوراما كاملة ومدهشة للهوية الفلسطينية المعاصرة، هوية لم تعد فقط أسيرة الجغرافيا الأولى التي تبلغ مساحتها 27009 كيلومترات مربعة، بل صارت هوية إنسان متناثر، شتته الرياح في أصقاع الأرض، لكنه يعيد تجميع ذاته المكسورة، ليس بالسياسة ولا بالشعارات، بل بالحكاية.
يرسم الكاتب خريطة حياته الممتدة، وكأنه يرسم خريطة الشتات الفلسطيني برمته، من “حارة الجمالة” في كفرسوسة الدمشقية حيث ولد في الثالث من تموز عام 1958، مروراً بـ”حارة السهلية” في منطقة التضامن بمخيم اليرموك الذي ترجل إليه مع والده في أيلول من عام 1964، حيث اشترى الوالد أربع قصبات أرض وعمر بها غرفتين كانت أبوابهما بطانيات سوداء من إعاشة الأونروا، وليس انتهاءً بـ”قرية هيزة” الوادعة قرب مدينة آيندهوفن في جنوب هولندا، تلك المملكة البعيدة التي منحته هوية لجوء جديدة وجاراً اسمه فرانس، وهو كتلة إنسانية بلغت من العمر 92 عاماً، أصبح أباً وأخاً وصديقاً غالياً دون أن يسأله يوماً عن دينه. إنها رحلة اللجوء الفلسطيني الطويل بامتياز، تلك الرحلة التي بدأت من رحم النكبة ولم تنته بعد، رحلة تتشظى خلالها العائلات وتتمزق، كما حدث مع عائلته تماماً حين هاجر قسرياً من اليرموك بقوة القصف من “النظام الساقط” إلى لبنان في نهاية عام 2012، ليقيم في منطقة وادي الزينة بين بيروت وصيدا، ثم لتقرر زوجته ربيعة وابنتاه نور وابنه محمد ركوب البحر صوب القارة العجوز في رحلة لجوء جديدة بدأت في كانون الثاني 2015 لتصل إلى هولندا في العام التالي، تاركين إياه وابنه أشرف وابنته آلاء في لبنان، قبل أن يكتمل لم الشمل بعد عامين من الانتظار القاسي في مطلع 2018.
اللافت في هذا السرد، وهذا ما يميز المجموعة حقاً، أن السهلي لا يكتب مذكرات نخبوية ولا تاريخاً رسمياً، بل يكتب تاريخاً من أسفل، تاريخ الناس المنسيين الذين لا تذكرهم نشرات الأخبار.
بطله ليس قائداً سياسياً أو مفكراً كبيراً، بل أبوه محمود صالح السهلي، العامل البسيط الذي كان يعمل في بلاط الأرصفة خلال عطلة الصيف، والذي كان يستمع معه صباحاً إلى إذاعة لندن قبل الذهاب إلى المدرسة، برنامج “السياسة بين السائل والمجيب”، ليتعلم منه عواصم دول العالم ويحفظ أسماء رؤسائها.
بطلته أمه صفية، التي كانت تردد بقلق الأمهات الأبدي يوم هرب ابنها إلى لبنان للمشاركة في حصار بيروت، والتي رحلت في نيسان 2007 لتبدأ رحلة “ألم الفقد الشديد”.
أبطاله هم رفاق الحي الذين يحملون أسماء قراهم الأصلية كألقاب دائمة لا تفارقهم، في واحدة من أبدع لقطات المجموعة بأكملها، حين يقول: “عندما كان يبحث عني هيثم وعلي ويطرقون دقار باب بيتنا، بعد عودتي إلى المنزل تقول لي والدتي صفية وكذلك والدي محمود رحمهما الله: إجا هيثم الصفدي وعلي البروة”، في هذه الجملة البسيطة، المقتضبة، يختزل السهلي ببراعة لافتة كيف حوّل الفلسطيني قراه المحتلة إلى هوية متحركة، إلى علم يرفعه في المنفى، إلى جواز سفر معنوي يطارد به أبناءه. إنها لقطة سينمائية بديعة، شعرية في اقتصادها وغنية في دلالاتها: أطفال المخيم يركضون في أزقته الضيقة، حاملين في أسمائهم الأولى وفي نداءات أمهاتهم جغرافية مسروقة، صفد والبروة، كأنما القرية لم تحتل بعد، وكأنما هي ما زالت حية تسكن في الاسم وفي النداء اليومي.
في قلب هذه المجموعة الحميمة، نجد اعترافاً موجعاً وصادقاً يتعلق بمهنة الكتابة ذاتها، يصف السهلي تجربته الصحفية الطويلة بمرارة هادئة، قائلاً إنها “موسم مشمشي”، وإنها كانت مسارات عسيرة “بسبب بؤسها ومالها السياسي”، حيث عندما يتغير رئيس التحرير يغيب الكثير من الكتاب، على قاعدة “سياسة إعلامية” لا ترى في الكاتب أكثر من أداة، في مقابل هذا “البؤس”، يضع الكاتب قدسية الحكاية. هو لا يريد كتابة مقال آخر من مئات المقالات التي نشرها في كبريات الصحف العربية مثل النهار والسفير والشرق الأوسط والحياة، بل يريد أن يترك “قصة”، يريد أن يصير “قاصاً” بعد أن كان كاتباً سياسياً.
هناك خيبة أمل دفينة ومضمرة من عالم الكتابة المؤدلجة والخاضعة للحسابات، وهذا ما يفسر عودته المتأخرة، بعد أن خبر الحياة وخبر المهنة، ليكتب بهذه الطريقة العارية من أي زيف.
في قصته عن معلمه وقدوته جورج ناصيف، كاتب صحيفة النهار الذي رحل بعد صراع مع المرض، نكتشف مصدراً من مصادر هذه النزاهة، ذلك الرجل الذي كان يستمع إليه شهرياً ويسجل نصائحه المنهجية في كراس خاص، والذي علمه أن الكتابة الحقيقية تتجاوز المطبات السياسية لتلامس الإنسان.
وفي قصته عن كتابه “قريتي بلد الشيخ”، الذي لم يتبق منه سوى نسختين عند أهله في دمشق، نكتشف أن قيمة المعرفة الحقيقية بالنسبة له تكمن في أثرها الإنساني وفي الوفاء للجذور، لا في شيوعها أو في عدد النسخ المبيعة.
السهلي في هذه المجموعة لا يكتب قصصاً قصيرة جداً بالمعنى التقني المتعارف عليه في ورشات الكتابة، بل يكتب ما يمكن أن نسميه “لقطات خاطفة للروح”، أو “ومضات وجودية”. إنه يعيد الاعتبار للحكمة الشعبية بوصفها فلسفة حياة كاملة، ويستل من ذاكرة والده ووالدته وأعمامه وخالاته ومخيم اليرموك درراً من الحكمة المكثفة.
انظر كيف يوجز مصيراً دراسياً ومستقبلاً كاملاً في نصيحة قالها له اللاعب الفلسطيني اللامع أحمد طالب تميم “أبو بابل” رحمه الله: “الفطبول لا يطعم خبزاً”، فكانت نصيحة بجمل، جعلته يترك حلمه في كرة القدم ويكمل تحصيله العلمي.
وانظر كيف يوجز فلسفة اجتماعية متكاملة في قول العم أبو عبيدة رحمه الله: “الدراهم كالمراهم”، في إقرار بأن للمال دوراً في تضميد جراح الحياة، وهو ما تجسد عملياً في تجربة “صندوق العائلة” الذي كان بمثابة بلسماً لعدد من عائلات قريته، هذه اللغة السهلة التي قال في مقدمته إنها “قد تدخل أي قلب”، هي أصعب أنواع الكتابة وأكثرها تعقيداً، لأنها تتطلب صدقاً مطلقاً وثقة كاملة بأن التجربة الإنسانية الخالصة قادرة على الوصول دون حاجة إلى زخرفة لفظية أو تعقيد شكلي. إنها كتابة من ضرب كتابة “السهل الممتنع” بامتياز، حيث تختبئ البراعة تحت بساطة ظاهرية مخادعة.
ثم، في ذروة المجموعة وعنوانها، تأتي القصة التي تحمل اسم “الراعي والمخاض”، والتي تصلح لأن تكون بياناً شعرياً وفنياً للكتاب بأكمله، بل ومجازاً كبيراً لدور السهلي نفسه ككاتب وإنسان. يحكي لنا، ببساطة آسرة، مشهداً صيفياً في منطقة وادي الزينة اللبنانية قرب صيدا عام 2016. إنه يدخن سيجارته خارج منزله المستأجر، حين يعود “العم الراعي” عصراً بقطيعه بعد ساعات من الرعي في تلال الوادي الجميلة، وفجأة، يأتي المخاض لمعزاة اسمها “الظبية” أمام بيته بالضبط، في مشهد لا يخلو من قداسة بدائية، يقوم الراعي بمساعدة الماعز على الولادة، فتلد جَدياً أو سخلة، ويقوم هو بنفسه بتنظيف المولود الجديد من دم المشيمة، ثم يساعد الأم على النهوض والمشي من جديد، ويسير معهما في الطريق.
هذا المشهد الريفي الهادئ ليس مجرد لقطة ريفية عابرة في ذاكرة المنفى، بل هو استعارة كبرى لدور الكاتب والإنسان في هذه المجموعة كلها، فالسهلي، مثل ذلك الراعي، لا يتدخل ليخلق الحياة من العدم، ولا ليفرض على المادة الخام شكلاً غريباً عنها، بل هو حاضر فقط، بصبر وحب وانتباه، ليسهل “المخاض”؛ مخاض الذاكرة الجريحة وهي تلد نفسها من جديد، ومخاض المنفى وهو يتحول إلى وطن صغير في الحكاية، ومخاض الحكاية نفسها وهي تخرج إلى النور، إنه قابِلُ القصص، لا صانعها المتعالي، وهنا يكمن سر صدقه المدوي الذي يزلزل القارئ ويمنحه شعوراً بأنه لا يقرأ أدباً، بل يعيش حياة.
لكن، ورغم كل هذا الألم الذي يتخلل الصفحات، من نكبة وتهجير وحصار بيروت الذي اشترك فيه 87 يوماً “دون أن يشاهد عدوه قط”، وألم فقد الوالدين، ومشقة الغربة، و”اشتياق وحنين جامح للاهل والخلان والأصدقاء وللقعدة بمحل محمد ياسين للخياطة”، فإن المجموعة في جوهرها العميق هي أغنية حب هائلة للحياة، وهي شهادة امتنان لا تنتهي، هو كتاب عن “هبة الله”، زوجته ربيعة محمد عبد الغني، ابنة صفورية، وعن الشمعات الخمس: أشرف وهديل وآلاء ونور ومحمد، “أغلى الغوالي في هذا الكون”. وهو كتاب عن “جنة الله في الأرض”، الحفيدين دانيال “دانيلوتي” ابن آلاء، وتيم “تيموتي” ابن هديل، وهو كتاب عن الصداقة التي تزهر في أكثر الأمكنة بعداً وقسوة، في لبنان حيث لم يتحسس ألم اللجوء بين الأهل، وفي هولندا حيث وجد الأخوين خالد أيوب وعمر عبد النبي، والجار فرانس الهولندي الذي لا يسأل عن دينه ولا غيابه.
في نهاية هذه الرحلة، وبعد حياة حافلة بالمنعطفات الحادة من لاعب كرة ومنتخب جيش، إلى إحصائي، إلى صحفي وباحث، إلى “قاص”، يقف نبيل محمود السهلي ليقدم لنا خلاصته الأخطر: يمكن للجغرافيا أن تتغير، ويمكن للطواحين الهولندية أن تدور في الأفق بدلاً من حقول الزيتون في بلد الشيخ بحيفا، لكن الإنسان الذي يحمل في قلبه “الراعي والمخاض” معاً، والذي يفهم أن الحياة دورة متصلة من الألم والميلاد، من الفقد والعطاء، يظل قادراً على أن يلد الفرح من رحم الألم، وأن يجد في كل منفى وطناً صغيراً يبنيه بالكلمة الصادقة والذكرى الطيبة والصداقة الحقيقية.
رسالته التي يؤمن بها، والمقولة المأثورة عن محمود درويش التي جعلها تذييلاً لمقالاته: “هذه الأرض لا تتسع لهويتين.. إما نحن أو هم.. نحن الباقون وهم العابرون”، تتحقق هنا بشكل مختلف، فهو باقٍ بإنسانيته وبحكاياته وبأبنائه وأحفاده، بينما العابرون الحقيقيون هم أولئك الذين لا يتركون أثراً إنسانياً في هذا العالم، هذه المجموعة، بكل تواضعها وجمالها، تثبت أنهم باقون، وأن الحكاية أقوى من البندقية، وأن “الدار دار أبوهم”، رغم كل شيء.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share