خارج المخيم… كيف تُعيد خرائط الإغاثة إنتاج المنسيين من الفلسطينيين السوريين؟

نضال الخليل

ليست المأساة الفلسطينية في سوريا مجرد أثر للحرب إنما هي أيضاً نتيجة الطريقة التي يُعاد بها تعريف الضحية بعد انتهاء الحرب فالصراعات لا تقاس فقط بما تدمره من مدن لكن بما تعجز المؤسسات عن رؤيته حين تبدأ مرحلة التعافي وعند هذه اللحظة تحديداً لا يعود السؤال: “من تضرر؟..بل: أين كان يسكن؟”.

هنا يبدأ شكل آخر من العنف أقل ضجيجاً وأكثر دواماً: عنف التصنيف.. ففي سوريا وجد آلاف الفلسطينيين السوريين الذين عاشوا خارج المخيمات الرسمية أنفسهم بعد الحرب في منطقة رمادية بين تعريفين: لا هم ضمن المخيمات التي تستهدفها برامج إعادة الإعمار المخصصة للاجئين الفلسطينيين ولا هم ضمن أولويات التعافي الشامل للمناطق السورية بوصفهم مجتمعاً مميزاً له احتياجات خاصة.

عاش هؤلاء في أحياء مثل التضامن والحجر الأسود والقدم ويلدا وفي التجمعات الفلسطينية المحيطة بمنطقة السيدة زينب وهي مناطق احتضنتهم لعقود طويلة قبل أن تبتلعها الحرب والدمار.

لقد خسر هؤلاء بيوتهم كما خسرها سكان المخيمات لكنهم لم يُدرجوا في الخرائط التي تُنظم إعادة الإعمار وهكذا تشكل ما يمكن تسميته بـ اللاجئ غير المرئي لا لأنه غير موجود لكن لأن أدوات الرؤية الإدارية لم تعترف به.

إن الجغرافيا هنا لم تعد وصفاً للمكان لكنها أصبحت معياراً للحق.

تاريخياً، بُنيت سياسات الاستجابة تجاه اللاجئين الفلسطينيين في سوريا على المخيم باعتباره الوحدة الأساسية للتدخل لكن الواقع الاجتماعي تجاوز هذا الإطار منذ عقود حين انتقل عدد كبير من العائلات الفلسطينية إلى أحياء دمشق وريفها بفعل التوسع السكاني وضيق المخيمات واندماج العمل والمعيشة مع النسيج العمراني المحيط ومع اندلاع الحرب دُمرت هذه الأحياء كما دُمرت المخيمات لكن دون أن تعاد قراءتها ضمن السياسات الإنسانية نفسها.

دمار كبير..

تشير تقارير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى حجم الدمار الكبير الذي طال مخيم اليرموك وإلى إطلاق برامج لإعادة تأهيل المدارس والعيادات والبنية التحتية ودعم عودة السكان غير أن نطاق هذه البرامج يظل في الغالب مرتبطاً بالمخيمات الرسمية وهو ما يترك فجوات واضحة لدى التجمعات الفلسطينية خارجها رغم تعرضها لمستويات الدمار نفسها.

غير أن هذه الفجوة لا تفهم بوصفها تقصيراً مؤسسياً فقط إنما بوصفها جزءاً من بنية أوسع في نظام التمويل الإنساني الدولي، فمنذ اعتماد نهج المجموعات القطاعية في تنظيم الاستجابة الإنسانية أصبحت عملية توزيع الموارد قائمة على تقسيمات جغرافية ومؤسسية تحدد مسبقاً الفئات المستهدفة، وبهذا المعنى لا تُبنى الاستجابة على حجم الألم لكن على حدود التفويض الإداري لكل جهة مانحة أو منفذة.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن خطط الاستجابة الإنسانية تعتمد على آليات تنسيق بين القطاعات المختلفة لضمان فعالية التدخل إلا أن هذا التنظيم نفسه قد يؤدي عملياً إلى استبعاد مجتمعات لا تقع ضمن التعريفات التشغيلية المعتمدة حتى وإن كانت في قلب الكارثة.

وهنا يصبح الفلسطيني السوري خارج المخيم ليس مجرد ضحية حرب لكنه ضحية نظام تصنيف فالأسرة التي كانت تسكن في حي التضامنعلى مقربة جغرافية واجتماعية من مخيم اليرموك لا تختلف في تجربتها عن الأسرة التي كانت داخله لكن الأولى غالباً ما تُعامل بوصفها جزءاً من المجتمع السوري المتضرر بينما الثانية تُعامل بوصفها جزءاً من المجتمع الفلسطيني المستهدف، وهذا الفرق الإداري الصغير ينتج فرقاً كبيراً في فرص الوصول إلى التمويل وإعادة البناء واستعادة الحياة.

“إنتاج الوجود”

إن ما يحدث هنا يتجاوز البيروقراطية ليقترب مما يمكن تسميته بـ إنتاج الوجود عبر التصنيف فالقوة لا تعمل فقط عبر السيطرة المادية إنما عبر القدرة على تحديد من يُرى ومن يُهمش ومن يدخل في خانة المستفيد ومن يبقى خارجها.

اقتصادياً، ينتج عن هذا الفصل نوع من اللامساواة المركبة فالمخيمات رغم دمارها تحظى ببرامج إعادة تأهيل للبنية التحتية تشمل الطرق والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي وهو ما يساهم تدريجياً في إعادة تشكيل دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخلها أما المناطق الفلسطينية الواقعة خارج المخيمات فتبقى في الغالب خارج هذا المسار وتتحمل كلفة إعادة الإعمار بشكل فردي أو ضمن برامج عامة محدودة الموارد، وهكذا لا يكون التفاوت بين المخيم وخارجه مجرد تفاوت في الخدمات لكنه تفاوت في القدرة على استعادة الحياة نفسها .

ولعل أخطر ما أنتجته الحرب في سوريا بالنسبة للفلسطينيين السوريين ليس فقط التهجير بل إعادة توزيع الاعتراف فحين تربط العدالة الإنسانية بخريطة المخيم يتحول الإنسان إلى تابع لتعريف إداري لا إلى حامل لتجربة معيشة.

إن العدالة في سياق ما بعد الحرب لا يمكن أن تختزل في إعادة بناء الحجر لكنها تبدأ من إعادة تعريف من هو المتضرر ومن يستحق أن يُرى فالحرب لم تفرق بين بيت داخل اليرموك وآخر في التضامن أو الحجر الأسود لكنها خرائط التعافي تفعل ذلك بهدوء وباسم التنظيم والفعالية وهنا تكمن المفارقة القاسية.

لقد وحدت الحرب الألم لكن السياسات أعادت تقسيمه، وحين تصبح الجغرافيا معياراً للحق لا يعود الظلم حدثاً استثنائياً لكنه يتحول إلى نظام صامت لإعادة إنتاج الإقصاء يمارس باسم الحياد ويدار بلغة الإدارة ويبرر بحدود التفويض.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share