بين الحدود المغلقة والهوية المعلّقة حق اللاجئ الفلسطيني السوري في السفر والعودة وفق القانون الدولي

بقلم: أ. باسم يونس السبع
محامٍ وباحث قانوني

هناك أوجاع لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأبواب التي تُغلق في وجه الإنسان وهو يحاول أن يعيش حياةً طبيعية.
فالطفل الفلسطيني المولود في سوريا يكبر وهو يسمع عن وطنٍ لم يره، ويحمل وثيقة سفر لا تمنحه حرية السفر، ويعيش في بلد أحبّه وانتمى إليه لكنه ما زال يُعامل قانونياً بوصفه لاجئاً ينتظر حلاً لم يأتِ منذ أكثر من سبعة عقود.
وعندما يصبح شاباً، يكتشف أن الرحلة إلى الجامعة، أو فرصة العمل في الخارج، أو حتى زيارة قريب مريض في دولة أخرى، قد تتحول إلى معركة قانونية وإدارية طويلة بسبب القيود المفروضة على وثائق السفر وحركة التنقل.
أما عندما يتقدم به العمر، فإن معاناته لا تنتهي عند حدود العمل أو الدراسة، بل تمتد إلى أبسط الحقوق الإنسانية والدينية.
فكثير من اللاجئين الفلسطينيين السوريين أمضوا أعمارهم وهم يحلمون بأداء فريضة الحج أو العمرة، إلا أن تعقيدات السفر وصعوبة الحصول على التأشيرات والقيود المرتبطة بوثائقهم حالت بينهم وبين تحقيق هذا الحلم المشروع الذي يتمناه كل مسلم.
المفارقة المؤلمة أن “القانون الدولي” لحقوق الإنسان ينظر إلى حرية التنقل والسفر والعودة باعتبارها حقوقاً أساسية ملازمة للكرامة الإنسانية، بينما يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين السوريين واقعاً مختلفاً، يجدون فيه أنفسهم عالقين بين حدود الدول، وإجراءات الهجرة، وتعقيدات الوثائق، ومخاوف فقدان حق العودة إلى الأماكن التي عاشوا فيها واستقروا بها.
إن قضية السفر والعودة بالنسبة “للاجئ الفلسطيني السوري” ليست مسألة إدارية أو تنظيمية فحسب، بل هي قضية ترتبط بالهوية والكرامة والاستقرار والأسرة والعمل والتعليم والعبادة.
لذلك فإن أي نقاش قانوني جاد حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين السوريين يجب أن ينطلق من الإنسان أولاً، ومن احترام الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، قبل النظر إلى الاعتبارات السياسية والإدارية.
حرية التنقل والسفر حق أصيل في القانون الدولي
لم تعد حرية التنقل والسفر في القانون الدولي الحديث مجرد امتياز تمنحه الدول للأفراد متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل أصبحت حقاً أساسياً من حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً.
فقد نصت المادة ـ (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، كما يحق له مغادرة أي بلد والعودة إليه.
كما أكدت المادة ـ (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق باعتباره من الحقوق الأساسية الملازمة للإنسان.
وتنبع أهمية هذه النصوص من أنها لا تميز بين البشر على أساس الجنسية أو الأصل أو الانتماء القومي، وإنما تستند إلى مبدأ عالمي يتمثل في صون الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان الأساسية.
ومن هنا فإن اللاجئ الفلسطيني السوري يتمتع من حيث المبدأ بحق التنقل والسفر والعودة شأنه شأن أي إنسان آخر، غير أن الواقع العملي كثيراً ما يقف حائلاً بين الحق القانوني وممارسته الفعلية.
الفلسطيني السوري ومعضلة وثيقة السفر
إذا كانت الجنسية بالنسبة لمعظم شعوب العالم جسراً يعبرون من خلاله إلى فرص التعليم والعمل والسفر، فإن وثيقة السفر بالنسبة لكثير من اللاجئين الفلسطينيين السوريين تحولت إلى عبء يحد من حركتهم بدل أن ييسرها.
ففي الوقت الذي تسمح فيه جوازات السفر الوطنية لحامليها بالوصول إلى عشرات الدول، يجد حامل الوثيقة الفلسطينية نفسه أمام إجراءات أكثر تعقيداً، وتأشيرات أكثر صعوبة، وشكوك إدارية متكررة لا علاقة لها بشخصه أو مؤهلاته، وإنما بوضعه القانوني الاستثنائي.
وقد برزت هذه الإشكالية بصورة أشد خلال سنوات الحرب السورية، عندما اضطر آلاف الفلسطينيين السوريين إلى النزوح والبحث عن الأمان خارج البلاد، ليكتشفوا أن معركة الخروج من الحرب قد تكون أحياناً أسهل من معركة العبور عبر الحدود.
فكثيرون وجدوا أنفسهم عالقين في المطارات أو على المعابر، أو عاجزين عن الحصول على تأشيرات دخول، أو محرومين من فرص دراسية ومهنية بسبب القيود المفروضة على وثائقهم.
وهنا تظهر فجوة حقيقية بين المبادئ التي يكرسها القانون الدولي وبين الواقع الذي يعيشه اللاجئون على الأرض.
حق العودة بين القانون والسياسة
يشكل حق العودة أحد أكثر الحقوق رسوخاً في القضية الفلسطينية، فهو ليس مطلباً سياسياًعابراً، بل حق قانوني أكدت عليه قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي المتعلقة باللاجئين والمهجرين قسراً.
وقد كرس القرار ـ 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.
غير أن الفلسطيني السوري يعيش اليوم حالة قانونية وإنسانية مركبة؛ فهو يتمسك بحقه التاريخي في العودة إلى فلسطين، وفي الوقت ذاته يسعى للحفاظ على حقه في العودة إلى الأماكن التي عاش فيها لعقود داخل سوريا قبل أن تدفعه الحرب إلى النزوح واللجوء.
إن حق العودة لا ينبغي أن يبقى رهينة التجاذبات السياسية، لأن جوهره يتعلق بحماية الإنسان من الاقتلاع الدائم وفقدان الانتماء والاستقرار.
عندما تصبح فريضة الحج حلماً مؤجلاً
من أكثر المشاهد إيلاماً تلك التي نراها لدى كبار السن من اللاجئين الفلسطينيين السوريين الذين أمضوا سنوات طويلة يحلمون بزيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحج أو العمرة.
ففي الوقت الذي يتمكن فيه ملايين المسلمين من ترتيب رحلاتهم الدينية بصورة طبيعية، يجد بعض اللاجئين أنفسهم أمام عقبات قانونية وإدارية ترتبط بالوثائق والتأشيرات وإجراءات السفر.
وكم من رجل أو امرأة بلغا من العمر عتياً كانا يأملان أن يختتما حياتهما بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، لكن التعقيدات المرتبطة بوضعهما القانوني حالت دون ذلك.
إن حرية التنقل ليست مرتبطة بالعمل أو الدراسة فحسب، بل تمتد لتشمل ممارسة الشعائر الدينية والحقوق الروحية التي تشكل جزءاً أصيلاً من الكرامة الإنسانية التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية على حد سواء.
نحو رؤية أكثر عدالة
إن معالجة معاناة اللاجئين الفلسطينيين السوريين في مجال السفر والتنقل لا تتطلب إنشاء حقوق جديدة بقدر ما تتطلب احترام الحقوق القائمة أصلاً.
فالمطلوب اليوم هو تطوير سياسات قانونية أكثر إنصافاً تضمن حرية الحركة، وتخفف القيود غير المبررة على وثائق السفر، وتتيح فرص التعليم والعمل والعلاج ولمّ الشمل الأسري، وتمكن كبار السن من الوصول إلى الأماكن المقدسة لأداء شعائرهم الدينية.
كما أن تعزيز الاعتراف الدولي بوثائق السفر الخاصة باللاجئين الفلسطينيين من شأنه أن يخفف جانباً مهماً من المعاناة اليومية التي يعيشها عشرات الآلاف منهم في مختلف أنحاء العالم.
ختـاماً ـ لا يطلب اللاجئ الفلسطيني السوري امتيازات استثنائية، ولا يسعى إلى معاملة تفضيلية على حساب الآخرين.
كل ما يطالب به هو أن يُعامل بوصفه إنساناً كامل الحقوق، له الحق في أن يسافر، وأن يتعلم، وأن يعمل، وأن يجتمع بأسرته، وأن يؤدي عبادته، وأن يعود إلى المكان الذي ينتمي إليه.
“بين الحدود المغلقة والهوية المعلّقة، وبين النصوص القانونية الثرية والواقع المليء بالعقبات” تستمر معاناة اللاجئ الفلسطيني السوري بوصفها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً في عصرنا.
وحتى يتحقق الانسجام بين القانون والواقع، سيبقى السؤال قائماً ..؟
كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن حرية التنقل باعتبارها حقاً إنسانياً عالمياً، بينما لا يزال آلاف اللاجئين الفلسطينيين السوريين عاجزين عن ممارسة هذا الحق بصورة كاملة ..؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية اللاجئ وحده، بل مسؤولية المجتمع الدولي بأسره، إذا كان جاداً في تحويل مبادئ حقوق الإنسان من نصوص مكتوبة إلى واقع يلمسه الإنسان في حياته اليومية.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share