بين غياب الحقيقة وتعقيد الإجراءات نحو آلية قانونية وإنسانية ميسّرة لعائلات المفقودين قسراً

أ. باسم يونس السبع(محامٍ وباحث قانوني)

لا يمكن اختزال قضية المفقودين قسراً في إجراء قانوني أو وثيقة تُستخرج من أروقة المحاكم؛ فهي، قبل كل شيء، مأساة إنسانية تكابدها آلاف الأسر التي بقيت لسنوات معلقةً بين الأمل والخوف، تنتظر معرفة مصير أبنائها، وتواجه في الوقت ذاته واقعاً قانونياً يحول دون تنظيم شؤونها الأسرية والمالية.

إن استصدار حكم قضائي بوفاة المفقود لا يُسقط حق الأسرة في معرفة الحقيقة، ولا يمثل بديلاً عن كشف مصيره، وإنما هو إجراء قانوني تقتضيه الضرورة لمعالجة الآثار المترتبة على غياب الشخص، وحماية حقوق ذويه، لا سيما في مسائل الإرث، والحقوق المالية، والأوضاع الأسرية.

إلا أن الواقع العملي يكشف أن العديد من أسر المفقودين تواجه عقبات جسيمة في إتمام هذا الإجراء؛ نتيجة تعدد الطلبات، وعدم وضوح الخطوات المطلوبة، واختلاف المتطلبات بين حالة وأخرى، الأمر الذي يدفع الأسرة للدوران في حلقة مفرغة من المراجعات دون معرفة دقيقة بما يجب تقديمه.

وتتضاعف خطورة الأمر عندما يكون المفقود هو المعيل الأساسي؛ حيث تجد الزوجة، أو الأبناء، أو الوالدان أنفسهم أمام فاجعة الفقدان الشخصي والانهيار الاقتصادي في آنٍ واحد، ليُضاف إلى معاناتهم عبء مالي جديد تفرضه الإجراءات والتكاليف المرتبطة باستخراج الوثائق، أو الاستعانة بمحامٍ لمتابعة المعاملة، وهي مبالغ قد تكون باهظة لعائلاتٍ فقدت مصدر دخلها الوحيد.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبني مقاربة قانونية أكثر مراعاة للبعد الإنساني، وذلك من خلال الخطوات الآتية:

1. إصدار تعميم رسمي واضح: من قِبل الجهات المختصة، يبيّن آلية الحصول على حكم بوفاة المفقود، وخطوات تقديم الطلب، والوثائق المطلوبة بدقة، بما يحدّ من تضارب الاجتهادات، ويجنّب الأسر عناء تكرار المراجعات.

2. نشر قائمة بالمتطلبات الخاصة: توضح الفروق بين أوضاع المواطنين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في سورية؛ نظراً لاختلاف طبيعة القيود، والوثائق الرسمية، والإجراءات المتعلقة بإثبات الحالة المدنية لكل شريحة.

3. تخفيف الأعباء المالية: سواء عبر تبسيط الإجراءات، أو إقرار إعفاءات وتسهيلات خاصة للحالات الإنسانية؛ لأن تحميل أسرة فقدت معيلها تكاليف إضافية، يحوّل الحق القانوني إلى عبء يستحيل الوصول إليه.

4. التنسيق المشترك: بين الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها وكالة (الأونروا) فيما يخص اللاجئين الفلسطينيين — لوضع آليات واضحة تساعد هذه الأسر على تسوية أوضاعها القانونية. وفي هذا السياق، فإن ربط تقديم المساعدات بضرورة الحصول على حكم وفاة المفقود يفرض مسؤولية إنسانية إضافية على هذه الجهات لمساندة الأسر، بدلاً من أن تتحول التعقيدات الإجرائية إلى سببٍ لحرمان عائلات تعيش أصلاً ظروفاً قاهرة من الدعم.

5. توفير الإرشاد القانوني: نناشد الجهات المختصة اعتماد نهج أقرب إلى معاناة هذه الأسر، عبر إنشاء مراكز إرشادية، ونشر أدلة مبسطة تعرّف العائلات بحقوقها وبالخطوات المطلوبة منها، لتبديد حالة الغموض. كما ندعو المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التواصل المباشر مع الأهالي، وتقديم الدعم الإرشادي لهم، لضمان ألا تتحول المعاملة القانونية إلى مأساة جديدة تضاف إلى فاجعة الفقد.

إن أسر المفقودين لا تلتمس استثناءً من القانون، بل تطالب بتطبيقٍ عادل يراعي ظروفها الاستثنائية. فالقانون وُجد لحماية الإنسان وتنظيم حياته، لا لزيادة الأعباء على كاهل من فقدوا فلذات أكبادهم أو معيلهم. ولا يمكن إرساء العدالة لهذه الأسر إلا عبر مسارين متلازمين:

حماية حقها في معرفة الحقيقة.

توفير إطار قانوني عملي يساعدها على تجاوز الفراغ الذي خلّفه الغياب.

إن وضوح الإجراءات، وتوحيد المتطلبات، وتقديم الإرشاد القانوني، ومراعاة البعد الإنساني؛ هي خطوات لا تنتقص من هيبة القانون، بل تعزز الثقة به، وتجعله أكثر التصاقاً بواقع الناس ومعاناتهم.

ختـاماً، لا تُعدّ قضية المفقودين قسراً ملفاً إدارياً عابراً، ولا مجرد أوراق تنتظر الإنجاز، بل هي قضية إنسانية تمس كرامة آلاف الأسر التي أفنت سنواتٍ طوالاً في انتظار خبرٍ يطفئ نار قلقها، أو إجراءٍ قانوني يعينها على ترتيب شتات حياتها.

إن الوقوف إلى جانب أهالي المفقودين يتجاوز حدود التعاطف ليكون مسؤولية قانونية، وأخلاقية، ومجتمعية. لقد دفعت هذه العائلات ثمناً باهظاً، ومن واجب المؤسسات الرسمية والحقوقية أن تمدّ لها يد العون، وتعبّد لها الطريق نحو حقوقها. فبين حق الأسرة في معرفة الحقيقة، وحقها في الحماية القانونية، يبقى الإنسان هو محور العدالة، وتبقى كرامة المفقودين وحقوق ذويهم أمانةً لا يجوز أن تُهدر في دهاليز الإجراءات المعقدة وطول الانتظار.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share