أعراس فلسطينيي سوريا: بين التمسك بالإرث والتأثر بالمحيط

إبراهيم محمد

في كل عام، ومع بداية فصل الصيف، تبدأ الأسر الفلسطينية في سوريا بإرسال الدعوات لحضور حفلات الأعراس، في طقسٍ بات معتاداً لدى الجميع وبتوقيت متقارب. وخلال العقدين الأخيرين، شهدت حفلات الزفاف لدى فلسطينيي سوريا تحولاتٍ اجتماعية وثقافية واضحة، لا سيما خلال السنوات التي أعقبت عام 2011، نتيجة التغيرات السياسية والاقتصادية والديموغرافية التي مسّت المجتمع الفلسطيني في البلاد.

فقد أدت موجات النزوح الداخلي، والهجرة الخارجية، وتراجع الأوضاع المعيشية، إلى إعادة تشكيل كثير من الممارسات المرتبطة بالزواج، بما في ذلك طبيعة الاحتفال، وحجمه، وتكاليفه.

ذاكرة الحارات

قبل هذه التحولات، كانت حفلات الزفاف تتسم بطابع جماعي واضح؛ إذ كانت تُقام غالباً في الأحياء والمخيمات الفلسطينية، وتستمر لساعات طويلة أو لعدة أيام، مع حضور واسع للأقارب والجيران. وكانت تتخللها إحياء عدد من العادات الشعبية، مثل: السهرة التراثية (التعليلة)، والحناء، والزفة، والدبكة الفلسطينية، بما يعكس قوة الروابط الاجتماعية والانتماء الجمعي.

يقول أحدهم: “ودائماً ما أذكر، في السنوات التي سبقت التهجير، كيف كانت تُفتح كل بيوت حارتنا في أي حفل زفاف لاستقبال الضيوف، وكأن الحارة أسرة واحدة على اختلاف مشاربها، ولا يكاد الزائر يفرّق بين أهل العرس وجيرانهم.”

أما اليوم، فتبدو مشاركة الجيران خجولة، ويشارك معظم الناس كضيوفٍ عاديين. ولعل ذلك يرجع إلى تفكك الروابط القديمة بسبب التهجير، وتبدل الأجيال، وتقليص فعاليات الزفاف.

تقليص النفقات

لُوحظ في السنوات الأخيرة أن نسبة كبيرة من الأسر اتجهت إلى تقليص حجم الاحتفالات، والاكتفاء بمراسم بسيطة تقتصر على أفراد العائلة والمقربين؛ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف إقامة الحفلات، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، وتشتت أفراد الأسرة بين مناطق ودول مختلفة. كما برزت أنماط جديدة تتمثل في:

  •  إقامة حفلات صغيرة في المنازل أو المطاعم.
  •  توثيق المناسبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من الاحتفالات الواسعة.

في الماضي، كانت الحفلات تمتد لأيام يُقدم فيها العشاء للضيوف يومياً، وفي يوم الزفاف تُقام وليمة العرس الكبرى، وكلما كان صاحب العرس ميسوراً زاد عدد الذبائح. أما اليوم، فتقتصر الضيافة غالباً على المثلجات في الصيف، و”المحلاية” في الشتاء، بالإضافة إلى حلوى “الملبس”.

بين التراث والتأثر بالمحيط

حافظت بعض الأسر على عدد من العناصر التراثية، مثل أداء الدبكة وتشغيل الأغاني الوطنية والتراثية، في محاولة للحفاظ على الهوية الثقافية ونقلها إلى الأجيال الجديدة رغم تغير البيئة الاجتماعية. كما أسهم انتشار التكنولوجيا في تسهيل مشاركة الأقارب الموجودين خارج سوريا عبر البث المباشر أو الاتصال المرئي.

ولكن النمط الغالب هذه الأيام هو إقامة مجالس المدائح النبوية، خاصة في دمشق وريفها، وذلك بتأثير واضح من المجتمع المحيط.

ومع كل تلك التغيرات، بقيت “التعليلة” محافظة على حضورها ولو بالحد الأدنى. و”التعليلة” هي الحفلة التي تُقام ليلة العرس، وتتخللها الدبكة الشعبية ومراسم الحناء للعريس.

أعراس النساء.. والتغيرات العصرية

أما أعراس النساء، فأصبحت تُقام في صالات الأفراح بعد أن كانت تُقام قديماً في المنازل أو على الأسطح. وقد باتت الصالة عُرفاً قد تتخلى الفتاة في سبيله عن الذهب، لكنها لا تتخلى عن الحفلة التي قد يتسبب إلغاؤها في حرجٍ لها أمام صديقاتها، وأحياناً يصل الخلاف حول هذه الأمور إلى حد فسخ الخطبة. من جهة أخرى، تراجعت مشاركة النساء بشكل ملحوظ في الدبكات وحفلات التعليلة.

فضلاً عن ذلك، درجت في السنوات الأخيرة ظاهرة تقليد “الترند” (النزعات الرائجة)؛ بمعنى محاكاة الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل اختيار أغنية محددة عند دخول العريس، أو أثناء رقصة العروسين.

مؤشر للتكافل أم وسيلة للتفاخر؟

يُعد “النقوط” من أبرز العادات الاجتماعية المرتبطة بحفلات الزفاف لدى فلسطينيي سوريا، وهو منتشر لدى معظم فئات الشعب السوري أيضاً بسبب العامل الثقافي المشترك. ويؤدي “النقوط” دوراً يتجاوز كونه هدية مالية للعروسين؛ إذ يمثل شكلاً من أشكال التكافل الاجتماعي والتضامن الأسري.

وقد شهدت هذه العادة تغيرات ملحوظة:

  • آلية التقديم قديماً: عادةً يُقدم “النقوط” بحضور عدد كبير من الأقارب والأصدقاء، وغالباً ما يُعلن عنه بصورة علنية، وأحياناً يُسجل في دفاتر خاصة لضمان مبدأ المعاملة بالمثل في المستقبل. وقد شكل سابقاً مورداً مهماً يساعد الزوجين على تغطية جزء من تكاليف الزواج.
  • الأهمية الحالية: مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، ازدادت الأهمية الاقتصادية “للنقوط”، وأصبح وسيلة أساسية لتخفيف الأعباء المالية. وفي المقابل، أدى انخفاض القدرة الشرائية وتشتت العائلات إلى تراجع قيمته، وأصبحت المساهمات المالية أكثر تواضعاً.
  • أنماط جديدة: اختفت الأشكال القديمة (كتقديم أكياس الأرز أو السكر أو المواشي)، وبرزت التحويلات المالية من الخارج، أو الدفع الإلكتروني.

ومع كل التغيرات، بقي “النقوط” دلالة قوية على مستوى التكافل، ومؤشراً يدل على مكانة الفرد في مجتمعه. كما بقي باباً للتفاخر بالأنساب والقرى الأصلية في فلسطين، وبالكرم، وحتى بالمنصب؛ فلا يصح أن يُنادى على شخص باسمه المجرّد إذا كان لديه مُسمى وظيفي أو مجتمعي، بل يجب ذكره، مع ذكر العائلة أو العشيرة التي ينتمي إليها، وبيان صلة قرابته بأهل العرس.

 موكب الفرح المهيب

“الفاردة” هي عبارة عن موكب للسيارات والحافلات يجوب الشوارع، تتقدمه سيارة العروسين المُزينة، وهو تعبير صاخب عن الفرح. يبدأ الموكب بانطلاق العريس إلى بيت العروس، التي تخرج برفقة أبيها وأعمامها وإخوتها الذكور، تعبيراً عن المساندة النفسية ووجود “العزوة”، ثم يعود الموكب باتجاه بيت العريس أو الصالة لإتمام مراسم الفرح.

وغالباً ما يسلك الموكب طريقاً أطول من المعتاد لزيادة وقت الاحتفال، ويكون عامراً بالتصفيق والغناء طوال الطريق بالأغاني الشعبية أو الحديثة. إلا أن هذا التقليد تراجع كثيراً خلال العقدين الماضيين؛ بسبب الأحداث الأمنية، وصعوبة التنقلات، والابتزاز على الحواجز، بالإضافة إلى نقص الوقود، وغلاء الأسعار، والرغبة في توفير النفقات.

وتشير هذه التحولات إلى أن حفلات الزفاف لدى فلسطينيي سوريا لم تفقد وظيفتها الاجتماعية، بل أعادت التكيف مع الظروف المستجدة؛ حيث انتقل التركيز من المظاهر الاحتفالية المكلفة إلى الجوانب الرمزية والعائلية. ويعكس ذلك قدرة المجتمع الفلسطيني في سوريا على التكيف مع الأزمات، مع المحافظة على عناصر أساسية من هويته الثقافية، وإن بصيغ أكثر بساطة وملاءمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share