نضال الخليل
ليست المأساة الكبرى للفلسطيني السوري اليوم أنه فقد بيتاً أو وظيفة أو حياً من أحياء المخيمات التي كانت تشكل ذاكرته الجماعية فهذه الخسائر على قسوتها يمكن رؤيتها وتوثيقها وإحصاؤها أما الخسارة الأقل ظهوراً والأكثر عمقاً فهي تلك التي أصابت المجال الخاص للإنسان المجال الذي تتشكل فيه الأسرة ويولد فيه الحب وتُبنى من خلاله فكرة المستقبل
في الظاهر تبدو أزمة الزواج بين الفلسطينيين السوريين امتداداً طبيعياً للأزمة الاقتصادية التي عصفت بسوريا طوال السنوات الماضية لكن النظر إليها من هذه الزاوية وحدها يختزلها إلى مجرد مشكلة مالية بينما هي في حقيقتها تعبير عن تحول عميق أصاب البنية النفسية والاجتماعية لجماعة عاشت عقوداً طويلة تحت وطأة اللجوء ثم وجدت نفسها فجأة أمام لجوء جديد داخل اللجوء نفسه
لقد عرف الفلسطينيون في سوريا منذ نكبة عام 1948 شكلاً خاصاً من الاستقرار النسبي فعلى الرغم من غياب الوطن الأصلي تشكلت داخل المخيمات والمدن شبكات اجتماعية متماسكة سمحت بإعادة إنتاج الحياة الطبيعية
كانت الأسرة جزءاً من هذا الاستقرار وكان الزواج يمثل خطوة متوقعة في المسار الاجتماعي للفرد مهما كانت الظروف الاقتصادية محدودة لكن الحرب السورية لم تدمر الجغرافيا فقط لكنها دمرت أيضاً الإطار الاجتماعي الذي كان يمنح الأفراد شعوراً بالاستمرارية
وتشير تقديرات الأونروا إلى أن أكثر من 120 ألف لاجئ فلسطيني من سوريا اضطروا إلى مغادرة البلاد خلال سنوات النزاع بينما تعرضت تجمعات رئيسية مثل مخيم اليرموك ومخيمات أخرى إلى مستويات غير مسبوقة من التهجير والتفكك الاجتماعي وفي الداخل السوري ما زالت غالبية الأسر الفلسطينية تعيش تحت ضغوط اقتصادية حادة مع اعتماد أعداد واسعة منها على المساعدات الإنسانية والخدمات الإغاثية
هذه الأرقام لا تفسر فقط حجم الأزمة الاقتصادية لكنها تكشف حجم الانقطاع الذي أصاب العلاقات الاجتماعية نفسها في هذا السياق لم يعد الزواج قراراً شخصياً خالصاً لقد أصبح قراراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في آن واحد
فالشاب الفلسطيني السوري الذي كان يفكر سابقاً في التعليم والعمل وتأسيس أسرة أصبح مطالباً أولاً بالإجابة عن أسئلة أكثر بدائية:
أين سيعيش؟ كيف سيؤمن دخله؟ هل سيبقى في سوريا أم سيغادرها؟ وهل يملك أصلاً حق التخطيط للمستقبل في بيئة تتغير شروطها باستمرار؟
ومن هنا بدأت فكرة الزواج نفسها تتغير لم يعد السؤال المركزي يدور حول التوافق الإنساني أو المشروع المشترك للحياة بل حول القدرة على النجاة وتحولت الهجرة تدريجياً إلى عنصر حاضر في معظم الحسابات العائلية ففي كثير من الحالات أصبح السفر أو الحصول على إقامة قانونية في بلد آخر جزءاً من شروط الزواج غير المعلنة لا لأن الناس فقدوا إيمانهم بالحب لكن لأن الواقع فرض عليهم إعادة تعريف معنى الاستقرار وهنا تظهر إحدى أكثر النتائج قسوة للحروب الممتدة فالاقتصاد لا يكتفي بإفقار الناس إنما يعيد تشكيل عواطفهم أيضاً
وحين تصبح القدرة على تأمين المسكن والعمل والإقامة هي المحدد الأول للارتباط يتراجع الحب من موقع القرار إلى موقع التبرير لا يختفي الحب لكنه يفقد حريته يصبح مضطراً للتفاوض مع شروط السوق والحدود والقوانين وأوراق الإقامة
وإذا كان الفلسطيني قد عاش تاريخياً تجربة الاقتلاع من المكان فإن الفلسطيني السوري يعيش اليوم شكلاً آخر من الاقتلاع اقتلاعاً من الزمن نفسه ذلك أن الإنسان لا يبني أسرة لأنه يعيش الحاضر فقط بل لأنه يثق بوجود مستقبل يمكن أن يحمل هذه الأسرة وعندما تتآكل هذه الثقة يتحول الزواج من مشروع حياة إلى مخاطرة
ولهذا لا يمكن فهم ظاهرة تأخر الزواج أو تراجع القدرة على تكوين الأسر بين الفلسطينيين السوريين بعيداً عن أزمة الأفق التي يعيشها المجتمع كله فالمشكلة ليست في ارتفاع التكاليف فقط لكن في انهيار اليقين
لقد نشأت أجيال فلسطينية سابقة وهي تؤمن بأن الغد مهما كان صعباً سيكون امتداداً لليوم أما الجيل الحالي فقد نشأ في ظل الانقطاع المستمر: انقطاع المكان وانقطاع العمل وانقطاع التعليم وانقطاع الاستقرار ولذلك بات المستقبل بالنسبة إلى كثيرين احتمالاً مجهولاً أكثر منه وعداً قابلاً للتحقق
كما أن التحولات الاقتصادية العنيفة أعادت تشكيل العلاقات داخل الأسرة نفسها فقد دفعت الظروف آلاف النساء إلى أدوار اقتصادية جديدة وغيرت صورة المعيل التقليدي وفرضت أنماطاً مختلفة من تقاسم المسؤوليات وهذه التحولات رغم أهميتها الاجتماعية ولدت في الوقت نفسه توترات نفسية مرتبطة بإعادة تعريف الأدوار والهويات داخل الأسرة الفلسطينية السورية لكن الخطر الأكبر يكمن في ما لا يُرى في الشعور المتزايد لدى الشباب بأنهم عاجزون عن تحقيق ما كان يعتبر سابقاً أبسط حقوق البلوغ الاجتماعي تأسيس بيت وأسرة ومستقبل وحين يفقد الإنسان قدرته على تخيل مستقبله لا تتراجع معدلات الزواج فقط بل يتعرض إحساسه بالمعنى ذاته للاهتزاز لهذا فإن أزمة الزواج بين الفلسطينيين السوريين ليست أزمة أفراد يبحثون عن شركاء حياة ولا أزمة جيل يواجه ظروفاً اقتصادية صعبة فحسب إنها أزمة مجتمع يحاول إعادة بناء نفسه فوق أنقاض يقيناته القديمة وهي في جوهرها تعبير عن السؤال الفلسطيني السوري الأكبر اليوم:
كيف يمكن للإنسان أن يؤسس حياة مستقرة بينما ما زال يعيش داخل تاريخ لم يستقر بعد؟
لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي: لماذا تأخر الزواج؟ بل لماذا أصبح المستقبل نفسه مؤجلاً إلى أجل غير معلوم؟