ظاهر صالح _ مجموعة العمل
في مخيم مشهد يعكس التناقض بين الطموح والواقع، يجتمع أهالي مخيم السيدة زينب هذه الأيام على أمل أن تكون أيام الصيف مختلفة لأطفالهم، بينما على بعد أمتار قليلة، في تجمعات منطقة “تجمع حجيرة”، يعيش آلاف الفلسطينيين حالة من الغياب عن خريطة الاهتمام الإغاثي والتنموي، في قصة متكررة للتهميش تعكس أزمات متراكمة في التعامل مع امتدادات المخيمات الفلسطينية في ريف دمشق.
محاولة لإنقاذ الأطفال من شوارع التهميش
في خطوة استباقية لمواجهة فراغ العطلة الصيفية، كشفت مصادر محلية في مخيم السيدة زينب، عن تفاصيل برنامج صيفي طموح يجري الإعداد له، يهدف إلى استثمار أوقات الأطفال وإبعادهم عن المخاطر الاجتماعية المتفاقمة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، ويتضمن البرنامج المرتقب أنشطة متعددة الأبعاد، تشمل:
- الأنشطة الدينية: حلقات لحفظ القرآن الكريم وعلوم التجويد، لترسيخ الهوية.
- الأنشطة الرياضية: تدريبات في كرة القدم، التايكوندو، والسباحة، لتفريغ طاقات الأطفال بشكل إيجابي.
· الأنشطة التعليمية: دورات في الحوسبة والذكاء الاصطناعي، لمحاولة سد الفجوة الرقمية التي يعاني منها أبناء المخيم.
· الأنشطة الثقافية: برامج توعوية لتعريف الأطفال بالقضية الفلسطينية وترسيخ الرواية التاريخية، في محاولة للحفاظ على الجذور رغم البعد الجغرافي.
وأكدت المصادر أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تبقى “مسكنات” في وجه غياب الخدمات الأساسية، داعية إلى تضافر الجهود المحلية لدعم مثل هذه البرامج التي تساهم في حماية الأطفال والناشئة من تداعيات الواقع المتردي.
واقع مرير. نقص حاد في الخدمات وبنية تحتية منهكة
لكن خلف الأجواء التفاؤلية للبرنامج الصيفي، يرسم أهالي المخيم صورة أكثر قتامة للواقع. فخلال الاستعدادات لهذا الموسم، تم التطرق إلى التحديات الجسام التي تواجه العائلات، والتي تتلخص في:
- غياب البنية الصحية: نقص حاد في المراكز الطبية والمستشفيات المتخصصة، ما يضطر المرضى لتحمل عناء السفر وتكاليف العلاج الباهظة.
- شلل تعليمي: مدارس مكتظة أو مدمرة جزئياً، تعاني من نقص في الكوادر التدريسية والوسائل التعليمية، ما ينذر بفقدان جيل كامل لفرصته في التعليم الجيد.
- خدمات أساسية منعدمة: أزمة مياه وصرف صحي وكهرباء، تحول حياة العائلات إلى معاناة يومية في تأمين أبسط متطلبات العيش.
ويؤكد الأهالي أن الحديث عن الأنشطة الصيفية لا يجب أن يطغى على المطالب الأساسية بالحق في الحياة الكريمة، مشددين على أن الترفيه لا يعوض غياب الدواء والماء النظيف والمدرسة الآمنة.
“تجمعات حجيرة”.. الجار المنسي الذي يفوق عدده أبناء المخيم
في سياق متصل، كشف متابعون للشأن الفلسطيني عن مفارقة صارخة، حيث أكدوا أن تجمعات منطقة حجيرة، التي تقع على مقربة من المخيم، تضم تعداداً سكانياً فلسطينياً يفوق بكثير عدد سكان مخيم السيدة زينب نفسه، ومع ذلك، يعاني هذا التجمع من تهميش ممنهج على جميع الأصعدة:
– تهميش إغاثي: يتم حصر توزيع المساعدات الإنسانية (المواد الغذائية، الدواء، والوقود) على سكان المخيم الرسمي فقط، بينما يُحرم سكان “تجمعات حجيرة” من هذه المساعدات، رغم حاجتهم الماسة لها، بذريعة عدم إدراجهم ضمن قوائم المستفيدين الرسمية، في تجاهل واضح لواقع الاحتياج الفعلي.
– تهميش إعلامي: تغيب تغطية وسائل الإعلام عن معاناة أهالي تجمعات حجيرة، ما يحول دون إيصال صوتهم إلى المهتمين بالشأن الفلسطيني، ويجعل قضيتهم غير مرئية، رغم حجم المعاناة الكبير.
– تهميش تنموي: لا تشمل خطط التنمية وإعادة الإعمار أو تحسين البنى التحتية هذه التجمعات، التي تعاني من أوضاع سكنية كارثية، وتداعيات الحرب والنزوح التي لم تلتئم جراحها بعد.
وتجددت الدعوات على لسان الأهالي والناشطين إلى ضرورة توسيع نطاق البرامج الإغاثية والتنموية لتشمل كافة التجمعات الفلسطينية في محيط السيدة زينب ومنطقة حجيرة، وشارع الشهيد علي الوحش وشارع الشهيد فايز منصور، معتبرين أن التمييز في التوزيع يزيد من حدة الفقر ويخلق شرخاً اجتماعياً بين مكونات الشعب الواحد، ويُبقي آلاف العائلات في دائرة الفقر المدقع رغم قربها الجغرافي من مراكز الإغاثة.
نداءات متكررة.. والبحث عن حلول شاملة
وفي ظل هذا الواقع، يطالب أهالي المخيمات والتجمعات المجاورة بتبني سياسات إغاثية عادلة، تعترف بكل التجمعات الفلسطينية، وتعمل على دمجها في خطط التنمية، بعيداً عن التقسيمات الإدارية التي حولت المعاناة إلى أرقام في جداول غير مكتملة.
كما شدد الناشطون على أن الإعلام الحر يتحمل مسؤولية كبيرة في نقل هموم اللاجئين الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم، لا سيما في ظل استمرار معاناة آلاف العائلات التي تواجه ظروفاً معيشية قاسية نتيجة النقص في الخدمات الأساسية وغياب البنية الصحية والتعليمية الكافية، مؤكدين أن التغطية العادلة لكل التجمعات هي خطوة أولى نحو تحقيق العدالة في التوزيع.
ويبقى السؤال الذي يطرحه أهالي تجمعات حجيرة، ويتردد في أروقة المخيم: هل ستتحول هذه الندوات والاستعدادات الصيفية إلى برامج فعلية تشمل الجميع؟ أم أن برامج الترفيه الصيفي ستظل حكراً على أبناء المخيم، بينما يعاني جيرانهم في تجمعات حجيرة من جوع الخدمات وعزلة الدعم؟