مجموعة العمل – فايز أبو عيد
في زمن المونديال، حيث تتراقص الكرة على أقدام نجوم العالم، وتتحول الملاعب إلى مسارح للأحلام والانتصارات، يعود بي الفضول إلى سؤال يلحّ عليّ كموج البحر: لماذا لا يكون للفلسطينيين في سوريا مشروعهم الرياضي الخاص؟ إنه سؤال مشروع، خاصة وأن اسم فلسطين ظل لسنوات طويلة مرتبطاً في الذاكرة السورية بالوجع والفقد، سواء عبر “فرع فلسطين” الذي أذاق الجميع مرارة الألم، أو عبر فصائل ونشاطات حملت الاسم لكنها لم تكن يوماً مشروعاً يبني ويعمر، بل كانت سلاحاً يهدم ويفرق ولا يجمع.
صحيح أنه في الماضي كانت هناك فرق فلسطينية هنا وهناك، في مخيم اليرموك ومخيمات أخرى إضافة إلى مدارس الأونروا، لكنها لم تكن بالمستوى المطلوب، ولم تحظَ بالدعم الكافي الذي يليق بحجم القضية التي تمثلها، أما اليوم، وبعد تحرر سوريا، وفي عصر الإنترنت والفضائيات، تأتي الرياضة كأسرع طريق لإيصال صوت الفلسطيني إلى العالم، وكأجمل رسالة تعيد للاسم بريقه وجماله.
نحن اليوم بحاجة إلى تفعيل هذه الفرق ودعمها، لتتحول إلى نوادٍ رياضية تحمل أسماء مدننا الغالية – عكا، يافا، حيفا، صفد – تتنافس في الدوري السوري وتصنع سفراء لفلسطين، وهذا الحلم يحتاج إلى رجال أعمال فلسطينيين يستثمرون في مواهب المخيمات والتجمعات الفلسطينية، لتكون الرياضة عنواناً للحياة لا للدمار، وليصبح اسم فلسطين مقترناً بالفرح والأمل، فهل آن الأوان؟
نماذج عالمية تلهمنا
عندما نتحدث عن الرياضة كرسالة هوية، لا يمكننا أن نتجاهل القصص الملهمة التي تثبت أن كرة القدم تتجاوز حدود الملعب لتصبح منبراً للقضايا العادلة.
في تشيلي البعيدة، هناك قصة تستحق التأمل، نادي “ديبورتيفو بالستينو” ليس مجرد فريق كرة قدم، إنه رمز لهوية فلسطينية ممتدة عبر المحيطات، أسسه مهاجرون فلسطينيون عام 1920، وأصبح اليوم أكثر من مجرد نادٍ، إنه منصة سياسية وثقافية تعبر عن تضامن الجالية الفلسطينية الأكبر خارج الشرق الأوسط مع وطن أجدادهم.
في عام 2014، فرض اتحاد كرة القدم التشيلي غرامة على النادي لأنه صمم الرقم “1” على ظهر القمصان على شكل خريطة فلسطين قبل عام 1948، لكن النادي لم يتراجع، بل ازداد تمسكاً بهويته.
وفي الحرب الأخيرة على غزة، تحولت مباريات بالستينو إلى تظاهرات حاشدة، حيث رفع الآلاف العلم الفلسطيني ورددوا الهتافات المؤيدة للقضية، وسط دولة تعاقب عادة على الإظهار السياسي في الملاعب، ولكن الرئيس التشيلي اليساري غابرييل بوريك نفسه وصف إسرائيل بأنها “دولة إبادة جماعية”، وانضمت حكومته إلى دعوى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية.
أما في إيرلندا، فالقصة مختلفة لكن الروح واحدة.
المشجعون الإيرلنديون، الذين عانوا هم أيضاً من الاحتلال البريطاني لقرون، وجدوا في القضية الفلسطينية صدى لمعاناتهم.
في المباريات الدولية، يرفع مشجعو المنتخب الإيرلندي الأعلام الفلسطينية، ويغنون لفلسطين، وكأنهم يردون الجميل لتضامن الفلسطينيين معهم في محنتهم، هذا التقاطع بين الشعوب التي عانت من الاحتلال يخلق روابط تتجاوز الجغرافيا، ويثبت أن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للتضامن الإنساني.
لامين يامال
في إسبانيا، وتحديداً في شوارع برشلونة، شهد العالم قبل أسابيع مشهداً لن ينسى، النجم الشاب لامين يامال، اللاعب المغربي الأصل، رفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه بلقب الدوري الإسباني.
لم يكن مجرد رفع لعلم، بل كان رسالة عالمية، هذا المشهد أثار ضجة هائلة، فمن جهة، تفاعل العرب والفلسطينيون بحماس كبير مع اللقطة، واعتبروها لحظة فخر واعتزاز، ومن جهة أخرى، أثارت غضباً إسرائيلياً غير مسبوق، الناشط الإسرائيلي يوسف حداد وصفه بـ “الأحمق” الذي استخدم موهبته لأغراض سياسية، أما الصحفي مئير فريليشمان، وهو من مشجعي برشلونة، قال بكل صراحة: “أتمنى أن يتعرض لإصابة ولا يلعب في كأس العالم”. بينما هاجم وزير دفاع الاحتلال يسرائيل كاتس اللاعب لامين يامال، معتبراً أن ظهوره وهو يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة “تحريض ضد إسرائيل وإثارة للكراهية”، مؤكداً أنه “لن يصمت أمام ما وصفه بالتحريض ضد الشعب اليهودي”، في حين قال آخرون إن ما فعله لامين “لا علاقة له بكرة القدم”.
لكن الحقيقة أن لامين يامال فعل ما فعله لأن جذوره العربية ليست مجرد هوية عابرة، بل هي جزء من كيانه، وهو بذلك انضم إلى قائمة طويلة من الرياضيين الذين استخدموا الرياضة كمنبر للتعبير عن دعمهم للقضايا الإنسانية، مدركين أن الملاعب قد تكون أكثر تأثيراً من أي منصة سياسية.
أسماء لا تنسى
قبل أن ننظر إلى الحاضر، علينا أن نتذكر الماضي، فالرياضة الفلسطينية في سوريا لها تاريخ مشرف، حافل بالأسماء التي صنعت مجد الكرة السورية والعربية.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان للاعبين الفلسطينيين حضور طاغٍ في الأندية السورية، وقد ذكر أخي وصديقي الاستاذ نبيل محمود السهلي في مقال مميز عدد كبير من اللاعبين الفلسطينيين ودورهم في الرياضة السورية من قبيل جورج مارديني الذي لعب في فريق الجيش السوري، وجبرا الزرقاء كان نجماً في فريق الدرك، وإسماعيل النجار تألق في وسط ميدان منتخب سورية، وأسدور حارس المرمى كان عنواناً للثبات في فريق الجيش.
وفي السبعينيات، تألق جيل جديد: فؤاد أبو غيدا، عزمي حداد، إبراهيم المغربي، الأخوان أحمد طالب وإسماعيل تميم من قرية الجاعونة في صفد، نزيه زواوي من قرية معذر، يوسف تميم الملقب بـ”الهسي”، عبد المنعم نعيمة من الجاعونة أيضاً، ومفيد تميم حارس بردى، وعمر الأسود من حيفا.
وفي الثمانينيات، واصل الفلسطينيون تألقهم: حسين ديب كان أفضل لاعب قلب هجوم في سوريا، وعمر عليان انتقل إلى الاحتراف في الإمارات، ومحمود شريح كان حارس نادي الثورة. وفي حقبات لاحقة، ظهرت أسماء مثل عمر خليل (ابن شقيق الشهيد عمر خليل)، ومنصور الحاج سعيد الذي حمل شهادة الدكتوراه في التحليل الرياضي، ومروان كنفاني الذي انتقل من حراسة مرمى الأندية السورية إلى نادي الزمالك المصري ثم إلى مستشار سياسي للرئيس ياسر عرفات.
هؤلاء جميعاً أثبتوا أن الفلسطيني، أينما حل، يحمل في قلبه موهبة استثنائية وشغفاً لا يوصف. لكن السؤال المؤلم يبقى: لماذا توقفت هذه المسيرة؟ لماذا لم تستمر هذه الإنجازات في العقدين الأخيرين؟
حلم ينتظر من يزرعه
في محافظة درعا، وتحديداً في منطقة الضاحية، تم افتتاح ملاعب كثيرة، ولكن المميز افتتاح “أكاديمية هاتريك”، في ضاحية درعا حيث التواجد الفلسطيني يبدو مميزا، هذه الأكاديمية التي أصبحت اليوم من أفضل الملاعب في المحافظة، هذا الملعب لم يقتصر على كونه مكاناً لممارسة الرياضة، بل أصبح قبلة لعشاق كرة القدم، ومتنفساً للشباب الذين تعطشوا للفرح بعد سنوات من الحرمان.
على هامش إحدى المباريات الودية في الأكاديمية، التقينا بعدد من الشباب اللاعبين، وتحدثنا عن أحلامهم.
كان اللقاء الأكثر تأثيراً مع الشاب الفلسطيني “أغيد أبو عاتوق 16 عاما”، لاعب فريق “الشعلة” وهو من مهجري مخيم درعا قال أغيد بكلمات حملت الكثير من الألم والأمل: “أتمنى بكل قلبي أن ألعب في فريق يحمل اسم فلسطين، أو الأقصى، أو القدس، أي شيء يذكرنا بهويتنا، أشعر أحياناً أنني ألعب بجسد هنا، لكن روحي في فلسطين، لو وجدت يوماً فريقاً فلسطينياً يدعمني، لأعطيت كل ما أملك لأجله.”
لم يكن كلام أغيد مجرد أمنيات عابرة، بل كان تعبيراً عن معاناة يعيشها كثير من اللاعبين الفلسطينيين في سوريا، الذين يمتلكون الموهبة لكنهم يفتقرون إلى الدعم، ويضطرون للعب تحت أسماء فرق سورية، وكأن هويتهم تذوب في الزحام.
رؤية لمستقبل واعد
في لقاء آخر، كان لنا حديث مطول مع الأستاذ “أنس الغزاوي أبو مالك”، رئيس نادي المزيريب، وهو فلسطيني سوري من جيل الثورة، عاش أيام الملاحقة ولم يتوقف يوماً عن حب كرة القدم.
حدثنا أبو مالك بعين الخبير: “نحن نملك كنزاً من المواهب الرياضية في المزيريب وفي كل تجمعات الفلسطينيين في سوريا، هناك لاعبون مميزون، لكنهم بحاجة إلى الدعم، نتمنى أن نرى تنافساً رياضياً حقيقياً بين السوريين والفلسطينيين.
تخيلوا فرقاً بأسماء ترمز إلى هويتنا: كفركنا، الأقصى، حيفا، الجليل، هذه الأسماء تحمل تاريخاً وذاكرة، وستكون دافعاً قوياً للاعبين.
وعندما يتم دعم هذه الفرق، سيكون الناتج مشرفاً ليس فقط لفلسطين، بل لسوريا التي تستضيفنا.”
وتابع بحماس: “اليوم، وبعد الحرية في سوريا، أصبحت الفرصة سانحة. لدينا أصحاب أموال وتجار من أبناء فلسطين في درعا وغيرها، الدعم ليس خيرياً فقط، بل استثمار في مستقبل أبنائنا، عندما تدعم فريقاً فلسطينياً، فأنت تدعم قضية بأكملها، وتصنع سفراء لهذه القضية في كل ملعب.”
وختم أبو مالك كلماته بأمنية غالية: “أتمنى أن تعود دوريات المخيمات كما كانت في الماضي.
تلك البطولات كانت تجمع العائلات، وتظهر المواهب، وتخلق تنافساً شريفاً. لقد توقفت لسنوات، وحان وقت عودتها.”
الرياضة كصوت فلسطيني في العالم
في كل مرة نرى فيها لاعباً فلسطينياً او غير فلسطيني يرفع علم فلسطين في محفل دولي، يغمرنا الفخر، ونرى كيف تثير هذه اللحظات حنق الاحتلال وتخلق موجات من التضامن حول العالم، لامين يامال فعلها، ورياضيون آخرون فعلوها قبله.
تخيلوا لو كان لدينا فريق كامل، بل عدة فرق، تحمل اسم فلسطين في سوريا، وتنافس في البطولات المحلية، تخيلوا لو كان لدينا دوري يجمع فرقاً بأسماء مدن فلسطينية: حيفا، يافا، صفد، بيسان، الجليل، النقب. كيف سيكون الأثر؟
الرياضة هي أسهل طريق للوصول إلى العالم، هي لغة يفهمها الجميع، وهي وسيلة لنقل الرسائل دون حاجة إلى خطب طويلة.
عندما يدخل فريق فلسطيني الملعب، فإنه لا يدخل فقط للفوز، بل ليقول للعالم: نحن هنا، نحن موجودون، ولن نرحل أبداً.
فلسطين في الملعب
في زمن المونديال، أوجه نداءً صادقاً إلى كل فلسطيني يملك المال أو النفوذ في سوريا: ادعموا شبابكم، ابنوا لهم ملاعب، وفروا لهم مدربين، ونظموا دوريات تحمل أسماء مدننا الفلسطينية، الأقصى، حيفا، كفركنا، الجليل.
استثمروا في أحلامهم، فهذا استثمار في قضية فلسطين وسوريا الجديدة، تخيلوا الفرحة على وجوه أطفالنا حين يشعرون أن هناك من يؤمن بموهبتهم.
الطريق طويل، لكن البداية من درعا، من أكاديمية هاتريك ونادي المزيريب، من أحلام أغيد وعزيمة أنس، فلسطين في القلب والملعب، ولن يهدأ لنا بال حتى نرى علمنا يرفرف في سماء الرياضة السورية.