ظاهر صالح
كل بيت لاجئ فلسطيني في سوريا يحمل قصص معاناة، لا يعترف قاموس الجوع بأكثر أو أقل، فالمعدة الخاوية لا تفقه لغة الأرقام والتصنيفات، بل هي أمعاء تصرخ، وروح تنحني تحت وطأة البطالة والفقر.
في سوريا، حيث تساقطت السقوف فوق الرؤوس واستحالت البيوت خرائب من ذكريات، يقف اللاجئ الفلسطيني شاهداً على العصر، يشهد موت الأحلام مرات عديدة حين غادر الاجداد والآباء أرض فلسطين، وحين تُرك الأبناء وحيدون وتائهون في زحمة النسيان.
قبل أيام، صدر بيان الأونروا كعادته، موجزاً ورصيناً ومنمّقاً أخبرنا بلغة النظم الإدارية الباردة بما نعرفه جميعاً، “التمويل محدود، والتقليصات، والمساعدات ستقتصر على الفئات الأكثر ضعفاً وغير ذلك.
في غرف العمليات المكيّفة، وبين جداول الإكسل المنسقة، تبدو هذه الصياغة منطقية وضرورية، لكن هناك، حيث يعيش البشر لا الأرقام، وحيث يقاس الفقر بوهج العيون لا بوزن الحصص الغذائية، يتحول هذا البيان إلى حكم بالإعدام البطيء لمن تسقطهم الفلاتر الإنسانية خارج دائرة الضوء.
ثمة سؤال يطرح نفسه ويحرق الحناجر، يطرق أبواب الغرف المتصدعة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين: من منا ليس ضعيفاً؟
من منا لا يحمل في جعبته حكاية جوع تستحق أن تروى؟
إلى وكالة الأونروا…
هل أسرة مكونة من روحين تعانقان الجوع كل مساء لا تستحق المساعدة لأنها ليست كثيرة العدد؟ هل يصنف الشاب الذي أنهكته سنوات البحث عن عمل، كالباحث عن سراب في صحراء قاحلة، خارج دائرة المحتاجين لمجرد أن جسده سليم؟
وهل باتت الأسرة التي تخلو من معاق أو مسن تعيش في نعيم وترف لأنها لم تبلغ سلم الأولويات؟
وهل من لا يندرج تحت وصف الأكثر عوزاً، أصبح محصناً ضد الغلاء، وإيجارات تلتهم مدخرات العمر، وسوق عمل يشبه المقبرة في هدوئها المريب؟
الحقيقة التي لا تخفى على أحد أن اللاجئ الفلسطيني في سوريا يعيش اليوم واحدة من أقسى محطات وجوده، فالعائلات هناك، بكل تنوعها، تخوض معركة بقاء يومية لا هوادة فيها، ليس بحثاً عن ترف، بل من أجل لقمة خبز، أو جرعة دواء تبقي الروح في الجسد، أو كرامة تحفظ للطفل حقه في أن يحلم، لقد باتت الغالبية الساحقة ترزح تحت وطأة الفقر المدقع، ولم تعد الحاجة استثناءً، بل أصبحت القاعدة التي تشكل الواقع برمته.
لا أحد يّعارض دعم الأرامل، ولا الوقوف إلى جانب كبار السن، ولا مد يد العون لذوي الإعاقة وضحايا وأيتام الحرب، فهؤلاء لهم الأولوية المطلقة في قلوبنا قبل أن تكون في جداول المنظمات، لكننا نعارض بشدة أن يترك آلاف آخرون خارج أي غطاء إنساني، وكأن معاناتهم أقل قيمة، أو أن جوعهم أقل حدة، لمجرد أنهم لا يندرجون تحت تعريف إداري محدد.
إن عبارة الأكثر عوزاً في سياق سوريا اليوم أشبه بمحاولة ترتيب كوابيس تحتضر، ففي بلد أنهكته الحرب والأزمات ، وانهارت عملته حتى فقدت قيمتها، وتبخرت مداخيل أبنائه، يصبح الحديث عن تصنيفات دقيقة ضرباً من العدمية.
وكيف لنا أن نطلب من وكالة الأونروا، التي تعاني أصلاً من شح مزمن في التمويل وعجز يفتك بجسدها المالي، أن توزع الفقر إلى درجات، والجوع إلى شرائح؟
إنها ليست سياسة إنسانية، بل هي سياسة تجزئة الألم، وهي أقسى ما يمكن أن يمارس ضد إنسان فقد بيته وأولاده ومدخرات عمره، وأضحى جل ما يملكه هو ألمه الخاص، ليأتوا ويسلبوه حتى تميز ألمه، فيغدو كغيره من الأوجاع المُبهمة في زحمة اللامبالاة الدولية.
وهنا يبرز السؤال الأعمق والأكثر إيلاماً، كصرخة ضمير مكلوم: بعد كل هذه السنوات من النزيف الجمعي، الذي عانته دولة سوريا، التي كانت تحتضن الفلسطيني كشقيق، وتآكل قدرات المنظمات التي جاءت لسد الفراغ، أين هي “المرجعية الفلسطينية التي ترعى هؤلاء الناس؟
لطالما كانت وكالة الأونروا، رغم تقصيرها واختلافنا معها لا عليها، السند الأخير والحضن البديل في ظل غياب الدولة الأم. لكن الحرب في سوريا كشفت عن هشاشة هذا السند، وعن تناقض قاتل، فالوكالة التي تقدم نفسها كقوة استقرار في زمن العبث، تعترف في الوقت ذاته بأن استمرارها ليس مضموناً، وأن بواخر العون قد رست مجدداً على شاطئ العجز المالي. هذا التناقض يضع اللاجئ الفلسطيني في سوريا على صفيح ساخن، فمن جهة، تصنفه المؤسسات ويستبعد من دائرة الأولوية بحجة أنه ليس الأكثر عوزاً، ومن جهة أخرى، يجد أنه لا ملجأ له سوى هذا التصنيف الظالم لعدم وجود بديل.
إن غياب المرجعية واضح كالشمس:
· الدولة السورية، التي أنهكتها الحرب، لم تعد قادرة على تقديم شبكة أمان شاملة كما في السابق.
· وكالة الأونروا، التي يفترض أن تكون البديل، تعلن عجزها وتلجأ لسياسة التقنين التي تزيد من معاناة اللاجئين الفلسطينيين.
· المرجعيات الفلسطينية في الداخل السوري، تشتتت جهودها وضعفت إمكاناتها في خضم هذا الواقع المركب.
فلمن يلجأ الفلسطيني إذاً؟ ولمن يصرخ بألمه حين يجد أن وكالة غوثه أصبحت تخاطبه بلغة الأرقام الباردة، لا بلغة الأخوة الإنسانية؟
رسالتنا إلى الأونروا، وإلى كل من يملك قرار تقرير المصير، واضحة كنقاء الدمعة: لا تجزئوا الفقر إلى درجات، ولا الجوع إلى فئات، فكل بيت فلسطيني في سوريا يحمل قصة معاناة تختصر تاريخ شعب بأكمله، وكل أسرة أنهكتها سنوات الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار تستحق العون بلا استثناء.
نحن لا نطلب امتيازات، ولا نبحث عن مكانة في قوائم الشرف الإنساني، بل نطالب بالعدالة التي هي أبسط حقوق الإنسان على هذه الأرض، فاللاجئ الفلسطيني في سوريا لم يعد يحتمل المزيد من التصنيفات المرهقة، لأننا ببساطة جميعاً بحاجة، وجميعاً أنهكتنا الحياة، وننتظر من وكالة الأونروا أن تكون سنداً للجميع، لا لفئات تحدد خلف مكاتب بعيدة عن وهج المعاناة اليومي، وعلينا أن نتذكر أن أزمة الأونروا ليست مجرد معضلة مالية أو إدارية، بل هي أزمة إنسان، وأزمة ضمير عالم ينام مرتاحاً بينما يموت أطفال المخيمات صمتاً.
إن الفشل في توفير الحماية الشاملة لن يزيد الأمور إلا سوءاً، لأن اليأس الذي ينمو في قلوب جيل كامل حرم من أبسط حقوق العيش الكريم، هو وقود لأزمات أكبر في المستقبل القريب.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب منا جميعاً، أفراداً ومؤسسات، نظرة جديدة لا تجزئ الإنسان الفلسطيني ولا تصنف حاجته، بل تعترف بأن الجميع أصبحوا في دائرة الخطر والمعاناة ذاتها. فهل نستطيع أن ننظر إلى وجه طفل جائع في مخيم اليرموك أو السيدة زينب وحندرات والحسينية أو السبينة ونقول له: أنت لست من الأكثر ضعفاً؟!! بالطبع لا، فالطفل الذي يسأل عن رغيف الخبز لا يعنيه تصنيفه الإداري، بل يسأل عن حقه في الحياة.
ختاماً، هذا المقال ليس مجرد كلمات، بل هو صرخة وجع من قلب معاناة لا تموت، ونداء لكل صانع قرار ولكل إنسان يمتلك ضميراً، ألا يتركوا اللاجئ الفلسطيني في سوريا وحيداً، فالتاريخ سيسألنا جميعاً: ماذا فعلتم عندما كان الجوع يصنف، والألم يجزأ، والإنسان يرمى في بحر النسيان لأنه ليس الأكثر ضعفاً.
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا والأونروا.. أسئلة مطروحة وأخرى تنتظر