الفلسطيني السوري حين يُعاد تعريف الانتماء في مختبر الجرح السوري

مجموعة العمل – نضال الخليل

الفلسطيني السوري ليس رقمًا في سجلات اللجوء ولا هو مجرد توزع سكاني على جغرافيا المخيمات الممتدة من دمشق إلى حلب ومن درعا إلى اللاذقية

إنه على نحو أعمق حالة اندماج تاريخي داخل التكوين السوري نفسه في اللغة اليومية، في المدرسة، في السوق، في علاقات المصاهرة وفي ذلك النسيج غير المرئي الذي يجعل الجماعات تتجاوز تعريفاتها القانونية لتغدو جزءًا من الذاكرة الحية لمكان ما

لهذا لم يكن انخراط الفلسطيني السوري في الانتفاضة السورية منذ عام 2011 فعل تضامن خارجي ولا انحيازًا أيديولوجيًا عابرًا لقد كان في جوهره انكشافًا لحقيقة ظلت كامنة طويلًا:

  • أن الفلسطيني السوري لم يعد يعيش في سوريا بوصفه ملحقًا بتاريخها بل بوصفه أحد سكان جرحها الداخلي

في السنوات التي تلت اندلاع الثورة وحين تحولت البلاد إلى مسرح مفتوح للقمع والحصار والاقتلاع لم يكن الفلسطيني السوري متفرجًا على المأساة السورية كان داخلها تمامًا في حصار مخيم اليرموك، في موجات النزوح المتكررة، في الاعتقالات، في الإخفاء القسري وفي تلك السيرة الجماعية التي اختلط فيها الفلسطيني بالسوري حتى صار من العبث أحيانًا التمييز بين من ينتمي إلى أي ذاكرة منهما هنا تحديدًا لم يعد الانتماء مسألة وثيقة أو تعريفًا قانونيًا لكنه صار مسألة مصير

في مخيم اليرموك وحده الذي تحول من “عاصمة الشتات الفلسطيني” إلى مساحة حصار ومجاعة ودمار سقط عدد كبير من الضحايا من الفلسطينيين السوريين بعضهم تحت القصف وبعضهم جوعًا وبعضهم في ظروف لم تُوثق بالكامل بفعل انهيار أدوات التوثيق نفسها

وفي مناطق أخرى مثل درعا وحمص وريف دمشق كان الفلسطيني السوري حاضرًا في قوائم الشهداء كما هو حاضر في قوائم المفقودين دون أن يُعامل كمجتمع منفصل عن السياق السوري العام إنما كجزء من كلفة الحرب ذاتها

وإذا كانت الأرقام الكاملة لا تزال غير مكتملة بسبب طبيعة الحرب وتعقيداتها فإن تقارير منظمات حقوقية وبيانات الأمم المتحدة حول أوضاع المخيمات تشير إلى آلاف الضحايا من الفلسطينيين السوريين بين قتيل ومفقود ومعتقل خلال سنوات الصراع إضافة إلى موجات واسعة من التهجير القسري خارج سوريا وداخلها غير أن الرقم مهما كان يظل قاصرًا أمام حقيقة أكثر قسوة:

  • أن الفقد لم يكن فرديًا لكنه جماعيًا وأن الغياب لم يكن حالة استثنائية لكنه بنية حياة كاملة

من بين هذا الفقد برزت ظاهرة الإخفاء القسري بوصفها أحد أكثر الأشكال قسوة في التجربة السورية   فقد وثقت تقارير حقوقية عديدة وجود فلسطينيين سوريين بين عشرات آلاف المعتقلين والمختفين قسرًا في سجون النظام السابق دون إعلان مصيرهم أو تقديم معلومات عن أماكن احتجازهم

إن الإخفاء القسري هنا لا يطال الأفراد فقط لكنه يطال فكرة الوجود نفسها أن يُنتزع الإنسان من الزمن ويُعلق بين الحياة والموت، بين الاسم والصمت

ومن هنا تحديدًا يكتسب السؤال الذي يخص العدالة الانتقالية معناه الأعمق فالفلسطيني السوري ليس “قضية إضافية” داخل ملف العدالة السورية لكن هو جزء عضوي من هذا الملف

إن العدالة الانتقالية إذا ما أُريد لها أن تكون عادلة فعلًا لا يمكن أن تُبنى على تقسيم الضحايا إلى درجات أو هويات لأن الجرح في جوهره لم يكن مملوكًا لفئة دون أخرى إنما كان موزعًا على الجسد الاجتماعي كله

إن حق الفلسطيني السوري في العدالة الانتقالية لا ينبع فقط من كونه ضحية لكن من كونه جزءًا من النسيج الذي تعرض للتفكيك وهذا الحق يشمل كشف مصير المفقودين بما في ذلك أولئك الذين لا يزالون مجهولي المصير في سياق الإخفاء القسري وتوثيق الانتهاكات التي طالت المخيمات وإعادة الاعتبار للضحايا بوصفهم جزءًا من سردية وطنية واحدة لا سرديات متنازعة

غير أن المسألة لا تقف عند حدود القانون أو التوثيق إنها تمتد إلى سؤال أخلاقي أعمق:

  • كيف يمكن لمجتمع خرج من العنف أن يعيد تعريف الضحية دون أن يعيد إنتاج الإقصاء؟

في هذا السياق يصبح الفلسطيني السوري مرآة إضافية لسوريا نفسها لا خارجها فكما أن السوريين أنفسهم يتوزعون بين شهداء ومعتقلين ومغيبين وناجين كذلك عاش الفلسطيني السوري التجربة ذاتها بالآليات ذاتها تقريبًا داخل المكان نفسه

ولهذا فإن أي محاولة لعزله عن هذا السياق أو إعادة صياغته كجسم منفصل عن الذاكرة السورية ليست مجرد خطأ في القراءة السياسية لكنه خلل في فهم طبيعة الكارثة نفسها

منذ 2011 وحتى لحظة التحول السياسي التي انتهت بسقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 لم يكن الفلسطيني السوري خارج التاريخ السوري إنما كان أحد أكثر تجلياته كثافة وحين بدأت البلاد تخرج من زمنها الدموي بقيت أسئلته مفتوحة:

  • من يوثق الشهداء الذين لم تُستكمل أسماؤهم؟
  • من يعيد للغائبين أسماءهم؟
  • ومن يمنح الناجين حقهم في أن يكونوا جزءًا من العدالة لا مجرد شهود على غيابها؟

إن الفلسطيني السوري في نهاية المطاف لا يطالب بامتياز إنما باعتراف… اعتراف بأن الذاكرة السورية نفسها لا يمكن أن تُكتب من دون الذاكرة الفلسطينية التي تداخلت معها لا كضيف عليها لكن كجزء من لغتها الداخلية

وفي هذا المعنى لا يعود السؤال:

  • هل الفلسطيني السوري داخل الرواية السورية أم خارجها؟

بل يصبح السؤال على نحو أكثر إيلامًا ودقة:

  • كيف يمكن لسوريا أن تستعيد روايتها إذا لم تستعد أولًا كل من دُفنوا في طبقاتها وكل من غابوا في سجونها وكل من تشابهت ملامحهم حتى صار الفقد هوية مشتركة لا تميز بين أحد وآخر؟

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share