مراض لا تنتظر.. بين انهيار الصحة وتخلي الأونروا

مجموعة العمل – ماهر محمود
في مخيمات اللجوء الفلسطيني المنتشرة في سوريا، حيث تتوارث الأجيال حلم العودة كأملٍ لا يخبو، تُكتب يوماً بعد يوم فصول مأساة إنسانية صامتة. إنها معاناة اللاجئين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم، بعد عقود من الانتظار، ضحايا لحرب أخرى لا تقل فتكاً عن ويلات النزاع المسلح: حرب الأمراض المزمنة وانعدام الرعاية الصحية.
ففي الوقت الذي يعاني فيه النظام الصحي السوري من دمار هائل جراء سنوات النزاع، يجد مرضى الفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الموت؛ بسبب تقاعس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عن القيام بدورها الإنساني، وتجاهل المجتمع الدولي لصرخاتهم. تعكس هذه الأوضاع المأساوية فشلاً ذريعاً في توفير أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة والعلاج، وسط غياب تام لبدائل حقيقية، وتحذيرات طبية من أن أي انقطاع في العلاج قد يكون قاتلاً خلال أسابيع.

الأونروا بين الأزمة المالية والتراجع الخدمي
تُعد “الأونروا”، التي تأسست بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، شريان الحياة الأساسي للاجئين الفلسطينيين في سوريا والأردن ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تقدم خدماتها الصحية والتعليمية والإغاثية لحوالي 5.9 مليون لاجئ مسجل. في سوريا، حيث دُمّرت أكثر من نصف المستشفيات العامة جراء النزاع، تبقى عيادات الأونروا المنتشرة في المخيمات الملاذ الوحيد لمئات الآلاف من اللاجئين، إذ تُقدم هذه العيادات خدمات الرعاية الأولية، وتوفر الأدوية المزمنة، وتُجري الإحالات إلى المستشفيات للعمليات والعلاجات المتخصصة. لكن هذا النظام الحيوي يعاني اليوم من أزمة مالية خانقة تعصف به وتهدد قدرته على الاستمرار، بعد أن وصل العجز التمويلي للوكالة إلى حوالي 100 مليون دولار أمريكي، مما حال دون قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

وفي تطور أكثر خطورة، حذر مسؤولو الأونروا من أن الفجوة التمويلية بين الربع الأخير من عام 2025 والربع الأول من عام 2026 قد بلغت نحو 200 مليون دولار، ما يهدد “جدوى عمليات الوكالة” في كامل مناطق عملها. وقد أدى هذا العجز المزمن إلى اتخاذ الوكالة إجراءات تقشفية قاسية، شملت خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، وتجميد 15% من الوظائف الدولية، وتخفيض رواتب الموظفين المحليين، مما انعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للاجئين وزاد من معاناتهم. هذا الوضع المالي المتدهور دفع الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” إلى إطلاق نداء عاجل للمجتمع الدولي، محذراً من أن “سلامة ورفاهية ملايين اللاجئين الفلسطينيين معلقة في الميزان” في غزة والضفة الغربية وسوريا والأردن.

أمراض لا تنتظر.. حياة على حافة الهاوية
في خضم هذه الأزمة المالية الخانقة، تبرز المعاناة الأكثر إيلاماً بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وتتجسد في الفئة الأشد خطورة: مرضى الفشل الكلوي، والسرطان، وأمراض القلب الحادة. هؤلاء المرضى يعيشون على حافة الهاوية، حيث إن أي انقطاع في العلاج أو مماطلة في توفير التمويل اللازم قد يكون حكماً بالإعدام عليهم:

مرضى الفشل الكلوي: يحتاج هؤلاء المرضى إلى جلسات غسيل كلوي منتظمة ومستمرة ليبقوا على قيد الحياة، إذ إن تراكم السموم في الدم نتيجة توقف الكلى عن العمل يؤدي إلى الوفاة خلال أيام أو أسابيع قليلة. لكن تعثر توفير التمويل اللازم لمراكز الغسيل الكلوي، وارتفاع تكاليف جلسات الغسيل في المستشفيات الخاصة، يضع حياة المئات من المرضى في خطر داهم. فمع توقف الدعم أو نقصه، كما حصل مع منظمات إغاثية عديدة، يجد هؤلاء المرضى أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الموت البطيء، أو تحمل تكاليف باهظة تفوق قدرة أسرهم الفقيرة.

مرضى السرطان: إن تأخير العلاجات الكيماوية أو وقفها بشكل مفاجئ لا يعني مجرد تأخير في فرص الشفاء، بل يعني انتشار الخلايا السرطانية بوتيرة متسارعة في الجسم، وتدهور الحالة الصحية بسرعة كبيرة، ما يجعل فرص النجاة في خطر. فالعلاج الكيماوي يعتمد على الاستمرارية والانتظام، وأي انقطاع يمنح المرض فرصة للتطور ويُقلل من فعالية العلاجات السابقة. ومع غلاء تكلفة هذه العلاجات وعدم قدرة الأونروا على تغطيتها بالكامل، يجد العديد من المرضى أنفسهم مجبرين على وقف العلاج، وكأنهم يوقعون على مذكرة وفاتهم بأيديهم.

مرضى القلب: تُعد العمليات الجراحية المفتوحة للقلب، والتي غالباً ما تكون مسألة حياة أو موت لمَن يعانون من أمراض قلبية حادة، حلماً بعيد المنال لعائلات اللاجئين الفقيرة؛ إذ تتجاوز تكلفتها في المستشفيات الخاصة عشرات الآلاف من الدولارات، وهو مبلغ خيالي لا تستطيع أي عائلة لاجئة تدبيره.
وتشير التقارير إلى أن المماطلة في إجراء هذه العمليات، أو عدم قدرة الأونروا على تغطية تكاليفها، تؤدي إلى وفاة العديد من الحالات التي كان يمكن إنقاذها، فيما يبقى آخرون يعانون من آلام حادة ومضاعفات خطيرة تهدد حياتهم يومياً.
يحذر أطباء ومختصون في مجال الصحة العامة من أن أي انقطاع طويل في العلاج، أو المماطلة في توفير التمويل اللازم للعمليات الجراحية، سيؤدي إلى مضاعفات قاتلة خلال أسابيع قليلة فقط. فكل يوم يمر دون توفير العلاج المناسب، هو يوم يخسر فيه المريض فرصة قيمة في معركته مع المرض، ويقترب فيه خطوة أخرى من الموت المحقق. تأتي هذه التحذيرات في وقتٍ يشهد فيه إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولاً وبائياً نحو عبء أكبر للأمراض غير السارية، التي شكلت 74% من مجموع الوفيات في المنطقة عام 2018، مما يزيد من أهمية توفير رعاية صحية مستدامة ومنتظمة لهذه الفئات. وتشير الدراسات إلى أن الأزمات الإنسانية، كما هو الحال مع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، تزيد بشكل كبير من تعقيد إدارة هذه الأمراض المزمنة وتفاقم معاناة المرضى.

نداء إنساني عاجل لا يحتمل التأخير
في ظل هذا الواقع المأساوي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم، تواجه الأونروا انتقادات حادة ومتزايدة بسبب ما وُصف بـ”مماطلتها” في متابعة الحالات الحرجة، وعدم قدرتها على تغطية تكاليف العلاج المتخصص، خاصة العمليات الجراحية باهظة الثمن وعلاجات الأورام. ومع ضعف القدرة الشرائية للاجئين وغلاء تكاليف الاستشفاء في المستشفيات الخاصة، يجد المرضى أنفسهم في مأزق لا حل له، محكومين بين الموت البطيء بسبب توقف العلاج، أو الموت المحقق إذا حاولوا تدبير التكاليف الباهظة بأنفسهم.
وتؤكد التقارير والتحذيرات الصادرة عن الهيئات الصحية والحقوقية، إلى جانب مصادر طبية مطلعة، أن استمرار هذه الأزمة الصحية الخانقة دون تدخل عاجل وحاسم سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا تُحتمل، منها:
ارتفاع معدلات الوفيات بشكل كبير: خاصة بين الفئات الأكثر ضعفاً مثل كبار السن والأطفال والنساء، ومرضى الأمراض المزمنة الذين يُتركون دون رعاية صحية مستمرة، ما يحوّل المخيمات إلى مقابر جماعية صامتة.

انتشار مضاعفات خطيرة لا تُحصى: بين المرضى المزمنين الذين تُركوا دون علاج منتظم، مما يؤدي إلى تفاقم معاناتهم، وفقدان الأمل في التعافي، وزيادة العبء على الأسر والمجتمعات.

انفجار اجتماعي وشيك داخل المخيمات: نتيجة اليأس العميق والغضب العارم من غياب الحلول، ومن عدم اكتراث المجتمع الدولي بمعاناة اللاجئين الذين قضوا عقوداً في انتظار العودة أو حل عادل لقضيتهم. فالصبر على الموت البطيء له حدود، واليأس قد يدفع إلى ردود فعل غير محسوبة.
إن الوضع الإنساني المأساوي للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وخاصة مرضى الأمراض المزمنة والحرجة، يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً وفاعلاً، لا يمكن الاكتفاء فيه بالوعود والبيانات. لقد حان الوقت لترجمة الكلمات إلى أفعال، وتحويل النداءات إلى تمويل فوري ومستدام لخدمات الأونروا الصحية، ومنع انهيار النظام الصحي بالكامل داخل المخيمات.
إن حماية الحق الأساسي للاجئ الفلسطيني في الحياة والعلاج الكريم ليست ترفاً أو منّة، بل هي واجب أخلاقي وإنساني وقانوني تمليه المواثيق الدولية، وتفرضه إنسانية الشعوب.
الوقت ينفد بسرعة، والأرواح معلقة بين الحياة والموت، والمأساة الصامتة في مخيمات اللجوء الفلسطيني في سوريا بحاجة إلى من يسمع صرختها قبل فوات الأوان.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share