فايز أبو عيد
أدى النزاع المسلح في سورية منذ عام 2011 إلى تعرّض اللاجئين الفلسطينيين لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والحصار، إضافة إلى التدمير واسع النطاق للمخيمات الفلسطينية والبنى التحتية فيها.
وفي ظل القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات وغياب الشفافية الرسمية خلال سنوات النزاع من قبل طرفي النزاع، برزت التكنولوجيا والأدوات الرقمية كوسيلة أساسية في توثيق هذه الانتهاكات وحفظ الأدلة المرتبطة بها.
في حين يلعب التوثيق الرقمي دورًا متزايد الأهمية في جمع المعلومات، والتحقق منها، وأرشفتها، بما يعزز من فرص استخدامها في جهود المناصرة الحقوقية ومسارات المساءلة القانونية مستقبلًا.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية كإحدى الجهات الحقوقية المستقلة التي اضطلعت بدور محوري في رصد وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في سورية، عبر إنشاء قواعد بيانات رقمية وأرشيفات موثقة تعتمد على مصادر متعددة.
يُقدَّر عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في سورية قبل عام 2011 بنحو 560 ألف لاجئ موزعين على عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية في مختلف المحافظات السورية، أبرزها مخيم اليرموك في دمشق، الذي كان يُعد أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في البلاد.
ومع تصاعد الحرب في سورية، تعرضت العديد من المخيمات الفلسطينية للقصف والدمار والتهجير القسري، كما طالت الانتهاكات مختلف جوانب حياة اللاجئين، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والحصار، والتضييق على الحركة والتنقل.
وفي ظل هذه الظروف، برزت الحاجة إلى آليات مستقلة وموثوقة لرصد الانتهاكات وتوثيقها، وهو ما أسهمت فيه التكنولوجيا الحديثة والأدوات الرقمية بشكل كبير.
دور مجموعة العمل في التوثيق والأرشفة
تُعد مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية إحدى أبرز الجهات الحقوقية التي عملت منذ عام 2012 على رصد وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في سورية.
وقد طورت المجموعة منهجية عمل تعتمد على جمع المعلومات من مصادر متعددة، تشمل الشهادات المباشرة، والمواد البصرية، والوثائق الرقمية، إضافة إلى عمليات التحقق والتدقيق قبل إدراج البيانات ضمن قاعدة المعلومات الخاصة بها.
ووفقًا للبيانات التي وثقتها المجموعة حتى السنوات الأخيرة، فقد تمكنت من تسجيل ما يلي:
توثيق أكثر من 5500 ضحية من اللاجئين الفلسطينيين قضوا نتيجة العمليات العسكرية أو تحت التعذيب أو بسبب الحصار والظروف الإنسانية.
توثيق ما يزيد عن 2500 حالة اعتقال في صفوف اللاجئين الفلسطينيين في سورية.
تسجيل أكثر من 5000 حالة اختفاء قسري لمعتقلين فلسطينيين لا يزال مصيرهم مجهولًا حتى الآن.
رصد تدمير واسع في المخيمات الفلسطينية، حيث تعرضت أجزاء كبيرة من مخيم اليرموك ودرعا وخان الشيح وحندرات لأضرار جسيمة نتيجة العمليات العسكرية.
كما عملت المجموعة على إنشاء أرشيف رقمي واسع النطاق يضم مواد توثيقية متنوعة، من بينها: آلاف مقاطع الفيديو التي توثق عمليات القصف والدمار في المخيمات الفلسطينية، ومئات الشهادات المصورة لأهالي الضحايا والمعتقلين، وآلاف الصور والوثائق الرقمية المرتبطة بالأحداث والانتهاكات التي وقعت خلال الثورة السورية.
ويُعد هذا الأرشيف أحد المصادر المهمة التي يعتمد عليها الباحثون والصحفيون والمنظمات الحقوقية في دراسة واقع اللاجئين الفلسطينيين في سورية.
التكنولوجيا كأداة للتوثيق والتحقق
ساهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي في تمكين الأفراد من توثيق الأحداث والانتهاكات بشكل فوري. وقد أدى ذلك إلى زيادة حجم المواد الرقمية التي يمكن الاستناد إليها في عمليات التوثيق.
كما ساعدت التقنيات الحديثة في تعزيز مصداقية المواد الموثقة، من خلال استخدام أدوات التحقق الرقمي، مثل: تقنيات تحديد الموقع الجغرافي لتحديد مواقع الأحداث بدقة، تحليل المصادر المفتوحة للتحقق من صحة الصور ومقاطع الفيديو، منصات التخزين السحابي المشفرة لحفظ المواد التوثيقية ومنع فقدانها أو مصادرتها.
وقد أصبحت هذه الأدوات جزءًا أساسيًا من منهجيات التوثيق المعتمدة لدى العديد من المنظمات الحقوقية الدولية.
التكنولوجيا وحفظ الذاكرة الجماعية
إلى جانب دورها في توثيق الانتهاكات، أسهمت التكنولوجيا في حفظ الذاكرة الجماعية للاجئين الفلسطينيين في سورية، من خلال إنشاء منصات رقمية تضم أسماء الضحايا والمعتقلين وصورهم وسيرهم الذاتية.
ويُعد هذا النوع من الأرشفة عنصرًا مهمًا في: حفظ الهوية الإنسانية للضحايا، دعم حق العائلات في معرفة الحقيقة، توفير سجل موثق يمكن الاستناد إليه في مسارات العدالة الانتقالية مستقبلاً.
هذا وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التكنولوجيا الرقمية لعبت دورًا حاسمًا في توثيق الانتهاكات التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في سورية خلال سنوات النزاع.
وختاماً يمكن القول: إن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية ساهمت بشكل كبير في هذه الجهود، من خلال تطوير قواعد بيانات وأرشيفات رقمية واسعة النطاق توثق الانتهاكات المرتكبة وتوفر معلومات موثوقة حول الضحايا والمعتقلين والمفقودين.