مجموعة العمل – عبيدة السمنة
شكّلت المخيمات الفلسطينية في سوريا، لعقود طويلة، فضاءً اجتماعيًا ارتبط بالهوية الوطنية الفلسطينية وبشبكات تضامن مجتمعي متماسكة. إلا أن سنوات الحرب وما رافقها من تحولات أمنية واقتصادية واجتماعية عميقة أفرزت تحديات جديدة، من أبرزها تنامي ظاهرة انتشار المخدرات داخل عدد من المخيمات، ولا سيما بين فئة الشباب.
تحولات بنيوية بعد سنوات الصراع
تعرضت مخيمات فلسطينية رئيسية، مثل اليرموك ودرعا وحندرات، لدمار واسع ونزوح جماعي، كما لحقت أضرار متفاوتة بمعظم المخيمات الفلسطينية في سوريا، الأمر الذي انعكس على البنية الاجتماعية والخدمية داخلها.
وقد أسهم تراجع المؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية، إلى جانب ضعف شبكات الضبط المجتمعي، في تقليص المساحات الآمنة التي كانت تستوعب الشباب وتحد من تعرضهم للمخاطر الاجتماعية. ومع ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع اقتصاد الظل؛ برزت أنشطة غير مشروعة -من بينها الاتجار بالمخدرات وتعاطيها- بوصفها إحدى الظواهر المرتبطة بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب.
دور النظام السابق في ملف تجارة المخدرات
تتداول أوساط محلية وناشطون روايات تتهم النظام السوري السابق بالتورط في تسهيل أو حماية شبكات مرتبطة بتجارة المخدرات، عبر شخصيات أمنية وعسكرية وتجار ومروجين. وتشير هذه الروايات إلى أن الحملات الأمنية التي نُفذت تحت عنوان مكافحة المخدرات، كانت تركز في كثير من الأحيان على المتعاطين وصغار المروجين، بينما نادرًا ما كانت تصل إلى المستويات العليا لشبكات الاتجار.
وفي المقابل، وثقت جهات دولية وقائع مرتبطة بتجارة “الكبتاغون”، شملت ضبط شحنات كبيرة في عدد من الدول، واكتشاف منشآت ومصانع للإنتاج، وفرض عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنها متورطة في هذه التجارة. كما خلصت تحقيقات وتقارير صادرة عن حكومات ومراكز أبحاث مستقلة، إلى وجود ارتباط بين شبكات تجارة الكبتاغون وشخصيات وأجهزة نافذة في النظام السوري السابق.
ورغم ذلك، لا يوجد حكم قضائي دولي نهائي يثبت مسؤولية الدولة السورية السابقة ككيان عن إدارة تجارة المخدرات، إلا أن وجود تقارير رسمية وتحقيقات مستقلة متقاطعة أسهم في ترسيخ هذا الربط في العديد من التقييمات الدولية.
مرحلة ما بعد سقوط النظام: بين التفكيك واستمرار التحديات
أعقب سقوط النظام السابق الإعلان عن ضبط منشآت لتصنيع المخدرات وإتلاف كميات كبيرة منها، في خطوة عُدَّت مؤشرًا على تفكيك جزء من البنية الإنتاجية لهذه التجارة. إلا أن المرحلة الانتقالية تشهد تحديات أمنية رافقت إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية وبناء الأجهزة المختصة بمكافحة المخدرات.
وفي ظل هذا الواقع، تمكنت بعض شبكات الاتجار والتوزيع من الاستمرار أو إعادة التموضع مستفيدة من ضعف الرقابة في المرحلة الأولى، ما جعل معالجة الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد إغلاق المصانع أو مصادرة المواد المخدرة، إذ امتدت آثارها إلى شبكات توزيع محلية تشكلت خلال سنوات الحرب.
مؤشرات مقلقة داخل المخيمات
تشير إفادات عدد من الأهالي والعاملين في الشأن المجتمعي إلى تزايد حالات تعاطي المخدرات بين فئة الشباب داخل بعض المخيمات الفلسطينية، مع تسجيل حالات في أعمار صغيرة نسبيًا. إلا أنه لا تتوافر حتى الآن دراسات ميدانية مستقلة أو إحصاءات رسمية تحدد حجم الظاهرة بدقة.
ويُعد وصول المخدرات إلى فئات عمرية دون الخامسة عشرة مؤشرًا خطيرًا يستدعي تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتكثيف برامج التوعية والدعم النفسي والتربوي، إلى جانب تفعيل دور الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المحلي.
عوامل استمرار الظاهرة
يرى متابعون أن استمرار انتشار المخدرات يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
* تداعيات الحرب الممتدة.
* الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة.
* التحديات التي تواجه إعادة بناء المؤسسات الأمنية والخدمية.
كما تسهم محدودية برامج الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، إلى جانب تراجع الرقابة الأسرية نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، في زيادة قابلية بعض الشباب للانخراط في التعاطي أو الترويج.
نحو مقاربة شاملة
يرى مختصون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فحسب، وإنما تشمل أيضًا:
* تطبيق القوانين بعدالة وشفافية على جميع المتورطين.
* تعزيز قدرات الأجهزة المختصة في مكافحة الاتجار بالمخدرات.
* إطلاق برامج توعية تستهدف المدارس، والأسر، والشباب.
* دعم الأنشطة الرياضية والثقافية باعتبارها مساحات وقائية للشباب.
* توفير خدمات علاج وإعادة تأهيل للمتعاطين ضمن إطار صحي واجتماعي.
بين الإرث التاريخي والتحدي الراهن
تمثل المخيمات الفلسطينية في سوريا جزءًا من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، غير أن الحفاظ على تماسكها الاجتماعي يتطلب التعامل مع التحديات المستجدة بقدر كبير من المسؤولية. فانتشار المخدرات لا يشكل مجرد ظاهرة اجتماعية، بل يهدد مستقبل الأجيال الشابة ويقوض مقومات الاستقرار داخل المخيمات.
وفي ظل استمرار تداعيات الحرب، تبرز الحاجة إلى شراكة فاعلة بين المؤسسات الرسمية، والمجتمع المحلي، والمنظمات المدنية؛ لوضع استراتيجية متكاملة تجمع بين إنفاذ القانون، والوقاية، والعلاج، وإعادة التأهيل، بما يسهم في حماية المجتمع الفلسطيني في سوريا وصون مستقبله.