مجموعة العمل – فايز أبو عيد
في مشهد إنساني معقد ومتشابك، يعيش آلاف الفلسطينيين العائدين إلى سوريا حالة من الصراع النفسي والاجتماعي، لا تقتصر على العائدين من أوروبا فحسب، بل تمتد لتشمل كل من اضطر إلى ترك المكان الذي اعتاد عليه، والعودة إلى موطن لم يعد كما كان، أو إلى قرية لم يعش فيها، أو إلى مدينة اختلفت ملامحها بعد سنوات من الغياب، فالعودة إلى سوريا اليوم ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي رحلة تعيد تشكيل الهوية، وتختبر قدرة الأفراد والعائلات على التكيف مع واقع جديد، تتداخل فيه مشاعر الحنين والخوف من المستقبل، وتتصادم فيه ذاكرة الأمس المثقلة بالذكريات الأليمة مع صدمة الحاضر والمستقبل.
ما يميز الموجة الحالية من العودة إلى سوريا أنها ليست موحدة المصدر أو الوجهة، فهناك من عاد من أوروبا بعد سنوات من الغياب، وهناك من عاد من مدينة سورية إلى أخرى، وهناك من اضطر إلى مغادرة المناطق الساحلية الهادئة التي لجأ إليها خلال سنوات الحرب، ليعود إلى بلدته أو قريته الأصلية، حاملاً معه ذكريات مختلفة وتوقعات متباينة، فالعودة هنا تأخذ أشكالاً متعددة.
من حي الضاحية إلى طريق السد
خ. م، الشاب الفلسطيني ذو السبعة والعشرين عاماً، – الذي فضل عدم ذكر اسمه كاملاً – لجأ أهله إلى ألمانيا وتركوه في السنة الأولى من الجامعة، وليطمئنوا عليه زوجوه، استقر (خ. م) مع زوجته في حي الضاحية بدرعا، لكن ارتفاع الإيجارات المتكرر، والذي يواكب ارتفاع الرواتب، اضطره إلى العودة إلى طريق السد بدرعا، حيث منزل العائلة بعد أن قام بترميمه، ومن لا يعرف طريق السد هو عبارة عن شارع رئيسي يعج بالحركة والدراجات النارية التي يقودها أطفال صغار بتهور.
يقول خ. م: “لم أكن أرغب في العودة إلى طريق السد، لأنني أعلم أن الحياة فيه صعبة، خاصة لزوجتي التي لم تعش فيه من قبل، وابنتي ذات الأربع سنوات التي ولدت ونشأت في حي الضاحية، لكن الظروف كانت أقوى مني، ولعلّ ما وجدته كان صدمة جديدة”، يضيف: “أخاف على ابنتي كل يوم، فالشارع لا يرحم، وهؤلاء الأطفال يقودون الدراجات بسرعة جنونية وهم لا يلتفتون إلى المارة ولا يهتمون بسلامة الآخرين، لقد رأيت بعيني أكثر من حادثة كادت تودي بحياة أطفال صغار كانوا يلعبون بالقرب من الرصيف”.
وتتفاقم المشكلة عندما يدرك (خ. م) أن ابنته بدأت تظهر عليها علامات القلق، فهي تسأل باستمرار متى سيعودون إلى بيتهم القديم وترفض النوم وحدها وتلتصق بأمها طوال الوقت، وهي علامات نفسية واضحة على معاناتها من صدمة الانتقال.
أما زوجة خ. م فباتت تعاني أيضاً، فهي لم تعتد على هذه الأجواء وتشعر بالعزلة ولا تخرج من المنزل إلا للضرورة، وتجد صعوبة في التعامل مع المجتمع الجديد الذي يختلف في عاداته وتقاليده عما ألفته في دمشق موطنها الأول.
من السويد إلى درعا
عدنان خليل الطرير، الفلسطيني من مدينة الخليل البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً، كان يعمل حجّاراً في سوريا قبل أن يغادرها عام 2006 إلى السويد، حيث عاش هناك أكثر من 20 عاماً وحصل خلالها على الإقامة والجنسية وجمع شمل أسرته، لكنه قرر العودة إلى سوريا خوفاً على تربية أبنائه من الانسلاخ عن هويتهم العربية والإسلامية.
يقول عدنان: “أبنائي ولدوا في السويد وعاشوا هناك ولم يعرفوا سوى مجتمع منظم، والآن نحن في درعا حيث البيوت متهدمة والخدمات شبه منعدمة ولغتهم العربية ضعيفة جداً مما يجعلهم هدفاً للتنمر”.
ويضيف بحسرة: “أحد أبنائي قال لي كلمة لا زالت عالقة في ذهني: أنت من اخترت الخروج إلى السويد واليوم تجبرنا على العودة، هذه العبارة تعكس أزمة عميقة بين الأبناء والآباء حيث يشعر الأطفال أنهم ضحايا لقرارات آبائهم دون أن يكون لهم رأي في مصيرهم”.
ويؤكد عدنان أن العودة إلى سوريا بشكل عام وليس إلى درعا فقط تشكل تحدياً كبيراً، لأنه لو عاد إلى دبي أو بيروت لكان الاندماج أسهل، لكن العودة إلى درعا حيث تفتقر إلى المدارس الدولية والبنية التحتية هي التحدي الأكبر، ويضطر عدنان اليوم إلى ترك أبنائه لساعات طويلة وهو في عمله مما يزيد من شعورهم بالغربة ويعيق عملية اندماجهم في المجتمع الجديد.
ورغم كل هذه التحديات، يؤكد عدنان أن قدومه إلى سوريا كان أفضل من بقائه في السويد رغم كل المزايا التي حصل عليها هناك، مشيراً إلى أن التسهيلات الكبيرة التي حصل عليها من حيث الإقامة والأوراق الثبوتية في سوريا تعتبر خطوة إيجابية لكنها ليست كافية لتجاوز التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها هو وأسرته.
من الهدوء إلى الصمت
محمد عيسى 15 عاماً، الفلسطيني من عين غزال، ولد في مدينة اللاذقية الساحلية وعاش فيها طوال حياته في المشروع الخامس حارة علي جمّال، لم يعرف سوى هدوء البحر واعتدال الأجواء ورقة التعامل.
لكن الأوضاع الاقتصادية الصعبة واضطرار العائلة إلى العودة إلى جذورها قادته إلى بلدة المزيريب في ريف درعا، وهي بلدة صغيرة وادعة لكنها مختلفة تماماً عن كل ما عرفه وعاشه.
يقول محمد: “لم أتصور أبداً أنني سأعود إلى هذه البلدة، أنا ولدت في اللاذقية وتربيت فيها وأصدقائي هناك وحياتي كلها هناك، لكن العائلة اضطرت للعودة والآن أنا أعيش في مكان لا أعرفه ولا أستطيع التأقلم معه”.
ويضيف: “المشكلة أنني لست وحدي، فأهلي أيضاً يعانون من صعوبة التأقلم، أمي تجد صعوبة في التعامل مع المجتمع الجديد، وأبي الذي نشأ في المزيريب، اليوم يجدها مختلفة تماماً عما يتذكر”.
ويشير محمد إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في إخوته الصغار الذين ولدوا في اللاذقية ولم يعرفوا غيرها، فهم اليوم يعيشون صدمة حقيقية لأن البلدة الجديدة لا توفر لهم ما كانوا يتمتعون به في المدينة من خدمات ومرافق ومساحات للعب، كما أن اللكنة واللهجة تشكلان مشكلة إضافية، فلهجة أهل الساحل تختلف عن لهجة أهل الجنوب، وهذا يخلق فجوة في التواصل ويعرض الأطفال للتنمر أو السخرية مما يدفعهم إلى العزلة والانطواء.
يقول أبو محمد: “أولادي الصغار يجدون صعوبة في فهم لهجة أهل المزيريب والبعض يسخر من طريقة كلامهم، هذا جعلهم يخافون من الخروج ويفضلون البقاء في المنزل وكأنهم سجناء داخل جدران بيتنا الجديد”.
رحلة من التنقلات ورفض للعودة
وفي حالة مختلفة تماماً، نلتقي بأبي علاء عقل 65 عاما، الفلسطيني من قرية سعير، وهو من المكتومين الذين اضطروا إلى السفر إلى ألمانيا عام 2014، وعندما وجد أن ألمانيا غير مناسبة له، وخشي على ابنه الذي كان في الصف التاسع من التحرر الزائد، قام بمغامرة بترك ألمانيا والذهاب إلى تركيا، واليوم يقرر أبو علاء العودة إلى سوريا، لكن
كثيرين يؤكدون له أنه من الأفضل له أن يقيم في تركيا ريثما تحل مشكلة السكن وغلاء الإيجارات، فهو رجل كبير في السن ولن يستطيع العمل، كما أن ابنه عمر عقل الذي تزوج في تركيا يرفض العودة إلى سوريا بشدة.
عمر عقل، الذي خرج من الصف التاسع وتزوج في تركيا، يؤكد عبر التواصل عبر الإنترنت على خوفه الشديد من العودة، والسبب في ذلك أنه عانى من التنقلات المتكررة طوال حياته.
يشرح عمر أنه انتقل من منطقة الضاحية ثم إلى منطقة قرية اليادودة حيث تعرضت للقصف، فانتقل وهو صغير في الصف السادس إلى قرية النعيمة، وهناك بقي فترة وتعرض للخوف الشديد من قصف الطيران والبراميل المتفجرة، ثم اضطر إلى اللجوء إلى الأردن، وهناك تم فصله عن أبيه حيث أمه فلسطينية أردنية فأقامت في عمان، في حين أن أباه تم القبض عليه ووضعه في مخيم وحيد على الحدود السورية بدعوى أنه ممنوع من دخول الأردن.
وأمام هذا الواقع وهذه المشكلات القاسية، لجأ هذا الرجل إلى ألمانيا، وعانى هناك أيضاً من مشاكل التكيف مع واقع جديد، وخشي على ابنه من التحرر الزائد، فلم يكن أمامه من طريق إلا الذهاب إلى تركيا، واليوم يقرر الأب العودة إلى سوريا لكنه يعاني من رفض الابن بسبب الحالة النفسية التي تعرض لها نتيجة هذه المرات العديدة من التنقلات ومن مخاوف العودة وتكرار هذه الظروف القاسية.
عودة مؤجلة
في سياق متصل، هناك حالات عديدة من فلسطينيين كانوا في تركيا وحاولوا العودة إلى سوريا، لكنهم فوجئوا بأن الواقع ما زال قاسياً، فعند الحديث عن العودة إلى مخيم اليرموك مثلاً، يؤكد (ف. أ. ع) 55 عاما أن الواقع ما زال مبكراً للعودة، فهنالك أمور رفضها الأبناء تماماً، ففي تركيا، الخدمات مؤمنة من حيث وصول الغاز والكهرباء والمياه المتوفرة، أما عندما وجد هؤلاء الأولاد في سوريا انقطاع هذه الخدمات وتردي البنية التحتية، فقد تفاجئوا ورفضوا رفضاً باتاً.
الشباب الذين يدرسون في الجامعات ولا يمكن إجبارهم على الإقامة في ظل هذه الظروف، رضخ الآباء إلى رغبات أبنائهم واضطروا إلى العودة إلى تركيا، معتبرين أن تركيا في كثير من الحالات أفضل للإقامة من سوريا في الوقت الحالي.
أزمة صامتة
تواصلت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، مع عدد من الأطباء النفسيين والدارسين في علم النفس، الذين أكدوا على خطورة هذه التحولات المفاجئة في حياة الأطفال والشباب، وقدموا توصيات حول كيفية التعامل مع هذه الحالات.
يشير الأطباء إلى أن الأطفال هم الأكثر تضرراً من هذه التحولات، خاصة في مراحل عمرية حساسة، حيث لا يملكون القدرة على فهم الأسباب الكامنة وراء التغييرات الكبيرة في حياتهم، فيعبرون عن قلقهم من خلال التصرفات كالبكاء المتكرر أو التعلق الزائد بالأم أو رفض النوم وحدهم أو فقدان الشهية.
ويؤكدون أن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى دعم نفسي كبير وإلى برامج تأهيلية تساعدهم على الاندماج في المجتمع الجديد، خاصة أنهم لم يعيشوا هذه الأجواء من قبل ويواجهون تحديات لغوية واجتماعية كبيرة.
كما أن الزوجات يعانين من ضغوط نفسية كبيرة، فهن لم يعتدن على نمط الحياة الجديد ويجدن أنفسهن أمام تحديات يومية في التعامل مع المجتمع الجديد وقلة الخدمات والعيش المشترك مع عائلات أخرى، مما يزيد من شعورهن بالتوتر والقلق.
دعم غائب
في ظل هذه الأوضاع المعقدة، يبرز دور الأونروا والمنظمات الدولية التي كان من المفترض أن تكون شريكاً أساسياً في عملية إعادة إدماج العائدين، لكن الواقع يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية لهذه العائلات وما تقدمه هذه المنظمات حالياً.
المطالب الأساسية التي يطرحها العائدون تشمل إنشاء مراكز دعم نفسي واجتماعي متخصصة للأطفال والزوجات والأهالي، لمساعدتهم على تجاوز صدمة الانتقال والتكيف مع البيئة الجديدة، وصفوف تأهيلية للأطفال ضعاف اللغة العربية لمساعدتهم على الاندماج في المدارس المحلية وتفادي مشكلة التنمر، ومراكز لقاء للعائلات لتبادل الخبرات وتجاوز الحالة النفسية الصعبة، وبرامج توعوية للآباء لتعريفهم بكيفية التعامل مع أبنائهم في هذه المرحلة الانتقالية وكيفية تجاوز مشاعر الذنب والخوف، إضافة إلى دعم مادي لترميم البيوت المهدمة أو توفير مساكن بديلة للعائلات التي لا تستطيع تحمل تكاليف الإيجار المرتفع.