حين يغادر المخيم أبناءه هل ينجو الفلسطيني من المنفى أم يفقد آخر خرائطه؟

أ.نضال الخليل

لم يكن المخيم الفلسطيني في سورية مجرد تجمع للاجئين أُقيم على هامش المدن بانتظار عودة مؤجلة كان في جوهره مؤسسة لإنتاج الذاكرة ومكاناً تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ ويصبح فيه المنفى نفسه شكلاً من أشكال المقاومة
فمنذ النكبة عام 1948 لم يؤد المخيم وظيفة الإيواء فحسب لكنه تحول إلى فضاء حافظ على الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات المحو والنسيان
لهذا فإن السؤال الذي يواجه الفلسطينيين السوريين اليوم يتجاوز كثيراً مسألة إعادة إعمار المخيمات أو ترميم ما دمرته الحرب فالمعضلة الأعمق تتعلق بمصير الفكرة التي جسدها المخيم طوال أكثر من سبعة عقود:
هل يستطيع المخيم أن يبقى حياً عندما يغادره أبناؤه ويحققون ما كانوا يحلمون به من استقرار وأمان وفرص حياة أفضل؟
لقد اعتادت التجربة الفلسطينية أن ترى التهديد في الاحتلال أو الحرب أو التهجير أو الفقر أما اليوم فإن المخيم يواجه خصماً مختلفاً تماماً – النجاح الفردي –
ففي العقود السابقة كان الفلسطيني يُدفع إلى المخيم قسراً بينما يغادره أبناؤه اليوم طوعاً وبين الحركتين تاريخ كامل من التحولات الاجتماعية والسياسية
لقد انتقل الفلسطيني السوري من وضع اللاجئ الذي يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار إلى فرد يتحرك داخل عالم معولم يستطيع أن يبني مستقبله في برلين أو ستوكهولم أو أمستردام أو تورونتو من دون أن يكون المخيم مركز حياته اليومية
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المنفى إيلاماً فالمشروع الوطني الفلسطيني دافع دائماً عن حق الفلسطيني في حياة طبيعية وكريمة، غير أن هذه الحياة نفسها بدأت تُضعف الحاجة الاجتماعية التي جعلت المخيم ممكناً فكلما ازداد اندماج الفلسطيني في المجتمعات الجديدة تراجعت مركزية المخيم بوصفه إطاراً ناظماً للهوية الجماعية
لكن اختفاء مركزية المخيم لا يعني اختفاء فلسطين ذلك أن الانتماء لا يختزل في المكان وحده غير أن المكان يظل أحد أهم الأدوات التي تنتج الذاكرة وتحفظها ولهذا فإن الفلسطيني الذي وُلد في أوروبا بعد لجوء عائلته من سورية يعيش فلسطين بطريقة مختلفة عن تلك التي عاشها جده أو والده
كان الجيل الأول يحمل فلسطين بوصفها تجربة فقدان مباشرة وكان الجيل الثاني يحملها بوصفها ذاكرة عائلية حية أما الجيل الثالث فيحملها غالباً بوصفها سردية ثقافية وأخلاقية أكثر منها تجربة معيشة
والفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلاً عابراً فالتجربة تصنع يقيناً بينما تصنع الرواية تأويلاً والتجربة تمنح الإنسان شعوراً عضوياً بالانتماء في حين تجعل الرواية الانتماء موضوعاً للتفكير وإعادة التعريف
من هنا تبدو التحولات التي يعيشها الفلسطينيون السوريون اليوم جزءاً من انتقال تاريخي أوسع داخل التجربة الفلسطينية نفسها
لقد كان المخيم فضاءً جماعياً بامتياز كانت العلاقات الاجتماعية فيه قائمة على القرب المكاني والتكافل اليومي وكان الجار جزءاً من السيرة الشخصية لجاره وكانت الذاكرة تتناقلها الأزقة والمدارس والأسواق والمناسبات العامة قبل أن تتناقلها الكتب أو الشاشات أما العالم الجديد الذي دخلته الأجيال الشابة فهو عالم مختلف جذرياً إنه عالم الشبكات الرقمية والهويات المتعددة والانتماءات العابرة للحدود عالم يستطيع فيه الفلسطيني أن يكون سورياً في ذاكرته وفلسطينياً في وعيه السياسي وأوروبياً في حياته اليومية ومواطناً عالمياً في علاقاته المهنية والثقافية
ولعل هذا ما يجعل الحديث عن المخيم اليوم حديثاً عن نهاية مرحلة تاريخية أكثر منه حديثاً عن نهاية مكان
فالمخيم لم يكن مجرد عمران كان نظاماً اجتماعياً كاملاً لإنتاج التضامن والهوية والتمثيل الجماعي وعندما تتراجع وظائفه الاجتماعية لا يختفي المبنى فقط بل يتغير شكل الجماعة نفسها
لقد أظهرت سنوات الحرب السورية وما تلاها من موجات هجرة واسعة أن المخيمات الفلسطينية لم تعد مركز الثقل الديمغرافي الوحيد للفلسطينيين السوريين فجزء كبير من هذا المجتمع بات موزعاً بين عشرات البلدان يحمل خبرات ومصالح وأنماط حياة مختلفة ومع هذا التشتت ظهرت أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل:
كيف يمكن الحفاظ على الذاكرة عندما تصبح الجغرافيا موزعة على قارات متعددة؟
وكيف يمكن إعادة إنتاج الهوية عندما لم يعد المخيم هو المدرسة الأولى للانتماء؟
إن ما نشهده اليوم ليس اختفاء المخيم بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة “ما بعد المخيم” أي انتقال القضية الفلسطينية من إطارها المكاني المغلق إلى فضاء عالمي أكثر اتساعاً وأكثر هشاشة في الوقت نفسه فالمكسب الذي حققه الفلسطيني عبر التعليم والهجرة والاندماج والانفتاح على العالم يقابله فقدان تدريجي لبعض البنى الاجتماعية التي وفرت له الحماية الجماعية لعقود طويلة ولهذا فإن جيل المخيمات الأخير لا يعيش مجرد تحول جغرافي إنما يعيش تحولاً في معنى الوجود الفلسطيني ذاته إنه الجيل الذي يقف بين زمنين: زمن كانت فيه الأزقة الضيقة تحفظ أسماء القرى الفلسطينية أكثر مما تحفظ أسماء شوارعها وزمن أصبحت فيه فلسطين حاضرة في الوعي أكثر مما هي حاضرة في المكان ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي:
هل سيختفي المخيم؟
بل سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً:
ماذا يحدث للذاكرة عندما تفقد بيتها الأخير؟
وماذا يبقى من المنفى حين يتحول المخيم من واقع يومي حي إلى قصة يرويها الآباء للأبناء؟
هناك تحديداً يقف الفلسطيني السوري اليوم ليس بين وطنين فقط لكن بين شكلين مختلفين من الوجود وجود صنعته الجغرافيا القسرية للمخيم ووجود جديد تصنعه خرائط الشتات العالمي وبين الاثنين تتحدد ملامح جيل قد يكون آخر الأجيال التي عرفت المخيم باعتباره حياة كاملة لا مجرد ذكرى

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share